لاجئ سوري: هربت من الموت المجاني لكن دفعت الثمن أسرتي

“هربت من براميل النظام ونحر داعش، وفضلت الموت في البحر، وفقدت فيه أعز ما أملك” بهذه الكلمات الدامية بدأ معنا اللاجئ السوري بالمجر الدكتور أحمد الحلبي في رواية قصة هروبه المرعبة، من حطام دولة كانت فقط منذ ما يقرب من ست سنوات ملاذًا آمنًا لملايين السوريين وعائلاتهم.
الحلبي طبيب أطفال، درس الطب بجامعة دمشق ومارس مهنته لما يقرب من 10 سنوات حينما كان هناك أطفال بسوريا، والآن يعيش لاجئًا في دولة أوروبية ويعمل بمطعم للبيتزا يملكه مغربي.
رحلات الموت
بعد نحو أربع سنوات على اندلاع الثورة السورية، وجد الحلبي نفسه مجبرًا على الهروب من براميل النظام المتفجرة، ووحشية ميليشيا داعش التي هيمنت على مدينته التاريخية حلب، ضمن ما يقرب من 10 ملايين نازح من كل الأقطار السورية، لاذوا بالبحار والغابات هربًا من موت محقق لرحلات نزوح مرعبة بالبحار.
“نون بوست” حاور الحلبي في منفاه، ورصد لكم تلك الرواية التي تصلح بدون شك كقصة فيلم هوليودي مرعبة أبطالها مياه البحار الهائجة، ووحوش وقتلة داعش، ودموية النظام، وضحاياها أناس عاديون كانت أحلامهم فقط “سوريا أفضل”.
- في البداية، كيف كان قرارك بالهروب ولماذا قررت الرحيل طالما أن حلب كانت تحت سيطرة المعارضة المسلحة؟
قرار الهروب بالنسبة لي لم يكن وليد اللحظة، فقد تعايشت مع الموقف مع أسرتي المكونة من زوجة وطفلين لمدة الأربع سنوات الأولى للثورة، لكن مع دخول وحوش داعش للمدينة انقلب الحال تمامًا، وباتت حلب ساحة قتال مفتوحة على مصراعيها، ومن لم تطاله قذائف النظام وقنابله، طالته سكاكين داعش، بدعوى الردة، ومخالفة نظام الدولة الإسلامية، وفرضت علينا عناصر داعش التي جلبها التنظيم من كل حدب وصوب الإقامة الجبرية، ومنعت من العمل حتى بالمستشفى الوحيد بالبلدة، وأصبحت منازلنا عرضة للتفتيش المستمر، التليفزيون حرام، الهاتف ممنوع خوفًا من الإبلاغ عنهم، الخروج من المنزل للسيدات عقوبته الجلد وربما القتل، ومعارضة أي كلمة للوالي جريمة تستحق الشنق أو الصلب، ولم يكن أمامي والكثيرين مثلي، سوى الهروب بأسرنا من هذا الجحيم لنواجه الموت في عرض البحر، ومخيمات العراء وبؤس المخيمات.
أسوأ الكوابيس
- كيف كانت خطواتك الأولى للهروب؟
كان القرار صعبًا، فأنت مطالب بترك كل ما تملك وحمل فقط ما يعينك على الحياة خلال رحلة هروبك، وخرجنا من حلب تحت جنح الظلام في العاشر من سبتمبر 2014، في رحلة مرعبة سيرًا على الأقدام؛ خوفًا من التعرض لوحوش داعش، أو قصف النظام، وحدث بالفعل أسوأ كوابيسنا، فبعد ثماني ساعات من رحلتنا المؤلمة سيرًا على الأقدام، وفي بلدة عنجارة القريبة من الحدود التركية، خرجت علينا مجموعة مسلحة سلبتنا كل ما نملك من أموال ومتاع، حتى ألبان الأطفال الرضع، ولم تثنهم صرخات النساء أو بكاء الأطفال الصغار عن تعذيب الرجال والتشفي بهم، وقتل عدد منا حوالي 10 رجال لمجرد معارضتهم ما فعله المسلحون بنا.
لم يقف الأمر عند هذا الحد، فبعد ذلك بحوالي ساعتين، واجهنا كمينًا لوحوش داعش، وتم اعتقالنا في أحواش للحيوانات، الرجال بمفردهم والنساء والأطفال بمفردهم، وبعد يومين من الاحتجاز أفرجوا عنا بدون النساء، وأبلغونا أنهن سيعرضنهن على قياداتهم للنظر في أمرهن، وكأنهن سبايا، وفي اليوم الثالث أخبرونا باختفاء البعض منهن، بينهن زوجات الرجال الذين قتلوهم بيننا، وأجبرونا بالرحيل مع ما تبقى من النساء إلى وجهتنا.
