هجمات بروكسيل ونقل المعركة إلى داخل أوروبا: داعش تنتصر على بلجيكا

brwksyl-3

هجمات متزامنة في قلب العاصمة البلجيكية شبه الآمنة بروكسيل، مجموعة من الانتحاريين تلتحف أحزمة ناسفة وحاملة مجموعة من العبوات الناسفة ومتسلحة ببنادق رشاشة قامت باستهداف مواقع مختارة بدقة في العاصمة البلجيكية.

هجوم خلف أكثر من 30 قتيلاً ونحو 140 جريحًا بحسب الأرقام البلجيكية الرسمية، بينما أكثر من 40 قتيلاً وإصابة ما لا يقل عن 210 من المتواجدين في الأماكن المستهدفة بحسب البيان الرسمي لتنظيم الدولة الإسلامية.

هجوم كان منتظرًا، بل وتعلم جيدًا السلطات في بلجيكيا أنها مستهدفة منذ شهور، وذلك لأسباب عديدة يبقى أهمها مشاركتها ضمن التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة في كل من العراق وسوريا والذي دخل عامه الثاني دون أن يتمكن من القضاء على “الدولة الإسلامية” وإنما ساهم في نقل المعركة من الحدود الضيقة إلى الحدود المفتوحة.

إسقاط طائرة روسية في سيناء أسفر عن مقتل 224 سائحا روسيًا، فهجوم دموي خلف 130 قتيلاً وأكثر من 368 جريحًا ثم تفجيرات في بروكسل راح ضحيتها 34 قتيلاً و140 جريحًا في حصيلة رسمية أولية، يؤكد أن الحدود الضيقة لم تعد تكفي تنظيم الدولة الإسلامية لتنفيذ هجماته الدموية وإلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر المادية والبشرية بخصومه.

بعد هجمات باريس في شهر نوفمبر الماضي، أعلنت بلجيكيا رفع حالة الطوارئ إلى درجتها الرابعة القصوى في العاصمة والثالثة في باقي البلاد، وذلك بعد توفر معلومات شبه مؤكدة للدوائر الأمنية والعسكرية والاستخبارية البلجيكية أن هجمات محتملة سيتم شنها على مناطق حساسة في البلاد، لكن سرعان ما تم احتواء الأمر والقيام بحملة تفتيش واعتقالات غير مسبوقة في البلاد منعت الكارثة حسب تصريحات المسؤولين الرسميين.

تخبط كبير لدى الدوائر الرسمية وداخل الصحافة البلجيكية في الساعات الأولى للهجوم، حيث قالت وسائل إعلام بلجيكية إن منفذا العملية يحملان الجنسية البيلاروسية والداغستانية بل سمتهما أيضًا وقالت إنهما الشقيقان إيفان وأليكسي دفباش، من مواليد مقاطعة غوميل في بيلاروسيا، ومراد يونوسوف، الداغستاني الأصل، والحاصل على الجنسية البيلاروسية، إضافةً إلى الجنسية البلجيكية منذ سنوات قليلة.

ساعات قليلة ويأتي الخبر اليقين حيث قالت وسائل الإعلام إن السلطات البلجيكية تعرفت الأربعاء على منفذي هجوم مطار بروكسل وهما الأخوان إبراهيم وخالد البكراوي المقيمان في بروكسل والمعروفان بسجلهما الجنائي لدى الشرطة، وقالت هيئة الإذاعة والتلفزيون البلجيكية الحكومية (آر تي بي إف) إن خالد البكراوي استخدم اسمًا مستعارًا في استئجار شقة في حي فورست بالعاصمة البلجيكية حيث قتلت الشرطة مسلحًا خلال مداهمة نفذتها الأسبوع الماضي، وعثر المحققون بعد المداهمة على راية لتنظيم الدولة وعلى بندقية وأجهزة تفجير وبصمات أصابع صلاح عبد السلام المشتبه به الرئيسي في هجمات باريس والذي ألقي القبض عليه بعد ذلك بثلاثة أيام.

