“أنام والسكين بجانبي” سكان الكيبوتسات مرتعبون من أنفاق المقاومة

000_7P8G8

ترجمة حفصة جودة

كيبوتس نير عام – فلسطين المحتلة

في ذروة الحرب الإسرائيلية على غزة صيف 2014، استيقظ مستوطنو كيوبتس نيرعام بالقرب من حدود غزة على صور مرعبة لهم في الأخبار، 10 مقاومين من حماس، متخفين في ملابس جيش الاحتلال الإسرائيلي، يزحفون على بطونهم في حقول القمح التى لا تبعد سوى كليومتر ونصف فقط عن السياج الحدودي للكيوبتس.

كان هؤلاء الرجال الذين وصلوا إلى قلب دولة الاحتلال من خلال الأنفاق، يخططون لمهاجمة كيوبتس نيرعام وكيوبتس إيرز المجاورة، كما يقول الجيش، لكنهم استُشهدوا سريعًا بنيران الجيش الإسرائيلي.

ومنذ الحرب، كان الخوف من حرب الأنفاق قد عاد ليزحف مرة أخرى إلى قلوب المستوطنين هنا، مع ازدياد تقارير الجيش التي تنظر إلى التهديدات كأولوية قصوى، خاصة مع الانهيارات الأخيرة لأربعة أنفاق على الأقل على الحدود مع غزة.

“في شرق غزة يحفر الأبطال في الصخر ويبنون الأنفاق، وفي غربها يجربون الصواريخ كل يوم” كان هذا ما قاله القائد السياسي لحماس، إسماعيل هنية ، يوم 29 يناير في جنازة الحفار الذي توفي في أحد هذه الانهيارات.

ومع تعهد الولايات المتحدة بدفع 120 مليون دولار لمدة ثلاث سنوات، دخلت شركتان إسرائيليتان في سباق لإنهاء ما يسمى بـ “نفق القبة الحديدية” والتي تستطيع الكشف عن حفر الأنفاق لعشرات الأميال تحت الأرض، هذا الأمر قد قد يغير قواعد اللعبة في حرب الأنفاق.

لكن مظاهر انتهاء عقدين من إعادة الإعمار بعد الدمار، كان بمثابة راحة طفيفة للسكان هنا، فقد ذكر العديد منهم أنهم يسمعون صوت الحفر تحت أقدامهم.

“ذهبت للنوم في إحدى الليالي وفجأة سمعت صوت الحفر الضخم، إنه شيء خطير” تقول ليرون كارمي، الفتاة بعمر الـ 25 عامًا والتي نشأت في هذا الكيوبتس.

وفي حوار مع القناة العاشرة الإسرائيلية، قامت كارمي بتشغل تسجيل صوتي على هاتفها، والذي قامت بتسجيله في الثانية صباحًا بإحدى ليالي الشهر الماضي، ومثلما يحتفظ العديدون هنا بالأسلحة في بيوتهم، تنام كارمي وتحت فراشها سكين الكوماندو في حالة وقوع هجوم مفاجئ من تحت الأرض، “في تلك الليلة، نمت والسكين بجواري” تقول كارمي.

القط والفأر

منذ أن غادرت إسرائيل غزة عام 2005، تورط الجيش الإسرائيلي في لعبة القط والفأر المميتة مع حماس، حيث قاموا بتدمير الأنفاق منخفضة التكنولوجيا لحماس، حتى يتمكنوا من تدمير الأنفاق الحديثة لاحقًا.

يقول الخبراء إن هذه الأنفاق، المصنوعة من تربة رملية وحد أدنى من الخرسانة مع الكهرباء في بعض الأحيان أو خط هاتفي، قد ثبت أنه من المستحيل عمليًا تمييزها، حتى مع تفوق الخبرة العسكرية الإسرائيلية جوًا وبحرًا.