نحيب وعويل
ويضيف، خلال رحلتنا كنت أسمع نحيب الرجال الذين فقدوا زوجاتهم وأطفالهم، ولكم يكن بمقدورنا فعل شيء، فكل منا مشغول بمصيبته، ويحاول بقدر الإمكان الحفاظ على ما تبقى له “عائلته”؛ للخروج بهم إلى بر الأمان، حتى وصلنا إلى الحدود التركية بعد أسبوعين من السير في الجبال والرعب يملأ قلوبنا، وفقدنا خلال تلك الفترة عدد كبير من الأطفال بسبب قلة الغذاء والمياه والأدوية، كانت بينهم ابنتي الصغرى “مليحة” ذات الأربع سنوات، التي ماتت بين يدي والدتها من العطش، والمرض بعد إصابتها في قدمها ولم أستطع علاجها لعدم وجود أدوية ومعقمات معنا.. تخيل .. ابنتي وأنا طبيب أطفال تموت بين يدي وأنا عاجز عن علاجها!
- هل انتهت معاناتكم هنا؟
يضحك، قل بدأت، بعد وصولنا الحدود التركية علقنا ما يقرب من أسبوعين آخرين، بسبب أزمة كوباني وقتها، وتوجهنا بعدها لليونان بالقوارب المطاطية، وهنا بدأت المأساة؛ قارب لا يتحمل أكثر من 10 أو 20 شخصًا يحوي 150 فردًا غير الأطفال الباقين معنا، واجهتنا رياح عاتية وأمواج انتقامية غريبة، وكأننا ارتكبنا جرم بمحاولتنا النجاة بأرواحنا وأرواح أسرنا، وغرق قاربين من القوارب التسعة التي تقلنا، بالقرب من السواحل اليونانية، كنت في أحدها وفقدت الوعي، وحينما استفقت وجدت نفسي على الحدود اليونانية بدون زوجتي وابني أدهم، ولم تتوقف معاناتنا هنا، فعند الحدود اليونانية ألقي القبض علينا من قِبل السلطات، واستمر احتجازنا في مستودعات حدودية لمدة أسبوعين آخرين لحين استخراج وثائق طرد لنا.
مشاهد مرعبة
- كيف وصلت للمجر إذن؟
بعدما فقدت أسرتي وكل ما أملك لم يعد في بالي شيء، الحياة مثل الموت، الأمران سيان لدي، فتحركت مع مجموعة من 20 شخصًا إلى مقدونيا وهناك تمت معاملتنا بأسوأ ما يمكن وقام الجنود المقدونيون برش رزاز الفلفل على وجوهنا حينما أصررنا على عبور الأسلاك الحدودية، وشاهدت بعيني أم وطفلتها تفقدان البصر، بسبب الرزاز ومنعنا من إسعافهما، وبعدها توجهنا لصربيا ومنها للمجر.
- انتهت بذلك المعاناة أم مازال هناك ما لم تقصه علينا؟
تنهيدة طويلة.. أعيش بجسدي فقط هنا، لكن قلبي وعقلي مع طفلتي، التي مازلت أذكر تفاصيل لحظاتها الأخيرة في أحضان أمها وأنا عاجز عن إسعافها، ومع ابني وزوجتي ولم أعرف مصيرهما منذ غرق القارب، لكني بدون مبالغة وجدت في المجر “إسلام بدون مسلمين”، بعد هروبي من “مسلمين بدون إسلام”!
- كيف؟
بمجرد وصولنا المجر، تجمعنا في أحد الفنادق وفوجئنا بعد يومين بتظاهرات ترحيب كبيرة جدًا من أناس لم نلتق بهم من قبل، لا يعرفون لغتنا ولا نتحدث لغتهم، ديننا غير دينهم، لكن أخلاقهم تفوق من يدعون الإسلام بمراحل، وكثير من الأسر المجرية عرضت على الأسر بيننا استضافتهم بمنازلهم، أما الخمسة الباقين منا بدون أسر فقد عرضت علينا وظائف في مجال الشحن والتفريغ بالميناء، وذهبت أنا ولاجئ آخر يدعى صفوان، مع صديقي المغربي الذي أتى لزيارتنا في الفندق، وعرض توظيف كلينا بمطعمه، لأننا فقدنا كل أوراقنا وهوياتنا بغرق المركب، وهو ما صعب من توظيفنا بالميناء.
ويكمل، صفوان في الخامسة والعشرين من عمره، تبنته عجوز مجرية أرملة عسكري سابق حارب بالعراق، وهو يقيم معها الآن، فيما أقيم أنا بنزل بالقرب من المطعم الذي أعمل به.
لا عودة
- في حال استقرت الأوضاع بسوريا.. هل تفكر بالعودة؟
بالطبع لا، رد سريعًا، لم يعد لي ما أسعى للعودة بسببه، أسرتي وفقدتها كلها، عملي ولم يعد موجودًا ولا أملك وثائق تثبته، أصدقائي ماتوا أو شردوا، عائلتي قضت في القصف، رفاقي رأيت جثثهم، وأجبرت على السير فوقها، التجربة مخيفة ومرعبة، هل سبق ودست بقدمك جثث أشخاص ماتوا قبل وقت قصير، هل شاهدت بقع الدم المتجمّدة والجثث ممددة بجوارها، هل سمعت صراخ من تتكسر أضلاعهم أو أطرافهم؟ لم تعد لي دولة اسمها سورية، فالعودة إلى هناك بالنسبة لي تمثل “تذكرة ذهاب فقط”.