ظهرت صورة جديدة على ساحة المشهد المصري في الأونة الأخيرة، وهي بروز حراك شعبي معارض خارج ساحة الصراع التقليدي بين السيسي والتيار الإسلامي ممثلًا في جماعة الإخوان المسلمين.
تصاعد هذا الحراك الشعبي مع انتهاكات الشرطة التي لا تتوقف أحد أبرز أدوات القمع لدى النظام المصري، فشهدنا تظاهرات في الأقصر والدرب الأحمر ضد النظام من فئات جلها من أعنف المؤيدين لصيغة حكم السيسي بعد الانقلاب العسكري، لكنها انقلبت عليه فجأة بعد أن طالها البطش الأمني الذي لا يُفرق الآن بين المصريين حتى وإن فرقوا هم بين أنفسهم.
كانت لحظة احتشاد الآلاف من الأطباء أمام مقر نقابتهم في وسط القاهرة مشهدًا يهز هيبة النظام القمعي الذي منع أية احتجاجات في المجال العام منذ قرابة 3 سنوات باستثناء حراك جماعة الإخوان المسلمين، ليعجز هذه المرة عن منع حراك الأطباء في جمعيتهم العمومية الطارئة التي عُقدت تحت شعارات خارج الصراع التقليدي “بين النظام والإخوان”، وهو ما أعطى هذه التحركات مزيدًا من القوة في مواجهة النظام.
تكرر المشهد بصورة أوسع في تظاهرات جمعة الأرض المعترضة على تنازل النظام عن جزيرتي “تيران وصنافير” للسعودية، هذه الحشود التي بثت الروح مجددًا في القوى السياسية عامة والشبابية على وجه الخصوص، تلك العاجزة طوال السنتين اللتين أعقبتا الانقلاب العسكري في الاتفاق على هدف واحد، حيث طغت تنقاضاتها على أي اتفاق لمواجهة النظام.
القاسم المشترك بين هذه الظواهر الجديدة نسبيًا على المجال العام أنها مرت بخسائر قليلة، وهو أمر ليس معتادًا في نظام أقام شرعيته على مواجهة معارضيه بالرصاص في الشوارع، فيما يمكننا القول أن ضغط لحظات الغضب الشعبية أحيانًا تجبر النظام على التراجع خطوات للخلف لأن المواجهة في هذه اللحظة ستكون انتحارًا، ويمكن ضرب مثالين على هذا بحادثة الأقصر التي بها ضحية تعذيب في قسم الشرطة، وحادثة الدرب الأحمر التي بها مواطن مقتول على يد عنصر شرطة.
لكن لا يمكننا الاعتماد في تفسير هذه التطورات على هذا العامل فقط لأن كل الأفعال الغير متوقعة خرجت من هذا النظام، لذا يمكننا البحث والتفتيش عن عنصر صناعة ممرات آمنة للحراكات الشعبية الغير إخوانية لمعارضة نظام السيسي من داخل أجهزته.
ويمكننا الحديث أيضًا في هذا الصدد عن حراك الأطباء ثم جمعة الأرض وهما اللذين قوبلا بهجوم حاد من الأجنحة الإعلامية والسياسية الموالية للجنرال السيسي، وخرجت الدعوات لمواجهتهم بالقمع العنيف كما يحدث مع تظاهرات الإخوان.
إلا أنه في النهاية مرت هذه التحركات بخسائر أقل من نظيرتها المنظمة من قبل الإخوان على مر السنوات الماضية، وهو ما معناه أن ثمة جناح داخل النظام خفف من حدة المواجهة بين الأمن والتظاهرات ويظهر ذلك بالتحديد في جمعة الأرض أكثر من حراك الأطباء الذي أخذ الإطار النقابي.
تجليات صراع الأجنحة
هذا بالطبع ليس اتهامًا للتحركات بالتنسيق مع الأمن وليس تمنيًا بوقوع مزيد من الخسائر في أوساط المتظاهرين، وإنما هو حالة من حالات فهم تجليات صراع الأجنحة داخل هذا النظام والتي تستخدم التحركات الشعبية بلا أدنى شك لتبادل رسائلها الخاصة فيما بينها.