في إحدى الهجمات من الإنفاق، قام المقاتلون الفلسطينيون باختطاف جلعاد شاليط والذي ظل أسيرًا لمدة خمس سنوات حتى أُطلق سراحه مؤخرًا مقابل 1027 فلسطينيًا في سجون إسرائيل من بينهم يحي سنوار، الذي أصبح فيما بعد شخصية بارزة في مبادرة حماس لبناء الأنفاق.

لا يبدو واضحًا عدد الأنفاق الموجودة بالفعل في الوقت الحالي.

خلال الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2014، قامت إسرائيل باكتشاف وتدمير 32 نفقًا، 14 منهم كانوا قد عبروا لداخل إسرائيل، لاحقًا يمكن القول أن دولة الاحتلال قد أحرزت تقدمًا تكنولوجيًا بشكل سري في مكافحة الأنفاق.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، كتب أحد مقاتلي حماس تحت اسم مستعار “أبو حمزة”، أنه ما زال هناك 50 نفقًا موجودين على الأقل، بالرغم من ذلك تشكيك إسرائيل في تلك القديرات وتقول إنها مبالغات مستخدمة في الحرب النفسية لزرع الخوف في نفوس السكان القريبين من حدود غزة.

كان تقدير عسكري قد نُشر هذا الشهر في صحيفة يديعوت أحرنوت، يقول إن 1000 حفار غزاوي يقومون بالتقدم بحوالي 50 مترًا أسبوعيًا في نفق طويل عالي الجودة يجري بناؤه بالتوازي مع عدة أنفاق صغيرة.

“بدأت حماس في الحفر منذ اللحظة التي انتهت فيها الحرب، في أغسطس العام الماضي، على أساس إستراتيجي بأن حرب الأنفاق تعطيهم أفضلية بجلب المعركة إلى الجانب الآخر” كتب يوسي يهوشع في تقريره يوم 10 فبراير.

قبة حديدية للأنفاق

في مؤتمر بهرتزليا مبكرًا هذا الشهر، أكدّ رئيس الموظفين العسكري الإسرائيلي، غادي إيزنكوت، أن حماس تقوم في الواقع باستثمار موارد كبيرة في إعادة بناء هيكلية الأنفاق.

وردًا على ذلك، قال إيزنكوت إن إسرائيل تركز جهودها الهندسية والاستخباراتيه الكبيرة لمكافحة تلك التهديدات، بما في ذلك نشر العشرات من مركبات المراقبة العسكرية على الحدود مع غزة. 

ووفقًا لما قاله وزير الطاقة يوفال شتاينتز، فإن دولة الاحتلال تعاونت مع مصر أيضًا لخنق الفلسطينيين، فقد قالت القاهرة إنها أغرقت حوالي 1200 نفق ضمن شبكة أنفاق قوية كانت تربط بين سيناء والقطاع المحاصر، وتُستخدم لنقل كل شيء بداية من مواد البناء والكهرباء وحتى الأسلحة والمقاتلين.

قال أحد الخبراء، إيدو هيشت، الباحث في العقيدة العسكرية، والذي أدلى بشهادته أمام لجنة الأمم المتحدة للتحقيق في قضية أنفاق حماس: “إن إسرائيل لديها خيار واحد على المدى القريب وهو الذهاب إلى غزة” وحتى ذلك الحين، قال هيشت، إن الأنفاق قد عادت للظهور بعد ذلك بعامين، أما الآن، فالتكنولوجيا تحت الأرضية المضادة للأنفاق، والتي قد تُحدث ثورة، من المحتمل أن يكون تنفيذها أقرب من أي وقت مضى.

وفي وقت سابق هذا الشهر، أعلنت وزارة الدفاع أنها ضمنت الحصول على تمويل بمقدار 120 مليون دولار من الولايات المتحدة – والتي تقول إنها مهتمة بتطبيق تكنولوجيا مشابهة على طول حدودها مع المكسيك – لوضع المسات الأخيرة لنظام دفاعي تحت الأرض سيُمكّن جيش الاحتلال من الكشف عن الحفر على بُعد عشرات الأميال تحت الأرض، طبقًا للتقرير الذي نشرته صحيفة فاينانشيال تايمز.