استهداف مطار بروكسيل يعني الكثير بالنسبة لمن قام بهذه العملية ومن خطط لها، فليس من السهل أن تتمكن أي جهة كانت من التفجير في أرجاء مطار ناهيك بداخله، فرمز سيادة الدول هو أمن المطارات ولعل الإجراءات الأمنية المشددة في أغلب المطارات في العالم والتي تصل إلى حد إهانة الكرامة البشرية في بعضها دليل على ما نقول.

إن استهداف مترو الأنفاق هو في حد ذاته تحدٍ كبير وغير مسبوق منذ تفجيرات مترو الأنفاق في العاصمة البريطانية لندن في شهر يوليو عام 2005، والتي راح ضحيتها 50 قتيلاً ونحو 700 جريح، وهو ما يعني أن الأهداف كانت منتقاة بدقة وتحمل في طياتها رمزية كبيرة.

الإجراءات الأمنية المشددة في بروكسيل والمروحيات التي تحلق في أحيائها الشعبية التي سكن فيها منفذو هجمات باريس، بالإضافة إلى الاقتحامات شبه اليومية لمنازل المشتبه بهم، لم تمنع من وقوع الكارثة التي هزت العالم، في حين لم تهزه ولم تحركه تفجيرات أنقرة وإسطنبول والتي راح ضحيتها أيضًا عشرات القتلى والجرحى.

سبق وقلنا في مقالاتنا إن العالم يتجه من السيء إلى الأسوأ وتنظيم الدولة الإسلامية ما هو إلا فصل آخر من فصول “الحرب الكونية” و”صراع الحضارات” التي يعيشها العالم منذ عقود طويلة، بل إننا نؤكد أن التحالف الدولي الذي تقصف طائراته المدنيين في كل من العراق وسوريا وآخرها المجزرة التي ارتكبتها الطائرات الأمريكية في مدينة الموصل لن تجلب إلا الدمار والخراب إلى المنطقة العربية وإلى العالم بأسره.

بلجيكيا دخلت في حرب مفتوحة مع تنظيم الدولة الإسلامية والحرب المفتوحة لا حدود مكانية ولا زمنية لها، بل كل ما في الأمر أنها فعل ورد فعل وكر وفر، فشعار القوم أضحى “إذا ما قصفت رعايايَ ومقاتليَ في العراق وسوريا فسأقتل رعاياك من المدنيين داخل بلدك”، وهذه قاعدة عامة تنتهجها الجماعات الجهادية بشقيها القاعدة والدولة.

لا شك أن الأيام القادمة ستكون صعبة جدًا للجالية المسلمة في بلجيكيا بالإضافة إلى أنها ستكون عصيبة على السوريين والعراقيين الذين يسكنون المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة، كما أنه ما من شك أن الطائرات البلجيكية ستأخذ بثأر رعاياها الذين قتلوا وذلك عبر قصف كل جامد ومتحرك سيعترض طائراتها.

الحرب خدعة وسجال، وإن كانت السلطات البلجيكية قد فرحت قبل أيام باعتقال صلاح عبد السلام العقل المدبر لهجمات باريس، فإنها خسرت جولة أخرى من الصراع وأعلنت الحداد لثلاثة أيام بسبب كارثة بروكسيل، وهو ما دفع البعض إلى القول أن اعتقال عبد السلام لم يكن إلا خدعة لكي ينفذ هؤلاء المسلحون هجماتهم الدامية في قلب العاصمة البلجيكية ولكننا نستبعد هذه الفرضية ونعتقد أن صلاح عبد السلام قد انتهى دوره منذ أن اختار عدم تفجير حزامه الناسف في العاصمة باريس وعاد إلى بروكسيل.

لا نعلم تحديدًا إلى أين يتجه العالم اليوم، لكننا نعتقد أن لعنة الحروب ولغة الرصاص سيكونان العنوان الأبرز للفترة القادمة وذلك بسبب موجة التحدي الكبيرة التي أصبحت شعارًا مرفوعًا من قِبل الدول الكبرى والجماعات الجهادية بقيادة تنظيم الدولة الإسلامية.