مع انطلاق الدوري المصري، بدأت التساؤلات تدور حول موعد عودة الجماهير للملاعب، وإلى متى سيستمر مسلسل قمع الداخلية لروابط الأولتراس المصرية، فهناك تاريخ طويل من الكر والفر والصدامات بين روابط الأولتراس من جهة والداخلية وإدارات الأندية والاتحادات الرياضية من جهة أخرى، مما تسبب في حرمانهم من حضور المباريات واعتقالهم في كثير من الأحيان.
بداية روابط الأولتراس بمصر
بدأت روابط الأولتراس في مصر في أبريل عام 2007 ومن ضمن عقيدتهم الخاصة حضور أكبر عدد ممكن من المباريات للفريق الخاص بهم والتشجيع باستماتة طوال المباراة دون كلل أو ملل، فكانوا حريصين على حضور أكبر عدد من المباريات سواء داخل مصر أو خارجها في مختلف بلدان العالم، فالتنظيم والقدرة على الحشد هو السمة الأساسية التي تتميز بها مجموعات الأولتراس.
تكونت هذه الروابط من مجموعات من الشباب العاشق لناديه الذي لم يجد في بلده قيمة سوى الانتماء للنادي الذي يعشقه، فلم يقتصر تشجيعهم على مباريات كرة القدم فقط، بل امتد تشجيعهم إلى جميع الألعاب التي يشارك فيها فريقهم، ومن أشهر روابط الأولتراس في مصر: أولتراس أهلاوي الخاصة بجماهير النادي الأهلي وأولتراس وايت نايتس الخاصة بجماهير نادي الزمالك.
في بداية نشأة هذه الروابط – وحتى الآن – هاجمهم الكثيرون ووصفوهم بأبشع الاتهامات، مع تساؤلات عن مصدر أموالهم التي يستخدومنها للقيام بـ “الدخلات” الخاصة بهم خلال المباريات، ولطالما أجابهم هؤلاء الشباب أن تمويلهم ذاتي، فهم يجمعون الأموال من بعضهم البعض، بالإضافة إلى قيامهم بعمل منتجات خاصة بهم وبيعها واستخدام أموالها في تمويل دخلاتهم الخاصة في مباريات فريقهم.
أولتراس أهلاوي
أولتراس وايت نايتس
واجه جمهور الكرة في مصر قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011 الكثير من القمع وكذلك التعامل الأمني العنيف الذي وصل في بعض الأيام لاقتحام منازل أعضاء المجموعات من قِبل أفراد الشرطة المصرية والقبض عليهم وعلى ذويهم بهدف التضييق عليهم ومحاربتهم، بالإضافة إلى التفتيش المهين الذي كان يلاقيه أعضاء المجموعات عند حضور المباريات ومنعهم من الدخول بأدوات التشجيع الخاصة بهم، بخلاف المعارك التي كانت تدور بين الطرفين في محاولة كل طرف لإثبات وجوده داخل المدرج، فلكم أن تتخيلوا أن مؤسسة كاملة مهمتها حماية المواطنين تفرغت لقمع مجموعات من الشباب كل ما يتمنوه تشجيع فريقهم من داخل المدرجات ليس إلا!!
فيديو يوضح ما آلت إليه الأمور بين مجموعات الأولتراس وقوات الأمن قبل اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير
مشاركة الأولتراس في ثورة الخامس والعشرين من يناير
عند قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير والقاصي والداني يعلم أن من أسبابها الرئيسية التعامل الوحشي من قبل قوات الشرطة المصرية مع المواطنين المصريين وعدم احترام آدميتهم، فما كان من هؤلاء الشباب (مجموعات الأولتراس) الذي عانى على مدار أربع سنوات من التعنت الأمني ضدهم إلا المشاركة في الثورة ضد النظام الحاكم آنذاك وضد ممارسات الشرطة، فتحول هؤلاء الشباب من قوة ضاربة في الملاعب إلى ركيزة من ركائز الثورة المصرية، وأصبحت مجموعات الأولتراس لاعبًا رئيسيًا في المواجهات مع الأمن وقدموا كذلك شهداءً للثورة المصرية.
قامت الثورة وكان الأمل في نفوس جميع المصريين أن تتغير العقيدة الأمنية لجهاز الشرطة بمصر ولكن لا حياه لمن تنادي، حيث توقفت الشرطة عن أعمالها الإجرامية في حق الشعب لفترة وجيزة ولكنها عادت مرة أخرى وتعاملت مع الجميع بنفس العقيدة الفاسدة وبشراسة أكثر وأصرت على الانتقام من مجموعات الأولتراس بشكل خاص، فهذه المجموعات كانت من ضمن الطليعة الأولى التي تصدت لمحاولات أجهزة الأمن إجهاض الثورة في بدايتها، فأصبح الأمر كأنه ثأر خاص بين وزارة الداخلية ومجموعات الأولتراس.
