بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 – وما ترتب على هذا الانهيار من تحولات عظيمة في ميدان العلاقات الدولية وتفاعلاتها – انتهى نظام الثنائي القطبية وأصبح نظامًا أُحادي القطبية محكومًا بالنظام الرأسمالي كمذهب أيديولوجي، وتم إسناد هذ النظام إلى مفهوم الربحية عن طريق الانتشار الجغرافي والسلعي، وبهذا المعنى فإن أعطت الرأسمالية من خلال انتشارها الواسع الأولوية للعمل في الأسواق العالمية بدلاً من الأسواق المحلية؛ وذلك لأن هدف الرأسمالية تعظيم الأرباح سواء أكان بالانتشار الجغرافي أو غيره من السبل حتى وإن اضطر إلى استخدام أدوات قسرية لإيجاد مشترين أو منتجين بأسعار أدنى تسهم في تعظيم هذه الأرباح.
كتاب انتقال القوة لتوفلر
تحدث (ألفن توفلر-Alvin Toffler) – في كتابه الذي أصدره عام 1990 بعنوان (انتقال القوة -SHIFT OF POWER) – عن المنافسين العالميين الذين من بينهم الإسلام، والديانات العالمية الأخرى، والشركات المتعددة الجنسيات، وشبكات الجريمة المنظمة، والمخدرات العابرة للحدود، والمنظمات العالمية غير الحكومية التي تنتشر بسرعة، إذ وصفها بأنها قوى أخرى تنامت وانتقلت من الساحة المحلية إلى مستوى الدولة وإلى مستوى عالمي، وبذلك حجّمت القوة النسبية للدول أو الحكومات، ويؤكد (توفلر-Toffler) هذا الكلام حينما قال “لقد ظهر خصوم أو منافسون جدد في الساحة العالمية يشكلون تحديًا لقوة الحكومة”.
وهؤلاء المنافسون يمكن أن نطلق عليهم مصطلح “أطراف لا تخضع لهيكلة الدولة” أو “أطراف اللادولة” ويمكن استخدامهم في السياسة الدولية، كأن تكون عن طريق دبلوماسية قسرية التي تأتي كجزاء أساسي، ومكونٍ مهمٍّ من مكونات القوة الناعمة، فالدبلوماسية القسرية تقوم على الضغط والإكراه وتوظيف الإمكانات المختلفة الاقتصادية والإعلامية، وغيرها من المؤثرات، من أجل تحقيق أهداف الدولة الممارسة للدبلوماسية القسرية في علاقاتها مع غيرها من الدول باستخدام الموارد التي لا تدخل ضمن الوسائل المكونة للقوة الصلبة أو القوة العسكرية، وقد تكون في بعض الأحيان قائمة على الإغراء، وأن هذه القوة لا تكون ذات جدوى في تحقيق الأهداف ولن يكون لها دور كبير في التأثير، ما لم تحقق الهدف الذي يتم تكليفها من أجل الوصول إليه.
حين نأتي إلى الحروب التي تخوضها الدول الكبرى، نجد أنها أصبحت تخاض من دون خسائر بشرية، من خلال تطبيق نظرية الحرب من دون خسائر بشرية أو (zero dead)؛ وذلك تجنبًا لتكلفة المعدات العسكرية أو الخسائر البشرية.
وحلت هذه الأدوات محل القنوات القتالية التقليدية، ويعد هذا العصر هو عصر الاقتصاديات القائمة على المعلومات، والاعتماد المتبادل الذي يتخطى الحدود القومية.
اتسم الخطاب العولمي العربي في غياب المنظمات الأهلية المستقلة بتوصيف وتحليل وتعريف العولمة وملحقاتها، (الخصخصة، والهيكلة، والديموقراطية، وحقوق الإنسان)، وقلةٌ هم الذين تطرقوا إلى فشل النظام العربي في مواجهة العولمة بكتل عربية أو إقليمية لها هيبتها وأثرها في حقل العلاقات الدولية.
