في 13 أغسطس عقد البرلمان اليمني أولى جلساته رسميًا للمرة الأولى منذ نوفمبر عام 2014، حيث منح الثقة في حينها لحكومة المهندس خالد بحاح، وجاءت الجلسة بعد تراجع التيار الحوثي في الإعلان الدستوري الذي أصدره في مايو عام 2015، وحل بمقتضاه البرلمان ومجلس الرئاسة، لمصلحة اللجنة السياسية الثورية العليا، وهذا يعني العودة للاعتراف بشرعية البرلمان المنتخب مجددًا.
وفي 28 يوليو 2016، أعلنت جماعة الحوثي وحزب المؤتمر الشعبي العام وحلفاؤه في العاصمة اليمنية صنعاء عن الاتفاق السياسي بينهم، ونص الاتفاق على تشكيل مجلس سياسي أعلى لإدارة البلاد يتكون من عشرة أعضاء، وللمجلس الحق في إصدار القرارات واللوائح اللازمة لإدارة البلاد، ورسم السياسة العامة للدولة.
وبموجب هذا الاتفاق دعا البرلمان اليمني – الذي عاد للحياة التشريعية مجددًا بعد أن كان الحوثيون قد أحلوه -، أعضاءه إلى الاجتماع يوم السبت 13 أغسطس، وكان يتوقع أن يناقش الفراغ السياسي والدستوري في البلاد وأبرزها قبول استقالة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي التي قدمها إلى البرلمان في 22 يناير 2015، وأقلها إعلان شغور مقعد الرئاسة، وهو ما كان يتيح للبرلمان مناقشة كيفية إدارة المرحلة القادمة وفقًا للدستور والمبادرة الخليجية التي جعلت البرلمان اليمني يلجأ إلى السيناريو الأضعف ومنح الثقة للمجلس السياسي الأعلى مخالفًا للدستور النافذ للبلاد، دون أن يعلن شغور مقعد الرئيس وهذا يفسر أن هناك خطوات قادمة أبرزها منح فرصة للحل السياسي، وأقلها الإقدام على “استفزاز” القيادة السعودية، وتقليص شرعية الرئيس هادي وحكومته إلى الحدود الدنيا توافقًيا بالأعضاء الحاضرين دون أغلبية.
لكن البرلمان لجأ إلى السيناريو الأضعف ومنح الثقة للمجلس السياسي الأعلى مخالفًا للدستور اليمني النافذ الذي يخلو من نص في مواده على مثل هذا القرار غير المفهوم من قبل البرلمان، وهو ما يعزز من شرعية الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي لدى الأمم المتحدة والتي ستتوقف أيام لمراجعة تأيد البرلمان للمجلس السياسي الأعلى، وإن كان ذلك يتوافق مع الدستور اليمني، لتعلن بعد ذلك مواقفها الصريحة، وهو ما يبدو أنه سيكون هناك رفضًا أمميًا لما أقدم عليه البرلمان لكون ذلك لم يتوافق مع الدستور اليمني الذي حدد نظام الرئاسة “انتخابات عامة مباشرة من الشعب” وليس برلماني كما فعلها في جلسته الأخيرة ومنح ثقته للمجلس السياسي الأعلى وحول النظام الجمهوري في اليمن إلى نظام برلماني في اختيار الرئيس.
المراقبون والمحللون السياسيون للوضع في اليمن استغربوا من موقف البرلمان الذي كان مقررًا أن يقدم على خطوات دقيقة ومدروسة بعناية كون قراراته ستواجه العالم وستكون فعالياتها بمدى قانونية ودستورية تلك القرارات، لكنهم تفاجأوا بتأييده فقط للمجلس السياسي الأعلى الذي أدى أعضاؤه اليمين الدستورية أمامه يوم 14 أغسطس 2016، وتاليًا قراءة لأسباب عدم إعلان مجلس النواب اليمني شغور مقعد رئاسة الجمهورية.
