ما أسباب سياسة التغيير التي يعتمدها بوتين مع موظفي الكرملين؟

8d01d569-a450-4488-a5ba-359ec8a505cb-jpg-29379591238597224

ترجمة وتحرير نون بوست

إن التركيبة السياسية للكرملين تحاكي هندسته المعمارية؛ قلعة مسورة يعجز الأشخاص الذين يقفون خارجها عن رؤية ما يحدث داخلها، عندما قام بوتين بعزل ذراعه اليمنى سيرجي إيفانوف، يوم 12 أغسطس/ آب، اكتفى الكرملين بعرض فيديو قصير يظهر تكريم الرئيس الروسي لمساعده إيفانوف على تفانيه في خدمته لأكثر من 17 سنة، لكن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء عزله من منصبه لا زالت غامضة إلى اليوم.

إن هذه الهالة من الغموض التي تحيط بالمشهد السياسي في روسيا ليست مجرد مصادفة بل هي سياسة استراتيجية يعتمدها الكرملين، وهو ما أكده المستشار السابق في الكرملين الذي قال “إن لدينا نظامًا يعتقد أن لديه القدرة على فعل أي شيء دون تقديم أي مبررات، إن نظامنا عبارة عن صندوق أسود”.

كان إيفانوف، الذي تقلد مسؤوليات عديدة في المخابرات، يعتبر من أعمدة النظام الروسي، ومن أبرز الشخصيات المؤثرة في المشهد السياسي، مباشرة بعد بوتين، إن قرار إقالته، وتعويضه بشخصية أصغر سنًا لكنها من وجهة نظر الكرملين أكثر وفاءً يندرج ضمن سياق عام تخلى فيه بوتين عن أصدقائه القدامى، من أجل تعيين أشخاص أكثر ولاءً، وهو ما أكده ألكساي تشيزناكوف، المسؤول الرئاسي السابق في الكرملين، الذي قال “إن الأشخاص الذين لا يتناسبون مع رؤية بوتين للأهداف الجديدة يجب أن يغادروا، ولا أحد سوى بوتين نفسه يمكن أن يعرف ماهية هذه الأهداف”.

جاء هذا التغيير في سياسة الكرملين في وقت حساس من مسار النظام الروسي، بالتوازي مع اقتراب الانتخابات البرلمانية في منتصف الشهر القادم، وتراكمات المشاكل الاقتصادية التي تواجهها روسيا، وتصاعد التوتر على الحدود مع أوكرانيا بسبب الاتهامات المستمرة للنظام الروسي بالوقوف وراء الفوضى في شبه جزيرة القرم، بالإضافة إلى توسيع العمليات العسكرية الروسية في الشرق الأوسط بعدما قامت الطائرات الروسية بشن غارات جوية انطلاقًا من إيران.

إن كل هذه الحقائق والتطورات في المشهد السياسي والعسكري الروسي خلال الفترة الأخيرة تدفعنا إلى التساؤل حول رغبة بوتين في دفع روسيا نحو انتخابات رئاسية مبكرة خلال السنة القادمة، بما سيسمح له بتجديد سلطته والقيام بالإصلاحات الاقتصادية الضرورية، أم أنه يخطط للتنحي في سنة 2018؟ هل ستسمح الانتخابات القادمة بعودة ديمتري ميدفيدف للمشهد السياسي؟ أم أن بوتين يعمل على إعداد وريث محتمل للكرملين؟

إذا كان لا يمكننا الجزم بحقيقة التوجهات التي سيعتمدها بوتين خلال المرحلة القادمة، فإنه يمكننا على الأقل التكهن بطبيعتها بناء على المؤشرات التي يقدمها لنا المشهد السياسي في روسيا، وفي السنة الماضية، قرر بوتين إقالة المدير الوطني الروسي للسكك الحديدية، فلاديمير ياكونين الذي كان من أبرز المقربين من الرئيس الروسي.

في بداية السنة الحالية، قام بوتين بتأسيس قوات الحرس الوطني الروسي التي تكونت أساسًا من الحلفاء التقليديين للرئيس الروسي في وكالة مكافحة المخدرات وإدارة الهجرة الاتحادية، بالإضافة إلى شخصيات موالية لبوتين في قسم الجرائم الاقتصادية التابع لوكالة الأمن الفدرالي، وفي شهر يوليو/ حزيران الماضي، قامت قوات تابعة لوكالة الأمن الفدرالي الروسي بمداهمة منزل رئيس مصلحة الجمارك، أندري بليانينوف، وعثرت على أموال طائلة تحصل عليها بطريقة غير مشروعة، وقد أصبح النظام الروسي أقل تسامحًا مع هذه العمليات في الوقت الذي تشهد فيه البلاد مشاكل اقتصادية عديدة.

أما بالنسبة لإيفانوف، فإن وفاة ابنه غرقًا في سنة 2014 قد أثر سلبًا على مردوده في الكرملين، وقد حافظ إيفانوف على منصبه في مجلس الأمن الروسي الذي يتمتع بقدرة كبيرة على التأثير في السياسات الداخلية والخارجية الروسية، وفي المقابل، يعتقد البعض أنّ بوتين لم يعد يقبل نصائح المقربين منه الذين يحاورونه بمنطق الند للندّ.

مهما كانت الأسباب التي تقف وراء تخلي بوتين عن أصدقائه القدامى، فإن تعيين أشخاص آخرين أقل منهم سنًا سيساعد على طمأنة النخبة السياسية من خلال تشبيب الكرملين، ويبدو أن النظام السياسي الروسي أصبح يفتقر للقدرة على خلق كوادر سياسية شابة، بينما كانت روسيا السوفيتية تعتمد على الحزب الشيوعي لصناعة قادة جدد في كل مرحلة، فإن النظام السياسي الروسي أصبح يعتمد اليوم بشكل متزايد على المحاباة.

عندما يتعلق الأمر بتعيينات سياسية، فإن بوتين لا يتردد في اختيار الأشخاص الذين لديه معرفة شخصية بهم، وإن كانوا حراسه الشخصيين، ففي بداية السنة الحالية، قام بوتين بتعيين ثلاثة حراس شخصيين سابقين كحكام في ثلاث محافظات روسية، بينما تقلد حارس شخصي آخر لبوتين، يدعى فيكتور زلزتزف منصب رئيس الحرس الوطني الروسي، وهو ما سيجعل النظام الروسي قائمًا أساسًا على جيل من المسؤولين الذين يدينون في مسيرتهم السياسية كليًا لبوتين، وهم أشخاص يتميزون على حدّ تعبير إفجني منشنكو “بالإخلاص والتفاني وعدم التحيز لأي إيديولوجية”.

إنّ تعيين فاينو عوضًا عن إيفانوف، قد يعني حدوث تغييرات جذرية في طبيعة المشهد السياسي الروسي خلال الفترة القادمة، لكن انعكاسات هذه التغييرات على المشهد السياسي للكرملين تبقى غامضة، وهو تحديدًا ما يثير قلق المتابعين للوضع السياسي الروسي، ومن بينهم المحلل السياسي كيريل روغوف الذي قال متحدثًا عن رجال السلطة في الكرملين “إنهم يعتقدون أن السرية هي القوة”.

المصدر: الإيكونومست