إن النوايا العربية الطيبة في حال توافرت يمكن أن تقيم لنفسها تجمعًا اقتصاديًا مهمًا، له نظام مالي واقتصادي خاص، والاستفادة من الخصائص التي تميزه، وأهمها الموارد النفطية التي تدر مئات المليارات من الدولارات، ولاسيما حين ينعكس هذا الدخل محليًا ليتم استثماره في جميع القطاعات التي تنهض بالدولة واقتصادها، بدلًا من الارتباط بزعامة خارجية، فبناء عولمة طرفية تواجه العولمة المركزية بندية، يجب أن يتوافر لها – إلى جانب الكتلة الاقتصادية – (تكتل اقتصادي عربي) يشمل كتلة بشرية وقوة عسكرية، تتعامل بندية مع المرحلة الجديدة، التي اتسمت بفرض إملاءات الخارج على المنطقة العربية على شكل حروب وحصار وضغوط”[1].
إن أحادية القطبية في السياسة الدولية المقتصرة على جانب هيمنة (الولايات المتحدة)، عندما اضعفت أي تأثير للدول الكبرى على قرارات المؤسسات الدولية، وخاصة الأمم المتحدة وعززت مكانة وسيطرة أمريكا على القرار الدولي، وأكدت في خروقاتها فكل المساعدات التي يقدمها البنك الدولي، ترجع إلى نسبة العضو في البنك أي مساهمته في رأس مال البنك، الأمر الذي يتحدد وفق معايير معقدة تأخذ في الاعتبار الوزن الاقتصادي للدول، ولذلك فإن الدول الصناعية تتمتع بقوة تصويت كبيرة تمكنها من السيطرة الفعلية على مقدرات البنك ولا سيما الولايات المتحدة التي تتمتع بدور متميز لما تملكه من أكبر حصة في البنك تصل إلى (18%)، فضلًا عن اتخاذ البنك العاصمة الأمريكية واشنطن مقرًا له مما يدل على اتفاق غير مكتوب.
وقد ناقش الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز-John Maynard Keynes اتفاقية إنشاء صندوق النقد والبنك الدوليين ليأخذ موقعًا في نيويورك على غرار موقع الأمم المتحدة، وذلك لتجنب الضغط الذي يمكن أن يمارس عليه من جانب واشنطن، غير أن الأزمة المالية العالمية عام 2008 جعلت المطالبة بإصلاح صندوق النقد والبنك الدوليين ضروريًا ولاسيما بعد أن تمت زيادة رأس المال بهما، لأن المعادلة الجديدة ستعكس بصورة أفضل وزن الدول النامية والدول التي تحرز تقدمًا اقتصاديًا ملموسًا في الاقتصاد العالمي، فضلاً عن أنها توفر الحماية لأصوات أصغر الدول وأكثرها فقرًا، وكل ذلك أدى ذلك إلى إجراء تعديلات في القوة التصويتية ولاسيما باختيار رئيس البنك والصندوق النقد الدوليين وبلغت القوة التصويتية للدول النامية والصاعدة نحو (47.2%) مقابل (52.8%) للولايات المتحدة والغرب ويتوقع ارتفاع هذه النسبة إلى (60%) تقريبًا بحلول عام 2030.
وعلى الرغم من التفاؤل من قبل الدول النامية الصاعدة اقتصاديًا حينما تم ترشيح مواطن غير أمريكي لرئاسة البنك الدولي ولأول مرة في عام 2012، – عندما أعلن الرئيس الأمريكي بارك أوباما Barack Obama ترشيح الكوري الجنوبي جيم يونك كم jim yong kim في 23/3/2012 رئيسًا للبنك الدولي وأعلن انتخابه للمنصب في 27/4/2012، فإن الولايات المتحدة منحت جيم يونك كم الجنسية الأمريكية قبل تسلمه المنصب بأيام قليلة.