مجزرة بورسعيد
خلال الفترة ما بين الثاني عشر من فبراير 2011 إلى الأول من فبراير عام 2012 كانت الشرطة المصرية تدبر الأحداث لاستفزاز هؤلاء الشباب الثائر بدلاً من محاولات احتوائهم، إلى أن أتى أسود يوم في تاريخ الكرة المصرية الذي أطلق عليه إعلاميًا الأربعاء الأسود، وحدثت مجزرة بورسعيد والتي كانت بمثابة شهادة وفاة للكرة المصرية، فقد راح ضحيتها 72 شابًا مصريًا.
فلم يتوقع أكثر المتشائمين أن يذهب مشجعو كرة إلى استاد لمؤازرة فريقهم وإنشاد أهازيجهم الممتعة، ويعودوا إلى ذويهم جثثًا مقتولة ومشوهة، فالجميع يعلم ما حدث في هذا اليوم والقضاء أثبت بالأدلة تورط أفراد وزارة الداخلية في هذه المجزرة وعدم قيامهم بمحاولة منع وقوعها بل والأكثر من ذلك أنهم سهلوا حدوثها وسمحوا للبلطجية من جمهور النادي المصري بالنزول إلى أرض الملعب والوصول إلى مدرجات جمهور الأهلي والصعود لهم وقتلهم.
وهذا دليل قاطع على أن الشرطة المصرية كانت تدبر لهذه المجزرة ردًا على مشاركة الأولتراس في الثورة ضدهم وهتافهم ضد آباهم الروحي حبيب العادلي وزير الداخلية الأسبق في نظام مبارك.
حدثت الكثير من الوقفات والاحتجاجات اعتراضًا على قتل 72 شابًا مصريًا ليس له اتهام سوى أنه شارك في ثورة يناير ويحب ناديه ويشجعه بالحضور في المدرجات، فلم تجد الشرطة مكانًا مناسبًا أكثر من هذا المكان للقيام بفعلتها.
بعد ذلك توقف نشاط الكرة في مصر لمدة عام لحين صدور الحكم في مجزرة بورسعيد، ولكن فوجئنا بعد ذلك أن وزارة الداخلية شرعت في رفض إقامة المباريات بحضور الجماهير متحججة بأنها “لن تستطيع” تأمين مباريات خوفًا من حدوث كارثة أخرى، مع الأخذ في الاعتبار أن تواجدهم في مدرجات الكرة هو السبب الرئيسي في كل الكوارث التي تحدث داخل المدرجات.
المؤسسة المسؤول أفرادها عن حماية المواطنين ويتقاضون رواتبهم من أجل ذلك، ويتشدقون يوميًا بعبارات التضحية بأرواحهم من أجل المواطنين، تقول إنها لن تستطيع تأمين الجمهور في المدرجات، إذًا فمن يستطيع فعل ذلك؟!
بالرغم من ذلك قدم جمهور الكرة في مصر حلولاً عديدة منها تأمين الجمهور نفسه بنفسه من الداخل وعدم تواجد أفراد للشرطة داخل المدرجات واكتفاء الشرطة بالتأمين من الخارج وذلك لمنع وقوع أي احتكاكات بين الجمهور الذي يحمل الكراهية ضد أفراد الشرطة لما يلاقوه منهم كل يوم وبين أفراد الشرطة الذين يتلذذون بإيذاء الشباب وتعكير صفو جمعهم الذي يعشقونه، ولكن هذه الحلول لم تلق قبولاً من أجهزة الأمن والحجة في ذلك أنهم لن يستطيعوا.
مذبحة استاد الدفاع الجوي
بعد معاناة واتفاقات وضغوطات على أجهزة الأمن وافقت أخيرًا على عودة الجماهير للمدرجات، فكانت بداية العودة يوم الثامن من فبراير عام 2015 وبالتحديد في بداية الدور الثاني من بطولة الدوري المصري الممتاز موسم 2014 / 2015 في مبارة الزمالك وإنبي.
