هل تتورط الجزائر في عمل عسكري ضد موريتانيا؟

sif_boutflika

بالرغم من الربيع الدبلوماسي – الوهمي –  الذي يغلف سماء العلاقات الجزائرية المغربية طيلة السنوات السابقة إلا أن الاختلافات العميقة في وجهات النظر حيال العديد من الملفات الأمنية الإقليمية والقومية، وفي مقدمتها قضية الصحراء الغربية والموقف من التدخل العسكري العربي في اليمن، كشفت عن التوتر الدفين في تلك العلاقات حتى وإن تبادل مسؤولو الدولتين الزيارات هنا وهناك.

جاء الإعلان مؤخرًا عن هذا التجمع العسكري للتدخل في المنطقة لحمايتها من الإرهاب فيما أطلق عليه “مجموعة الدول الخمس في الساحل” دون مشاركة الجزائر، ليلقي بظلاله القاتمة على أجواء العلاقات بين البلدين، الأمر الذي كشف صراعًا نفوذيًا على زعامة المنطقة بين الطرفين.

وقد تصاعدت الأصوات الجزائرية المغذية لتبني رد فعل قوي على هذه الخطوة مهما كان تبعات ذلك، في الوقت الذي تستغل فيه بعض الأطراف الإقليمية والدولية هذا التوتر لإشعال المنطقة بهزات عنيفة، فهل تقدم الجزائر على أي عمل عسكري ضد موريتانيا ردًا على ما قامت به الأخيرة؟ وهل من الممكن أن تصمت نواكشوط على هذا التهديد؟ وما هي أبعاد جهود الوساطة لحل هذا النزاع؟

توتر العلاقات بين البلدين

مرت العلاقات الجزائرية الموريتانية بنوبات من المد والجذر السياسي والعسكري في العقد الأخير بصورة خاصة، لكنها كانت في أغلب الأحوال تسير وفق قاعدة من التفاهمات المشتركة التي حالت دون اشتعال فتيل أي أزمة واجهتها العلاقات بين البلدين.

وبينما تحيا العلاقات حالة من الربيع المؤقت، جاء قرار موريتانيا بطرد المستشار الأول بسفارة الجزائر في نواكشوط بلقاسم الشرواطي، في أبريل 2015م، بعدما اتهمته بالوقوف خلف مقال نشر بإحدى الصحف الإلكترونية الموريتانية اعتبرت أنه يسيء لعلاقات موريتانيا الخارجية، وما تمخض عنه من رد فعل جزائري بطرد أحد المستشارين بسفارة موريتانيا بالجزائر ليلقي بظلاله القاتمة على العلاقات بين البلدين طيلة العامين الماضيين.

وبفضل الوساطة التونسية التي أسفرت عن تخفيف التوتر بين الجانبين، دخلت العلاقات بين موريتانيا والجزائر في إطار التهدئة من جديد، حيث قررت الدولتان العودة للتنسيق الأمني في ديسمبر الماضي، وإنهاء أزمة دبلوماسية تواصلت 5 أشهر، إلَّا أن هذه التهدئة لم تدم طويلًا، فسرعان ما نشبت الأزمة الأخيرة بين البلدين، التي جمدت الجزائر على أثرها تعاونها العسكري مع موريتانيا، تزامنًا مع إعلان دول الساحل عن إنشاء قوة عسكرية بالمنطقة، تضم موريتانيا والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو ومالي.

العديد من الخبراء أكدوا أن التصدع في العلاقات بين البلدين جاء بعد قلق الجزائر من محاولات موريتانيا بناء منظومة أمنية جديدة دون إشراكها لمواجهة الإرهاب في دول الساحل، في الوقت الذي تعد فيه الجزائر البلد الأكبر والأغنى بموارده بين الدول الموقعة على هذا التجمع، مما اعتبرته انتهاكًا صارخًا لمبادئ العلاقات الدولية والشراكة الاستراتيجية بين البلدين الشقيقين.

خبير العلاقات الدولية الموريتاني بشير شيخنا، دعّم القلق الجزائري من هذا التجمع الجديد، مشيرًا أن تنامي التنسيق الأمني في المنطقة من دون الجزائر في إطار ما بات يعرف بمجموعة الساحل أثار شيئًا من الشك والريبة لدى الأشقاء الجزائريين، مضيفًا: على موريتانيا المبادرة إلى توفير تطمينات أخوية مباشرة وقوية حتى تطمئن صدور أشقائنا في الجزائر، معتبرًا أن بمثل تلك التطمينات الصادقة يمكن تلاشي أن يصبح وقف التعاون العسكري بين الجزائر وموريتانيا بداية لشرخ لا يخدم مصالحنا الوطنية على الصعيد الأمني، ولا يخدم معادلة التوازن الجيوستراتيجي في المنطقة.

شيخنا أشار إلى أن القائمين على مقاليد الحكم في الجزائر نظروا إلى هذا التجمع الأمني بإعتباره مخططًا خارجيًا يحاك ضدهم من دول الجنوب بطريق غير مباشر، وهو ما أصاب بلد المليون شهيد بالصدمة حين تم الإعلان عن هذا الكيان الأمني الذي يعرقل جميع جهود التعاون السياسي والعسكري بين البلدين.

