الطفولة المهددة في تونس.. المسكوت عنه

01

شهدت السنوات الأخيرة التي تلت الثورة تغيرات هامة؛ حيث تسارعت وتيرة النسق السياسي الذي احتل الحيز الأكبر من المجال العام، وشكل الوضع الأمني هاجسًا دائمًا، في حين ألقى الوضع الاقتصادي الذي تميز بالهشاشة وعدم الاستقرار بظلاله على الفرد والمجتمع.

إن مرور تونس بمسار اتسم بالتكثيف والاختزال وتتالي الأحداث بنسق جنوني زاده التعاطي الإعلامي حدة، انعكس بصورة واضحة على مجتمع يعيش لحظات بناء وهدم وإعادة بناء وتركيبة سوسيولوجية لا تعرف السكون إلا قليلا، فطفت ظواهر على السطح وانحسرت أخرى، ومازلت فئات من المجتمع تعاني التهميش والإقصاء في ظل ملفات تندرج تحت خانة المسكوت عنه رغم أهميتها.

الأطفال في تونس، هذه الفئة التي تشكل تلك المرحلة التي يعيشها الإنسان وهو تحت سن الثامنة عشر، وهي الفترة العمرية التي تبدأ من لحظة الولادة وتمتد حتى يصبح هذا المخلوق بالغًا ناضجًا، وتعد هذه الفترة أطول فترة يحتاج فيها الإنسان إلى عائل يكفله ويهتم به، تمثل هذه الفئة في تونس نسبة 15% من مجموع السكان والتي لا يمكن أن تمر كل عملية تغيير حقيقي إلا من خلال الاهتمام بها، مازلت غائبة عن البلاتوهات الإعلامية إلا في بعض برامج الألعاب أو للديكور أو في عيد الطفل أين يفقد الحديث كل قيمة لأنه ببساطة مناسباتي، ولا يختلف الوضع كثيرًا في برامج الأحزاب وخطابات الساسة.

يعيش الطفل التونسي جملة من الإشكالات التي تهدد كيانه وتوازنه النفسي واستقراره، هذا ما كشف عنه التقرير السنوي لمندوبي حماية الطفولة لسنة 2015 في ندوة صحفية عقدتها وزارة المرأة والأسرة والطفولة يوم 6 أبريل الجاري لتسليط الضوء على وضع الطفولة المهدّدة داخل محيطها، والطفولة التي هي في خلاف مع القانون.

وبلغ عدد الإشعارات التي تلقاها مندوبو حماية الطفولة بمختلف أنحاء الجمهورية 8722 إشعارًا بالخطر والتهديد شملت 6933 طفلاً، ويعتبر هذا الرقم هو الأرفع منذ سنة 2009، وما يثير الاستغراب هو أن يكون المنزل الفضاء الأكثر تهديدًا للطفل في هذا التقرير، بنسبة 61%، تليه مباشرة المؤسسة التعليمية بنسبة 13.3% من نسبة الإشعارات، وذلك من خلال العنف المسلّط على الأطفال في هذه الفضاءات والتي كانت أغلب مصادرها، في الإطار العائلي حسب التقرير، الأب بـ 1039 حالة، ثم الإطار التربوي بـ 760 حالة.

كما تعهد مندوبو حماية الطفولة بـ 7021 إشعارًا لوجود ما يهدد صحة الطفل وسلامته البدنية أو المعنوية، لتناهز بذلك النسبة العامة للإشعارات الجدية 85.6% من مجموع الإشعارات المقدرة خلال سنة 2015، ويحتل العنف المعنوي والنفسي المرتبة الأولى بنسبة 32% فيما سجل التقرير 564 حالة اعتداء جنسي على الأطفال أي بنسبة 10%.