جاء هذا الإعلان بتمويل “قبة حديدية للأنفاق” لمدة ثلاث سنوات، عقب زيارة نائب وزير الدفاع الأمريكي روبرت وورك لموقع تطوير برنامج مكافحة الأنفاق جنوب إسرائيل، وقام بتخصيص 40 مليون دولار كنفقات للسنة الأولى. 

تحت أقدامنا

وبالرغم من التهديدات المتزايدة، فما زال كيوبتس نيرعام، ذو الـ 300 نسمة، يواصل توسعاته كما تم رسمه مع ازادياد قائمة الانتظار للمستوطنين المستقبليين حيث إن تلك المستوطنة رخيصة نسبيًا بالمقارنة مع أسعار العقارات كما أن التضامن المجتمعي بين المستوطنين أفضل بها من المناطق الأخرى التي يحتلها الإسرائيليون في فلسطين المحتلة.

قام جيش الاحتلال بالاستجابة السريعة والجدية لشكاوى السكان المحلية بسبب أعمال الحفر المفترضة، كما أخبرنا السكان، لكن الأمر قد يطول لأبعد من ذلك.

“بالنسبة للصورايخ، لدينا حماية على الأقل بوجود صافرات الإنذار، شعوريًا على الأقل، أما اليوم فالخوف الأكثر وضوحًا في الكيوبتس هو قدرة مقاتلي حماس على الخروج من الأنفاق وقتل الناس في أي وقت، قد يأخذوننا على حين غرة” يقول أوفر ليبرمان، المدير الزراعي بالكيوبتس.

ساغي جافري، أحد سكان نيرعام، كان جده أحد مؤسسي الكيوبتس ويعمل طبيبًا في مستشفى القدس، يقول إنه يواجه تحديات لتوضيح الموقف لطفليه الصغيرين، واللذان يعيشان في قلق مستمر.

“لقد قلت لهم إن هناك أطفالاً على الجانب الآخر من الحدود يعانون من نفس الخوف، ويحصلون حتى على دعم أقل ” يقول جافري.

وأضاف أنه يحاول أن يجعل أطفاله يفهمون أنه بالرغم من تعقّد الموقف، فمن الخطأ شيطنة العدو، لكنني أعلم أيضًا أن أطفالي يتعرضون لعناصر متطرفة أكثر.

بينما تشكل الأنفاق مصدرًا عميقًا للخوف، فالخوف في حد ذاته ليس جديدًا على السكان هنا، الذين يعانون منه لسنوات، “ليس خوف من جيش آخر لكنه من الإرهاب والذي بطبيعته يغير من شكله طوال الوقت، مما يجعل المجال العام يبدو كساحة حرب”، تقول بيتي جافري إحدى مستوطِنات الكيوبتس.

“بعد سنوات من اعتياد الحياة في وجود الصواريخ، فجأة أصبح لدينا تهديدًا جديدًا، لكننا كمدنيين لا نستطيع التأثير على الصعيد الحكومي” تقول بيتي، وتتابع “كل ما نفعله هو محاولة الحد من الأضرار الواقعة على أطفالنا وأحفادنا، الذين لم يعرفوا سوى هذا الجو من الطوارئ”.

“يدرك الفلسطينيون والإسرائيليون أنه مع عدم وجود قادة ملهمين في الجانبين، فإن حل هذا الصراع لن يكون قريبا” كما تقول بيتي.

“كل ما يمكننا فعله هو مواصلة الحياة بالطبع، مع تَوّقُع أنه في أي لحظة، عاجلا أم آجلا، سوف تقوم حربٌ أخرى، هذا أمر لا مفر منه وليس تساؤلا في ذهن أحد” تختم بيتي حديثها.

المصدر: ميدل إيست آي