ولكن أيضًا كعادتها لم تسمح وزارة الداخلية بمرور الأمر مرور الكرام وافتعلت كارثة جديدة أدت إلى إيقاف نشاط الكرة بمصر ومنع عودة الجماهير مرة أخرى لأجل غير مسمى، لقد قامت وزارة الداخلية بمعاملة الجمهور والمواطنين المصريين بشكل غير آدمي بوضع قفص مخصص لدخول جمهور الزمالك إلى المدرج واستغلت فرصة تدافع الجمهور العاشق لناديه والمتعطش لمشاهدته من داخل المدرجات وقامت بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع عليهم؛ مما أدى إلى اختناقهم بسبب التدافع والزحام ووفاة 20 محبًا لنادي الزمالك، ولكن هذه المرة لم يعاقب أحد على فعلته، بل بالعكس تم القبض على بعض أعضاء أولتراس وايت نايتس واتهامهم بتدبير المذبحة!!
وبعد فتره توقف ليست بالطويلة عادت الكرة مرة أخرى وكأن شيئًا لم يكن، دون محاسبة المتسبب في هذه الجريمة، عادت الكرة ولكن بدون الجماهير حتى الآن، إلا في المباريات الخاصة بالبطولة الإفريقية وذلك بناءً على شروط الاتحاد الإفريقي خوفًا من العقوبات التي يمكن أن توقع على مصر، ولكن حتى في المباريات الإفريقية لم يسلم جمهور الكرة من غدر وكمائن الشرطة المصرية، فتم القبض على العديد من جمهور الأهلي والزمالك في أثناء حضورهم مباريات فريقهم وبعد ذلك تم الإفراج عنهم بكفالات بلغت قيمتها 2 مليون جنيه!
استضافة مصر لكأس السوبر الإماراتي
الغريب في الأمر أنه يوم 13 سبتمبر استضافت مصر مبارة نهائي كأس السوبر الإماراتي، حيث قامت وزارة الداخلية بتأمين المبارة بحضور الجماهير باستاد الدفاع الجوي (الذي قتل أمام بواباته من قبل 20 شابًا مصريًا)، وخرج التنظيم بصورة رائعة وبدون أي مشاكل، فلماذا إذًا لا تؤمن وزارة الداخلية المصرية جمهور الكرة المصري أيضًا؟
على الجانب الآخر وبعد مبارة السوبر الإماراتي بعدة أيام أقيمت مباراة الزمالك المصري والوداد المغربي باستاد برج العرب بالإسكندرية ضمن مباريات ذهاب الدور قبل النهائي من بطولة دوري أبطال إفريقيا، بحضور الجماهير وفقًا للوائح الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، وكعادتها دائمًا ألقت قوات الداخلية القبض على أكثر من 500 من مشجعي نادي الزمالك المصري، في تباين واضح بين تعاملها في مبارة السوبر الإماراتي وهذه المبارة؛ الأمر الذي دفع بعض الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي للسخرية بإطلاق هاشتاج بعنوان #دخلني_مدرجاتي_اعتبرني_اماراتي.
رايح فين
– احضر الماتش ✌
معاك رز !
– لا تذكرة بس :/
خدة ع القسم ? ✋ #دخلني_مدرجاتي_اعتبرني_اماراتي pic.twitter.com/XUCNVwiwNJ— Mohamed Asker (@MohaMmedoo779) September 17, 2016
المدرج حق لينا مستحيل تتحكم فينا #دخلني_مدرجاتي_اعتبرني_اماراتي
— عُمَر (@goffaaaa) September 16, 2016
واستمرارًا لمسلسل قمع الجماهير، ومع بداية دوري المحترفين لكرة اليد وعلى الرغم من صدور قرار رسمي من الاتحاد المصري للعبة بحضور الجماهير للمباريات، إلا أن إدارة النادي الأهلي برئاسة محمود طاهر رفضت حضور الجماهير لمبارة الأهلي والجزيرة يوم 23 من سبتمبر الحالي واستدعت الأمن لمنع الجمهور من دخول النادي وبالفعل تم منعهم والقبض على عدد منهم وإحالة 19 منهم إلى محاكمة عاجلة تبدأ أولى جلساتها غدًا الثلاثاء، ولم يكتف مجلس الإدارة بذلك، بل تقدم بطلب رسمي لاتحاد اللعبة لمنع الجمهور من حضر المباريات وبالفعل وافق الاتحاد على الطلب.
السؤال الذي يثار حاليًا إلى متى ستظل المدرجات المصرية خاوية على عروشها، مغلقة أبوابها أمام عاشقيها من جماهير الكرة المصرية؟ وإلى متى ستظل الدولة المصرية تحارب الجمهور وتمنعه من ممارسة ما يحبه؟ نحن لا نطالب بعدم تطبيق القانون على الخارجين عنه، ولكن نتساءل أين هذا القانون الذي نطالب الجمهور بعدم الخروج عنه؟ وهل وزارة الداخلية هى التي ستطبق القانون؟ إننا نطالب بتطبيق القانون ولا شيء غير القانون، لا قتل ولا حبس ولا تنكيل بأحد.