وبالتركيز على حراك جمعة الأرض يتضح أن التعامل الأمني مع الحشود التي خرجت كان أضعف مما تعودنا عليه في الفترات الماضية، ولا يمكن أن ننس استهداف مجموعة من النشطاء تظاهروا بالورود قرب ميدان التحرير في ذكرى الثورة الرابعة ما أدى لمقتل الناشطة شيماء الصباغ على أيدي قوات الشرطة، وبالتأكيد كانت هذه التظاهرة أقل خطرًا على النظام من حشود جمعة الأرض.
خرجت دعوات إعلامية وسياسية قبيل جمعة الأرض تدعو إلى سحق هذه التظاهرات، فيما حاولت بعض أجهزة النظام وصفها “بالإخوانية” لفض التعاطف الشعبي من حولها، لكن واقع اليوم جاء مغايرًا لكل هذه التوقعات، وتحاشى الأمن بشكل أو بآخر التعامل الممت مع التظاهرات واكتفى بفض معظمها بطرق تقليدية.
هذا الأمر أثار حفيظة الجناح الموالي للسيسي الذي رأي تراخيًا من الأمن في التعامل مع المتظاهرين، وترددت بعض الاتهامات بالتواطئ مع المتظاهرين من قبل شخصيات متطرفة داخل نظام السيسي.
هذه النظرية التي تُشير إلى أن ثمة رغبة للتراخي مع هذا الحراك من قبل جناح داخل النظام ظهرت في إطلاق سراح العشرات من المقبوض عليهم في ذلك اليوم، حتى خرج مؤيدو السيسي ليطعنوا في النيابة والقضاء بعد حالات إخلاء السبيل.
حتى ظهرت حالة 25 متظاهر مقبوض عليهم في تظاهرات جمعة الأرض لتؤكد أنه ثمة حالة من الصراع بين أجنحة النظام بخصوص الحشود التي خرجت معارضة للنظام في هذا اليوم، حيث أخليت نيابة قصر النيل سبيلهم كما حدث مع العشرات في مناطق أخرى، إلا أن قسم الشرطة رفض تنفيذ القرار بعد أن أبلغته النيابة للمحامين، لتعود النيابة وتأمر بحبس الشباب مرة أخرى.
ولتفسير هذا اللغز بمتابعة الفترة بين قرار النيابة الأول وتغييره إلى القرار الثاني نجد أنه ثارت ثائرة مؤيدي الجنرال السيسي واتهموا بعض أجهزة الدولة بالتواطؤ مع المتظاهرين، وفي هذه اللحظة تدخلت الأجهزة الموالية للجنرال لتضع حدًا لهذا اليوم حتى لا يمر بسلام على كل من نزل، وليصبح 25 متظاهرًا كبش فداء لهذا اليوم الذي مر على غير رغبة الجنرال السيسي لكنها يبدو كان على هوى بعض أجهزته التي لم يحكم السيطرة عليها.
السيسي غاضب من اليوم ويأمر بالتصدي للتظاهرات القادمة
نشرت صحيفة الشروق المعروفة بقربها من دوائر نظام السيسي “أن الأيام الماضية شهدت سلسلة لقاءات بين الرئيس عبدالفتاح السيسى وكبار معاونيه وبخاصة مسئولى الملف الأمنى لبحث تداعيات المظاهرات، التى شهدتها القاهرة وعددا من المحافظات يوم الجمعة الماضية تحت شعار «جمعة الأرض هى العرض» للتنديد باتفاق ترسيم الحدود مع السعودية”.
مصادر الشروق تؤكد أن السيسي أعرب عن غضبه من السماح بتمدد التظاهرات بهذه الصورة التي خرجت، مؤكدًا أنه لن يقبل بتكرار مشهد الجمعة الماضى مرة أخرى يوم الاثنين ٢٥ أبريل فى ظل تزايد دعوات التظاهر فى ذكرى تحرير سيناء ضد النظام، كما أن ما نشرته الصحيفة يتحدث عن تزايد الحديث فى أوساط رسمية وغير رسمية مصرية عن التعامل الأمنى “اللين” مع المتظاهرين فى ذلك اليوم.