المغرب وفرنسا.. والرقم الصعب

تشير أصابع الاتهام إلى بعض الدول فيما يتعلق بمسؤوليتها عن تفاقم الأزمة بين طرابلس ودول الساحل، لاسيما التي تتضارب مصالحها مع مصالح الجزائر في العديد من الملفات الأمنية إقليميًا ودوليًا، وهو ما أشارت إليه صحيفة ” لوموند” الفرنسية.

الصحيفة أشارت إلى أن هناك خلافات بين الجزائر وفرنسا، بسبب عدم جدية الأولى في ملف الإرهاب لذلك تعمد فرنسا، التي تمول مجموعة دول الساحل وتُعد وسيطتها لدى الاتحاد الأوروبي والمانحين الدوليين، إلى إقصاء الجزائر من هذه المجموعة بعد تجارب سابقة لم تكن في المستوى المطلوب، مثل تجربة مجموعة “دول الميدان” الجزائر ومالي وموريتانيا والنيجر، والتي تسمى ب “هيئة الأركان العملياتية” التي مقرها تمنراست 2000 كيلومتر جنوب العاصمة الجزائرية.

كما تدخل المغرب كلاعب أساسي في تفاقم الأزمة، فدائمًا ما تكون العلاقات الموريتانية المغربية في خلفية أي توترات بين الجزائر ونواكشوط على خلفية توتر العلاقات بين الجزائر والرباط منذ عقود؛ بسبب النزاع على إقليم الصحراء، وبحسب مراقبين هناك ثمة مؤشرات ميدانية على التحول في علاقات المغرب وموريتانيا نحو التقارب وتوطيد العلاقات، أهم مظاهرها تسارع وتيرة الزيارات الرسمية المتبادلة بين المغرب وموريتانيا الفترة الأخيرة، ويقول البعض: موريتانيا تريد استرضاء المغرب على حساب علاقتها بالجزائر.

العديد من التقارير والدراسات الجزائرية التي خرجت للنور مؤخرًا حمّلت المغرب المسؤولية الكاملة وراء إقصاء الجزائر من قِبَل دول الساحل الإفريقي الخمس، حيث سرب المغرب معلومات، تزعم بأن الجزائر ليس لديها جدية في التعامل مع التنظيمات الإرهاب، الأمر الذي أخذه المنضمون في الحلف، كحجة لعدم مشاركة الجزائر في هذا التحالف.

زيارة مساهل وتلطيف الاجواء

جاءت زيارة عبد القادر مساهل وزير الشؤون المغاربية والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية الجزائري لموريتانيا الأسبوع الماضي، لتحمل معها الأمل في تلطيف الأجواء بين البلدين، وتخفيف حدة التوتر المستعر منذ عامين تقريبًا.

 تصريحات الوزير الجزائري للوكالة الموريتانية للأنباء، بعد لقائه الرئيس الموريتاني، جاءت مبشرة للجميع بأمل استعادة العلاقات الإيجابية بين البلدين، حيث قال: “تشرفت بمقابلة الرئيس السيد محمد ولد عبد العزيز حيث سلمته رسالة من أخيه فخامة الرئيس عبد العزيز بوتفليقه، وكانت رسالة أخوة وصداقة بين البلدين الشقيقين وتطرقنا خلال اللقاء إلى العلاقات الثنائية واتفقنا على عقد الدورة الـ 18 للجنة العليا المشتركة للتعاون بين البلدين في النصف الثاني من هذه السنة والتحضير الجيد لهذه الدورة لتقييم العلاقات والآفاق التي تنتظر الجانبين لتعزيز توسيع التعاون الثنائي، وكان اللقاء كذلك فرصة للتطرق إلى الأوضاع التي تعيشها منطقتنا وبالخصوص في المغرب العربي، كما جرى استعراض آخر المستجدات في الصحراء الغربية والوضع في ليبيا الشقيقة والأوضاع في الساحل، وتم بشأن هذه المستجدات تبادل صريح ومفيد جدًا كالعادة، كما جرى التطرق لترتيبات عقد القمة العربية المقبلة في نواكشوط في يوليو المقبل، وتم خلال اللقاء كذلك التطرق إلى الوضع في الساحل وسبل التنسيق لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وحملني فخامة الرئيس برسالة أخوة وصداقة وإرادة لأخيه فخامة الرئيس عبد العزيز بوتفليقه تتعلق بتعزيز وتوسيع العلاقات الثنائية التاريخية القائمة بين البلدين الشقيقين والتشاور وتبادل الآراء حول القضايا التي تهم منطقتنا وبالخصوص كل ما يتعلق بالاستقرار والسلم في البلدين ومنطقتنا”.. فهل تكون زيارة مساهل خطوة نحو التهدئة أم مجرد زيارة دبلوماسية لا يمكنها إزالة الاحتقان الدفين بين الدولتين؟