والسؤال هو لماذا علينا أن نصدق الخبير الاقتصادي الأمريكي بن شلومو برنانكي Ben Shalom Bernanke، الذي جاء به وول ستريت لينقذ مؤسساته المالية؟
كانت أطروحة برنانكي عن الكساد الكبير، وقد جاء قبل أن يُعلن للملأ عن كساد كبير أو تباطؤ كبير، فوصل إلى نتيجة في أطروحته مؤداها أن سبب المشكلات هو “السماح بانهيار البنوك، التي على الدولة حمايتها بسائر الوسائل، وهكذا انقلبت الدولة الرأسمالية التي كانت تلعن تدخل الدولة وجعلته من المحرمات على دول شرق جنوب آسيا أثناء أزمة التسعينات، مُعلنة أن على البنوك الضعيفة والشركات الضعيفة أن تنهار، إذ ما لبث أن يذهب بارونات المال العالميون لشرائها بأبخس الأثمان”، لكن اليوم، أصبحت تلك المحرمات حلالاً، وبدأت الحكومة بشراء الحصص وضخ المليارات لوقف الانهيارات لمؤسسات باروناتها.
إن معظم البلدان النامية هي أعضاء في البنك الدولي، لكنها لا تمتلك قدرة تصويتية تمكنها من الحصول على القروض الميسرة، لكن البنك أخذ يعطي القروض للدول النامية التي تكون ذات مصالح اقتصادية مع الولايات المتحدة (كدول أمريكا اللاتينية)، وهذه تمثل سياسة منحازة إلى جانب الدول الكبرى، وكذلك من أولويات البنك الدولي إعطاء القروض إلى الدول التي يكون فيها استثمارات وذات أرباح وتسدد في موعد الاستحقاق، متجاهلة بذلك سياسة التنمية الاقتصادية للبلدان النامية وعدم مراعاة احتياجاتها، ويرجع الغرض من ذلك إلى إبقاء الدول النامية تدور حول فلك النظام الرأسمالي العالمي.
لقد أصبحت المؤسسات الاقتصادية الكبرى إحدى الأدوات التوجيهية لرسم الخطوط العريضة في السياسة الخارجية من طريق إكراه بعض الدول على انتهاك السلوك القويم تنفيذًا لمصالح بعض الشركات الكبرى وبمساعدة بعض الدوائر الحكومية، فالتفرد في القرار الاقتصادي الكوني وسياسات الصندوق والبنك الدوليين يأتي لتحقيق مصالح دول كبرى وترجمة أهداف الدول المتبنية لهما، عبر آليات أو سياسات متبعة بإيعاز من الدول الداعمة، ودخول الدول إلى أفق التبعية الاقتصادية والسياسية لصهر الحدود التقليدية وجعلها شفافة لتقليص السيادة الحكومية .
ولكن حجم صندوق النقد والبنك الدوليين وعدد الدول المنظمة لهما يستطيعا بالفعل مساعدة الدول الأخرى ولا سيما النامية فيما لو رفعت عنهما الوصاية من بعض الدول الكبرى وذلك عن طريق مهمتين تعدان من المهام الضرورية والداعمة لإصلاح مالي واقتصادي دولي، المهمة الأولى: تثبيت أسعار الموارد الأولية، إذ تنص المادة الخامسة من الفقرة من اتفاقية الصندوق على منح الدول النامية في حالات معينة حق بسحب خاص باستثناء السحب الذي يتحدد على وفق حصتها، أما تلك الحالات فهي مواجهة تدهور أسعار الموارد الأولية (التي تعتمد عليها تلك الدول بوصفها من الصادرات الأساسية)، أو في حالات تكاثر الموارد المخزنة منها لدى الدول المنتجة، أما المهمة الثانية: فتتعلق بإقامة أنظمة ومؤسسات النقد، وإصلاح الأنظمة والمؤسسات القائمة، وتدريب الخبراء والمختصين في مجالات النقد والشؤون المالية العليا، ونظم تبادل العملة.