هذه التسريبات تشي بأن ثمة هناك من يُصارع الجنرال في الشارع من داخل نظامه، وهو الذي غير استراتيجية الأمن العنيفة مع أي حراك شعبي معارض مؤخرًا إلى استراتيجية المواجهة اللينة التي تسمح بإيصال رسائل التظاهرات إلى رأس النظام، ونفي النظام لما نشرته الشروق في بيان رسمي من الرئاسة عامل مؤكد لنظرية صراع الأجنحة ولا ينفيها.
كما تتضح أيضًا فوبيا الجنرال السيسي من أي حراك معارض له في الشارع المصري لا يحمل الصبغة الإخوانية، حيث يسيطر عليه شبح 25 يناير التي لم يُعريها نظام مبارك اهتمامًا، وآلت في النهاية إلى الإطاحة به، فيخشى السيسي ملاقاة نفس المصير في أحد مرات هذا التعامل اللين من قبل جهاز متصارع داخل نظامه.
من يُصارع الجنرال؟
الإجابة على هذا السؤال بإجابة جامعة مانعة شئ من الصعوبة بمكان في دولة كمصر ونظام أمني كنظام السيسي، حيث تنعدم الشفافية وتتداخل الأجهزة الأمنية مع الأجهزة السياسية فيصعب الفصل بين أي فعل في الدولة وتحديد الجهة الصادر عنها.
إذ أننا نجد أجهزة الاستخبارات والأمن تدير ملفات الانتخابات، وتترك ملفات الأمن القومي الحقيقية كسد النهضة الإثيوبي إلى لجان فنية مدنية ساقطة.
لذا أمر تحديد من يقوم بمصارعة الجنرال في الشارع بصناعة ممرات آمنة لتحركات المعارضة ليس سهلًا، ولكن إرهاصات الصراع تشير إلى وجوده في أروقة جهازي المخابرات الحربية والمخابرات العامة.
جهاز المخابرات الحربية الموالي لجناح السيسي رئيسه السابق والذي تولى إدارة الحياة السياسية في مصر بعد صعود الجنرال إلى سدة الحكم، جاء برجاله في كل المواقع الحساسة وبدأ يسحب من نفوذ الأجهزة الأخرى بطريقة غير احترافية.
فيما يمتلك جهاز المخابرات العامة خبرة كافية سياسية واقتصادية وأمنية في التعامل مع الحالة المصرية، إلا أن السيسي مصر فيما يبدو على تصفية الجهاز وإخضاعه لسيطرة المخابرات الحربية بإجراء العديد من التغييرات الداخلية بالجهاز.
وقد نشر موقع “عربي 21” خبرًا عن مصادر خاصة يحمل تفاصيل هذه الحالة من الصراع بين الجهازين، وهو الأمر الذي أدى إلى اختلال التوازن الذي نراه داخل نظام السيسي، والقرارات المتضاربة التي تظهر، فتارة يريد السيسي ومعاونيه وأد التظاهرات على طريقة مواجهة تظاهرات الإخوان، بينما كانت الشرطة على الأرض تنفذ تعليمات جهاز مجهول –لنا على الأقل-.
وهذه الحالة أيضًا من الصراع تظهر تجلياتها على الشاشة الإعلامية المصرية بنوع من التناقض والحروب بين شخصيات جميعها مؤيد لمسار النظام الحالي، لكنها تخضع في النهاية لتوازنات هذه الصراعات بين الأجهزة الاستخباراتية التي تدير المشهد الإعلامي، وما مشهد الإطاحة بتوفيق عكاشة بهذه الصورة الغريبة عنا ببعيد، الرجل الذي اعترف مرارًا بتعاونه مع أجهزة سيادية، والتخلص منه بهذه الطريقة لا بد وأن خلفه جهاز سيادي آخر يتصارع مع مشغلي عكاشة، فيما يبدو أن هذا الصراع الحاد يُتوقع أن نرى مزيدًا من تجلياته وشواهده في الفترة المقبلة، وبالطبع فهو على الأقل حاليًا أخطر على نظام السيسي من أي شئ آخر.