تتجه الأزمة السياسية في تونس بين رئاسة الجمهورية والأحزاب الحاكمة من جهة ورئيس الحكومة من جهة أخرى إلى مزيد من التأزم، في وقت تستعد فيه البلاد لتشكيل حكومة وحدة وطنية وفقًا لمبادرة تقدم بها الرئيس الباجي قايد السبسي، لا يكون للصيد فيها مكان.
رئيس الحكومة التونسية الحبيب الصيد، قال أمس في حوار تلفزيوني بثته قناة “التاسعة” التونسية (خاصة) إنه تلقى ضغوطًا من أطراف وأحزاب لم يذكرها تجبره على الاستقالة من منصبه، وأوضح الصيد أن البعض قال له “إذا لم تستقل فسنقوم بمضايقتك”، مجددًا إصراره على عدم الاستقالة في قرار لا رجعة فيه ونيته التوجه نحو البرلمان.
الصيد أكد أنه تشبث بموقفه بعدم الاستقالة من منصب رئاسة الحكومة، اعتقادًا منه أن الاستقالة مسؤولية لا يريد أن يتحملها بمفرده (..)، وأن الضغوط التي يتلقاها من أطراف وأحزاب عديدة، ومحاولة إقناعه لن تنطلي عليه، وفق تعبيره.
الصيد يتوجه للبرلمان
وتوجه الحبيب الصيد أمس الأربعاء بمراسلة إلى رئيس البرلمان التونسي يطلب فيها عقد جلسة عامة للتصويت من أجل تحديد مصير حكومته عملاً بالدستور.
ويتيح الدستور التونسي لرئيس الحكومة بأن يطرح على البرلمان التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها، ويتم التصويت بالأغلبية المطلقة لأعضاء البرلمان (109 من مجموع 217 عضوًا بالبرلمان)، فإن لم يجدد الثقة في الحكومة اعتبرت مستقيلة بحسب ما تنصّ عليه الفقرة الثانية من الفصل 98 من الدستور، ويكلف رئيس الجمهورية مرشحًا بديلاً لتكوين حكومة جديدة.
تجديد الثقة للحكومة يتطلب أن يتم بأغلبية أصوات نواب البرلمان
ويمنع الدستور التونسي في الحالات الاستثنائية، البرلمان من تقديم لائحة لوم ضد الحكومة لسحب الثقة منها، وكان السبسي قد قرر مطلع الأسبوع الجاري تمديد حالة الطوارئ في البلاد لمدة شهرين بدءًا من اليوم الخميس.
ومن المنتظر أن يجتمع مكتب المجلس اليوم الخميس، للتثبت من المراسلة واحترامها للمقتضيات الدستورية والنظام الداخلي للبرلمان، وبعد ذلك يتم عرض الطب على الجلسة العامة للبرلمان، في غضون ما لا يقل عن أسبوع وما لا يزيد عن أسبوعين من تاريخ تلقي المراسلة، على أن يتم خلال الجلسة العامة نقاش طلب رئيس الوزراء، والتصويت على تجديد الثقة في الحكومة.
وسبق للرئيس التونسي أن اقترح في مطلع يونيو الماضي، مبادرة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، تكون أولوياتها الحرب على الإرهاب والفساد، وترسيخ الديمقراطية، تشارك فيها أحزاب ونقابات.
واستلمت حكومة الحبيب الصيد الحالية مقاليد الحكم في فبراير 2015، وأجرى الصيد مطلع العام الجاري تعديلات وزارية وسط احتجاجات اجتماعية متواترة لكن الجهود ظلت مركزة على مكافحة الإرهاب واعتماد القروض الخارجية لإنعاش الاقتصاد.
تنص وثيقة “اتفاق قرطاج” على 6 أولويات لحكومة الوحدة الوطنية.
ووقع الأربعاء الماضي، على وثيقة “اتفاق قرطاج – أولويات حكومة الوحدة الوطنية”، التي تمهد الطريق لتشكيل حكومة وحدة وطنية في البلاد، 9 أحزاب بما فيها الرباعي الحاكم و3 منظمات وطنية.
وتنص وثيقة الاتفاق، على 6 أولويات لحكومة الوحدة الوطنية، تشمل “كسب الحرب على الإرهاب، وتسريع نسق النمو والتشغيل، ومقاومة الفساد، وإرساء مقومات الحكومة الرشيدة، والتحكم في التوازنات المالية، وتنفيذ سياسة اجتماعية ناجعة، وإرساء سياسة خاصة بالمدن والجماعات المحلية، ودعم نجاعة العمل الحكومي، واستكمال تركيز المؤسسات”.
تونسيون يرفضون تهديد “الصيد”
ودشّن تونسيون هشتاغ تحت عنوان #استقيل_خير_مانمرمدوك (استقيل أفضل من أن نضايقك) تنديدًا منهم بـ “الضغوطات” التي تمارس على الحبيب الصيد لإجباره على الاستقالة، فيما كتب القيادي في حزب الرئيس التونسي السابق محمد المنصف المرزوقي “تونس الإرادة” تدوينة على صفحته الخاصة في موقع التواصل الاجتماعي، جاء فيها “استقيل خير مانمرمدوك، هكذا تفوه أحد حثالات الحزب الحاكم تجاه رئيس حكومة اختاروه ولكنه أبى أن يكون صنيعة ومأمورًا للمافيا وأصر على احترام الدستور، مؤسسات دولة تتعطل من أجل إرضاء رغبة شيخ هرم غير قادر على لجم شهوات ولده المدلل”!
من جهته اعتبر الباحث الجامعي محمد ضيف الله أن تهديد رئيس الحكومة بالمضايقة يكشف كذب القائمين على الدولة وكذب مقولة هيبة الدولة وجاء في تدوينة له على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك “استقيل خير ملي نمرمدوك، قيلت لرئيس الحكومة الحبيب الصيد من قبل أحد أو بعض السياسيين النافذين، ممن أقدر أنهم من نداء تونس، عبارة سيحتفظ بها التاريخ، هي تكشف الكذب الذي كانوا ينشرونه حول حرصهم على هيبة الدولة.”
الإعلامية أسماء البكوش هي الأخرى نددت بالتهديدات التي وصلت رئيس حكومة دولتها رغم تأكيدها على عدم دعمه منذ البداية، وكتبت في هذا الشأن “كنت ولازلت ضد تعيين الحبيب الصيد رئيسًا للحكومة حجتي في ذلك أن الحكومة لا بد أن يقودها سياسي من الحزب الفائز في الانتخابات حتى ينفذ برنامج حزبه وحتى نحاسبه، لكني ضد الإهانة والظلم وأن يكون الحبيب الصيد شماعة يعلق عليها الفاسدون فشلهم.”
وطالب آخرون بفتح تحقيق عاجل بعد التصريحات التي أدلى بها رئيس الحكومة الحبيب الصيد، والتي أقرَّ فيها بتعرُّضه للتهديد المباشر بالمضايقة، ومحاسبة الجهات والأشخاص التي مارست هذا التهديد.
وتعاني تونس من أزمة شاملة مسّت كل القطاعات في البلاد، ويتساءل مراقبون عن قدرة حكومة الوحدة الوطنية القادمة في النهوض بالبلاد والخروج من هذه الأزمة.