لم يكن يظن أكثر المتشائمين أن تصل العلاقات الاقتصادية المصرية – الروسية إلى هذا الوضع الأقرب إلى الحرب، وذلك بعد زيارة الرئيس الروسي إلى مصر في منتصف فبراير 2015، الذي كان أغلب الظن بعدها أن مصر وروسيا متجهتان إلى توأمة اقتصادية وصلت بالبعض ليتحدث عن التوجه للتعامل بالجنيه والروبل بدلاً من الدولار، ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن وحدث ما حدث من سقوط الطائرة الروسية بشرم الشيخ، والتي أشعلت حربًا سياحية تارة وتجارية تارة أخرى.
السياحة ثم القمح وأخيرًا الخضراوات والفواكه التي طفت على السطح كأزمة جديدة بين البلدين، هذه الأزمات التي نمت إما بهوى سياسي أو بسوء إدارة من الحكومة المصرية لن تكون تكلفتها بسيطة في ظل ظروف اقتصادية صعبة تعيشها مصر، فهل تتسع دائرة هذه الحرب أم أن الحكومة المصرية ستتراجع عن موقفها قريبًا؟!
في الواقع تقول التجارب السابقة إن الحكومة المصرية لا تصمد في مثل هذه الحروب، فسريعًا ما تتراجع عن قرارات حساسة بسبب الضغوط سواء المحلية أو الدولية، وبعيدًا عن المحاولات المصرية المستميتة لإعادة السياحة الروسية إلى مصر بعد الهبوط الكارثي للسياحة الوافدة إلى البلاد الذي تجاوز الـ 50% بالأشهر الأخيرة، وجدت الحكومة أن منع دخول القمح المستورد المصاب بأي نسبة من فطر الإرجوت في واردات القمح، متراجعه عن قرار سابق يسمح بالأخذ بالنسبة العالمية المقررة في استيراد القمح وهي 0.05%، قد يكون ورقة ضغط على الروس – أكثر المتضررين من هذا القرار – لكن لم يحدث ذلك وجاءت ضربة الروس في الصادرات الزراعية المصرية التي يستحوذون على 30% منها.
ضغوط من اتجاهين
الموقف الروسي الذي أعلنته مسؤولة روسية، من أن موسكو ستحظر “بشكل مؤقت” استيراد الفواكه والخضراوات من مصر، اعتبارًا من الخميس 22 سبتمبر الجاري، بسبب “عدم وجود عملية فعالة لمراقبة الصحة النباتية في مصر”، جاء بأريحية تعود في الأساس إلى الإطمئنان بعودة العلاقات التركية – الروسية، وإلا لن يكون موقف الروس بهذا الحزم لأن تركيا بوابة صادرات زراعية غاية في الأهمية، حيث قالت يوليا شفاباوسكيني، نائب الهيئة الفيدرالية الروسية للرقابة البيطرية والصحة النباتية إن “اتخاذ هذا القرار، بسبب عدم وجود عملية فعالة لمراقبة الصحة النباتية في مصر”.
العجيب أن موسكو لم تكتشف أن هناك عدم فعالية لمراقبة الصحة النباتية في مصر سوى الآن وهي المستورد الأكبر للمنتجات الزراعية المصرية في السنوات الأخيرة، الأمر الذي يجعلنا نظن أن القرار ما هو إلا رد فعل على الموقف المصري، حيث يعتبر التوجه الروسي بمثابة ورقة ضعط على الحكومة المصرية للتراجع عن قرارها.
الضغط لا يأتي من جانب روسيا فقط، حيث أكدت الهيئة العامة للسلع التموينية، الإثنين، أنها ألغت ثالث مناقصة لشراء القمح على التوالي منذ أن أعادت العمل بسياسة عدم السماح بأي نسبة من الإصابة بفطر الإرجوت، وقالت الهيئة إن المناقصة ألغيت لأنها لم تتلق أي عروض، الأمر الذي يوضح توجه التجار للضغط على مصر للتراجع عن سياستها، ويبقى السؤال هل ترضخ مصر لهذه الضغوط؟!
رد فعل على قرار عشوائي
عمومًا لا يبدو الأمر مبشرًا، فبحسب تصريحات إعلامية، قال مجلس الأعمال المصري الروسي إن قرارات الحكومة العشوائية تهدد مستقبل الصادرات المصرية، حيث أوضح علاء عز الأمين العام لمجلس الأعمال المصري الروسي، أن القرار الروسي جاء كرد فعل على القرار المصري بحظر استيراد القمح المصاب بفطر الإرجوت – وهي مواصفات لا تتماشى مع المواصفات القياسية العالمية برأيه -، مشيرًا إلى أن القرار الروسي صدر قبل بدء موسم التصدير للمنتجات الزراعية والذي يبدأ خلال شهري أكتوبر ونوفمبر، وبالتالي لم يتم تصدير أي منتج مخالف يدفع روسيا لاتخاذ هذا القرار.
تصريحات عز، ربما تكون قد كشفت وضع الأزمة إلى حد كبير، فالقرار رد فعل لا أكثر، لكن بالطبع هذا لا ينفي وجود جملة من المشاكل في الزراعة المصرية، ولعل أبرزها استخدام مياة الصرف الصحي في الري، الأمر الذي تسبب في رفض صفقات عديدة بين مصر ودول كثيرة.
في الحقيقة يجب على مصر أن تعرف جيدًا طبيعة الدولة التي تتعامل معها قبل خوض هذه المعركة، فروسيا دائمًا ما تلجأ لحل مشاكلها السياسية عبر وسائل ضغط اقتصادية، حيث تستخدم السياح بشكل كبير في مثل هذه المعارك، بمعنى أن استمرار حرب المحاصيل يعني استمرار غياب السياح الروس عن مصر وهذا الأمر كارثة كبرى، في ظل هذه الظروف التي تعيشها البلاد، لذلك يجب على الحكومة المصرية التعامل بحكمة مع هذه الأزمة وإلا لن تكون النتائج جيدة.
من ينتصر أخيرًا؟!
ربما يكون هذا هو السؤال الأهم الآن، والإجابة في غاية البساطة وهي أن المنتصر في مثل هذه الحروب هو صاحب النفس الطويل كما يقولون، وروسيا لها تاريخ كبير في الحروب الاقتصادية وليست الأحداث الروسية – التركية ببعيدة، وكذلك العقوبات الغربية على روسيا أكبر دليل على قدرة موسكو على الصمود لفترة طويلة.
أما بالنسبة لمصر فهي في أغلب الأحيان ما تتراجع عن قراراتها بشكل أو بآخر، سواء مدفوعة بضغوط داخلية أو خارجية، وخاصة في السنوات الأخيرة، وذلك لأن القرارات تكون عشوائية وبدون دراسة حقيقية مما يجعلها تنهار سريعًا أمام الضغوط.