أولًا: جاء الاتفاق على تأسيس المجلس السياسي الأعلى بين المؤتمر الشعبي العام وحلفائه والحوثيين في 28 يوليو 2016، بعد أن تراجع الحوثيون عن الإعلان الدستوري والتنازل، وهذا كان هدفًا أساسيًا وشرطًا غير قابل للنقاش بالنسبة لعلي عبدالله صالح الرئيس اليمني السابق، مقابل أن يوافق المؤتمر الشعبي العام على تشكيل مجلس رئاسي وحكومة من الطرفين، لكن صالح استطاع أن يخرج من اتفاق عن تشكيل مجلس رئاسي أو حكومة، واستطاع أن يخفف من ذلك وإعلان مجلس سياسي أعلى مكون من عشرة أشخاص فقط حتى لا يزيد من حدة الصدام مع الإقليم والعالم، والمجلس السياسي هو بين المجلس الرئاسي والحكومة (أي حكومة مصغرة لتدير البلاد بشكل مؤقت)، وهو ما يعني أنه منح فرصة أخيرة للحل السياسي، وإن فشلت قد يصبح المجلس فيما بعد مجلسًا رئاسيًا لحكم البلاد وإدارتها، وفقًا لتطورات السياسية والعسكرية وما يفرضه الواقع.
ثانيًا: كان يمكن للبرلمان أن يصوت بالإجماع على قرار بنزع الثقة عن الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومته، أو إعلان مقعد الرئيس شاغرًا (خصوصًا وأن النصاب كان مكتملاً)، استنادًا إلى طلب قدمه أعضاء في المجلس إلى هيئة رئاسة مجلس النواب بوضع مشروع قرار لإعلان منصب الرئيس شاغرًا، غير أن رئاسة البرلمان طرحت نص اتفاق تشكيل المجلس السياسي للنقاش والتصويت عليه، ومن خلال ذلك تبدو أنها خطوة سياسية قد تلحقها خطوات سياسية ودستورية.
سياسية وهي انتظار لما يبدو الانتهاء من ترتيبات دولية لإخراج خارطة طريق للحل السياسي قد تطرح قريبًا للتوقيع عليها برعاية أمريكية روسية، والدليل التواصل الكثيف بين قيادات سياسية في صنعاء مع موسكو وواشنطن، وعدم إبداء أي موقف رسمي من كلا البلدين المهيمنين على المنطقة.
وهذا الموقف يفسر حديث رئيس المجلس يحيى الراعي الذي قال إن البرلمان يمد يده للحوار، وطالب بقية أعضاء المجلس الحضور ويمكنهم المناقشة وطرح ما يرونه مناسبًا للنقاش.
أما دستوريًا، وإذا لم تنجح الخطوة السياسية، فإن المجلس قد يستند إلى المادة 128 من الدستور اليمني واتهام الرئيس عبد ربه منصور هادي بالخيانة العظمى، وخرقه للدستور كونه لجأ إلى اتخاذ الحرب ومس سلامة واستقلال اليمن دون أن يعود إلى البرلمان.
وتنص المادة 128 من الدستور اليمني على “يكون اتهام رئيس الجمهورية بالخيانة العظمى أو بخرق الدستور أو بأي عمل يمس استقلال وسيادة البلاد بناءً على طلـب من نصـف أعضاء مجلـس النـواب ولا يصدر قرار الاتهام إلا بأغلبية ثلثي أعضائه ويبين القانون إجراءات محاكمتـه، فإذا كان الاتهام موجهًا إلى رئيس الجمهورية ونائبـه تباشر هيئة رئاسة مجلس النواب مهـام رئاسة الجمهورية مؤقتًا حتى صدور حكم المحكمة، ويجب أن يصدر القانون المشار إليه خلال دور الانعقاد العـادي الأول لمجلس النواب التالي لسريان هذا الدستور وإذا حكم بالإدانة على أي منهما أعفي من منصبه بحكم الدستور مع عـدم الإخـلال بالعقوبات الأخرى وفي جميع الحالات لا تسقط بالتقـادم أي من الجرائـم المذكـورة في هـذه الـمـادة”.
بمعنى أن المجلس قد يطعن على شرعية الرئيس هادي، ويعمل على تأسيس محكمة قضائية لمحاكمة الرئيس بتهمة الخيانة العظمى، وهذا لن يكون إلا بنصف أعضاء البرلمان من العدد الكلي 301 عضو أي 151 عضوًا يجب أن يوافقوا على هذا الاتهام، وهذا السيناريو يبدو الأقرب لتفادي أي عقبات قانونية من السيناريو الأول.