وعن الأسباب أرجع مهيار حمادي المندوب العام لحماية الطفولة في حوار معنا هذه الأرقام إلى الانفلات الذي شهده هذا القطاع سواء في غياب المراقبة في الفضاءات المخصصة للأطفال أو أيضًا غياب “التربية الوالدية” خاصة وأن 3448 حالة من الحالات المهددة هم لأسر الأبوين في حالة زواج مقابل 900 طفل لأبوين في حالة طلاق، وهذا ما يعكس غياب “التربية الوالدية” والمراقبة المستمرة، هذا بالإضافة إلى ارتفاع نسبة الانقطاع عن الدراسة في سن مبكرة التي تجاوزت 6%، فيجد الطفل نفسه بين سندان الحاجة والفاقة ومطرقة الشارع بكل أخطاره، مشيرًا إلى أن هذه الأرقام تعتمد على عدد البلاغات التي تصل رسميًا لمندوبي حماية الطفولة ما يعني وللأسف أن هذه النسب مرجحة للارتفاع في ظل غياب الوعي وتردد الكثيرون عن الإبلاغ خوفا أو تأثرا بالعادات و التقاليد.

وهكذا تلعب الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تكون في غالبها قاسية تتسم بالفقر والحرمان والفاقة الدور الأبرز في الزج بالطفل في أتون العنف والإجرام المنظم وتفتح المجال لاستغلاله من قِبل أفراد وعصابات أو تؤدي به في أسوأ الحالات وأكثرها قتامة وتطرفًا إلى وضع حد لحياته.

في هذا الصدد كشفت آخر دراسة للمنتدى الاقتصادي والاجتماعي عن ارتفاع حالات الانتحار في صفوف الأطفال وكبار السن بين سنتي 2014 و2015 حيث تم تسجيل 52 حالة انتحار في صفوف الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم 15 سنة وأرجعت الدراسة ارتفاع حالات الانتحار لدى الأطفال إلى غياب الإحاطة النفسية والاجتماعية والتشتت الأسري وتخلي المؤسسات التربوية عن دورها التربوي والاقتصار على دورها التعليمي.

هي تحديات عديدة يواجهها الطفل التونسي إذن، وهذا ما يطرح تساؤلات عدة حول مدى مواكبة التشريعات والسياسات أيضًا لهذه الانتهاكات وقدرتها على طرح حلول تضمن عيشًا كريمًا لهؤلاء الأطفال.

حققت تونس تطورًا على المستوى التشريعي بالنص لأول مرة صراحة على ضمان حقوق الطفل في الفصل 46 من دستور تونس 2014 وعلى ضرورة مراعاة مصلحته في كل الحالات، وقد صادقت تونس على اتفاقية حقوق الطفل في عام 1991 ورفعت منذ يونيو 2008 تحفظاتها بشأن ذلك، ثم أصدرت في عام 1995 مجلة حماية الطفل.

وفي هذا السياق، تم تغيير العديد من القوانين لتحسين الوضع القانوني والمدني من الأطفال في مختلف المجالات (قانون الأحوال الشخصية – قانون العقوبات – قانون المخدرات …)، غير أن هذه الترسانة من القوانين لم تمنع من حصول الكثير من الانتهاكات وهذا ما يعكس الفجوة بين الإطار التشريعي والواقع، ولم تكن هذه التشريعات التي سبقت الثورة في الحقيقة إلا ذر رماد على العيون ينثره النظام السابق أمام المجتمع الدولي في وقت كان يمارس فيه شتى أنواع العنف على الأطفال وأشدها تخريبًا للمنظومة التعليمية والصمت إزاء شبكات المافيا والفساد التي تستغلهم.

هذا بالإضافة إلى نقص الموارد البشرية والمادية المتاحة للهياكل والمنظمات التي تسهر على حماية حقوق الطفل، تنسيق بين قاضي الأسرة القاضي ومختلف الفاعلين الاجتماعيين، ويبقى الإشكال الأكبر في غياب حملات التوعية.

يبقى ملف الطفولة المهددة في تونس قنبلة موقوتة له تبعات خطيرة خصوصًا على المدى البعيد في ظل غياب سياسة عامة للدولة في هذا المجال وغياب الطفل عن رؤيتها و منوالها التنموي، إن الطفل في حاجة لأن يتكلم ويعبر عن نفسه وعن آماله ومشاكله وبحاجة لمن يسمعه ويشاركه ويأخذ برأيه، ربما تكمن الخطوة الأولى المفتاح في التوقف عن معاملة الأطفال بسذاجة وإعطائهم فرصتهم الكاملة وقبل ذلك توفير الظروف الملائمة لهم، أي أبسط حقوقهم الإنسانية.