وهذه المادة قد يكون المصادقة عليها سهل لكون البرلمان عقد السبت والأحد 13-14 أغسطس بنصاب مكتمل، وبنسبة فاقت أغلبية (النصف +1) بعدما حضر الجلسة 142 نائبًا من إجمالي قوام المجلس من الأعضاء على قيد الحياة البالغ عددهم 276 عضوًا.
ثالثًا: ربما أن البرلمان اليمني تعمد عدم مناقشة مسألة شغور منصب الرئيس أو سحب الثقة منه، وأراد تجاهل ذلك مستندًا إلى مبادرة مجلس التعاون الخليجي التي حددت رئاسة الرئيس هادي بعامين فقط، انتهت في فبراير 2014، على اعتبار أنه لم يعد له صفة قانونية أو دستورية أو أي صلاحية لكون كل ذلك انتهى مع الفترة المحددة المذكورة آنفًا، وإدراجه ضمن قائمة من سيتم محاكمتهم خلال الفترة القادمة.
وهذا يفسر أن البرلمان درس هذا الأمر بعناية، ورفض مناقشة إعلان شغور منصب الرئيس حتى لا يكون هناك اعتراف من قِبل طرف صنعاء بشرعية هادي، وبالتالي منح شرعية لتحالف عاصفة الحزم على اعتبار أنه كان يؤدي دورًا قانونيًا وفقًا لطلب الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي.
ومن ذلك يبدو أن البرلمان عازم على الإقدام بردود على التصعيد العسكري، ربما تكون تدريجية ومدروسة بعناية، بحيث تظل محصورة في “استفزاز” القيادة السعودية، وتقليص شرعية الرئيس هادي وحكومته إلى الحدود الدنيا، مع الحرص في الوقت نفسه على تجنب إغضاب الأمم المتحدة وأمريكا وأوروبا، وربما قد يلجأ أيضًا إلى إلغاء المبادرة الخليجية برمتها التي منحت الشرعية للرئيس عبده ربه منصور هادي، لسببين سوف نذكرهم في التحليل لرد فعل الرئيس هادي على انعقاد البرلمان.
إجراء البرلمان اليمني أثار من حفيظة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي المعترف به دوليًا وأرسل رسالة طويلة إلى المجلس، وقال لهم إن المادة الثامنة من الآلية التنفيذية للمبادرة الخليجية ألغت نصاب التصويت بالأغلبية في مجلس النواب بكل أشكاله وصار التصويت محكومًا بالتوافق الجمعي، ولا يجوز تغيير شكل رئاسة الدولة من نظام رئيس للجمهورية إلى رئاسة جمعية مكونة من عشرة أشخاص، ولا يجوز انعقاد مجلس النواب إلا بدعوة من رئيس الجمهورية أو هيئة رئاسة المجلس، ورئيس الجمهورية لم يدعُ، كما أن هيئة رئاسة المجلس تغيب عنها حمير الأحمر والشدادي من أعضائها الأربعة، وأن النصاب القانوني لم يكتمل.
حقيقة تنم رسالة الرئيس هادي إلى البرلمان اليمني عن خوف وضعف شديدين، من خطوات يعلم جيدًا أنها قد تكون قاصمة على شرعيته، أقلها تعيين حكومة وحدة وطنية ومنحها الثقة من البرلمان، واعتمد في حديثه على مبادرة مجلس التعاون الخليجي لحل الأزمة اليمنية في 2012.
وتعد مبادرة مجلس التعاون الخليجي اتفاقًا بين المكونات السياسية (وليس دستورًا استفتى الشعب عليه)، بموجبها قبلت الأطراف اليمنية على تقاسم السلطة في اليمن عقب ثورة 11 فبرير 2011 الشبابية وبمقتضاها أقيمت انتخابات رئاسية مبكرة واختير هادي مرشحًا توافقيًا لرئاسة البلاد لمدة عامين فقط، ومنح الحصانة القضائية للرئيس السابق علي عبدالله صالح ورموز نظامه، وأي خرق ﻷحد بنودها تعد باطلة وملغية.
تم خرق هذه الوثيقة عندما تمسك هادي بالرئاسة اليمنية بعد انتهاء الفترة الانتقالية المحددة بعامين والمقررة أن تنتهي في فبراير 2014، وخرقت للمرة الثانية بفرض الأمم المتحدة عقوبات على “صالح” ونجله بطلب من الرئيس هادي، وهذا قد يكون سببًا كافيًا للبرلمان اليمني بإلغاء مبادرة مجلس التعاون الخليجي.