ترجمة حفصة جودة
في يوم 12 أكتوبر عام 1492، قام الرحالة المعروف باسم كريستوفر كولومبوس باكتشاف ما يُسمى بالعالم الجديد.
وبعد خمسة قرون من ذلك، يشير الكاتب الشهير إدوارد غاليانو إلى هذا اليوم بوصفه “اكتشاف أمريكا الرأسمالية”، حيث قام كولومبوس بتمويل من ملوك إسبانيا والمصرفيين من جنوة، بنقل هذه البدعة إلى جزر البحر الكاريبي، وفي مذكراته يقول كولومبوس بحماس “سوف يقوم العالم المسيحي بجميع أعماله التجارية هنا”، وعلق غاليانو على ذلك قائلاً “إنه محق في هذا التنبؤ على الأقل”.
شهد هذا الاكتشاف أعمال عنف، وضحها غاليانو بدقة شديدة في تحفته الرائعة “الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية: 5 قرون من نهب القارة”.
عندما تفتح الكتاب على أي صفحة، فستجد مثل هذه الفقرة: “لم تتوقف المذابح التي بدأت مع وصول كولومبوس بحق الهنود، فقد تعرض هنود ياكي من الدولة المكسيكية للإبادة، حتى تم بيع أراضيهم الخصبة والغنية بالمعادن، دون أن يشعر الناس بأي كراهية للرأسماليين في الولايات المتحدة”.
وبالفعل، فإن الهواية الأوروبية في الإبادة الجسدية والاقتصادية للإقليم وشعبه، قد تم توريثها بمهارة عن طريق الولايات المتحدة، والتي تمكنت من تطوير أشكال الدمار الإمبريالي على هيئة حروب المخدرات واتفاقيات التجارة الحرة.
تأسيس الأساطير
هذا الكولومبوس لا يستحق أي شكل من أشكال الإعجاب، ويجب أن يكون ذلك واضحًا لأي شخص لا يعاني من أمراض اجتماعية ويستطيع التعامل مع الحقائق البسيطة، وما زال “يوم كولومبوس” عطلة فيدرالية في الولايات المتحدة، ويتم الاحتفال به يوم 10 أكتوبر.
تفكيك أسطورة كولومبوس كبطل، تتطلب مراجعة وطنية جادة والتي من شأنها أن تثير أسئلة مزعجة حتمًا
في إسبانيا، يتم الاحتفال بيوم 12 أكتوبر كل عام كيوم إسبانيا الوطني، بينما يتم الاحتفال به في إيطاليا كل عام كيوم كريستوفر كولومبوس الوطني.
لماذا يبدو التراجع عن الأساطير أمرًا شديد الصعوبة؟
بالنسبة للمبتدئين، تفكيك أسطورة مثل كولومبوس تحتاج إلى مراجعة وطنية جادة من شأنها أن تثير بعض الأسئلة الصعبة، مثل: لماذا يحظى رمز للذبح الجماعي بمثل هذه الشعبية الجارفة لأكثر من نصف ألفية؟
يجب أن يتم إعادة تقييم التقسيمات العالمية المعاصرة للثروة والسلطة في ضوء رواية مختلفة جذريًا وصادقة للغزو العقابي، بدلاً من تصدير تلك الصورة السائدة للاكتشاف المظفر والتقدم الحضاري.
إسقاط كولومبوس من عليائه يعني أن تتعرض الأعمال الرأسمالية للخطر، والتي لا تزال تعمل وفق المنطق الذي يقول “إن البشر أشياء قابلة للاستهلاك إذا وقفوا في طريق الربح”، والمثال على ذلك، هنود ياكي، وفي الوقت الحاضر، نشطاء البيئة في هندوراس وغيرها ممن يتم نبذهم والقضاء عليهم نتيجة دفاعهم عن الموارد الطبيعية.
والاعتداء على قدسية كولومبوس ستبدو باختصار كأنها هجوم على الفكرة التي تقول إنه من الصواب الذهاب إلى أراضي الآخرين والاستيلاء على ممتلكاتهم والتسبب في معاناتهم، وهذه الطريقة لا تنطبق فقط على أمريكا اللاتينة لكنها تنطبق أيضًا على سكان العراق وبعض الأمكان الأخرى.
خطوة إلى الأمام؟
هذا بالطبع لا يعني أننا لم نحرز أي تقدم في تفكيك أسطورة كولومبوس، ففي الولايات المتحدة، قامت بعض المجتمعات المحلية بتغيير اسم العطلة إلى “يوم الشعوب الأصلية”، وفي فنزويلا والأرجنتين، تم إزالة تمثال كولومبوس واستبداله برئيس السكان الأصليين في فنزويلا “غوايسابورو”، وتم استبداله في الأرجنتين ببطلة حرب العصابات في أمريكا الجنوبية “خوانا أزوردوي”، وفي جزر البهاما، تم إعلان “يوم الأبطال الوطني” عام 2013 كبديل ليوم الاكتشاف.
لكن بعد أكثر من 500 عام ليوم كولومبوس الكبير، يبدو في بعض الأحيان – في بعض أجزاء العالم – أن خطوة واحدة للأمام تعني 500 خطوة للخلف، فعلى سبيل المثال، فشل الاقتراح المقدم من المجالس المناهضة للرأسمالية بإزالة تمثال كولومبوس من موقعه بالمدينة، في الحصول على دعم وتأييد سياسي، وقد دفع ذلك سياسي يميني إلى الاعتقاد بأن اليساريين يرغبون في استبدال تمثال كولومبوس بتمثال كيم كونغ – أون من كوريا الشمالية.
هل حان الوقت لإلغاء الاكتشاف؟
في الوقت نفسه، حصلت بورتوريكو مؤخرًا على تمثال عملاق جديد لكولومبوس بعنوان “ولادة عالم جديد”، قام به النحات الملياردير زوراب تسيريتيلي، قام تسيريتلي أيضًا بنحت تمثال “ولادة رجل جديد” تكريمًا لكولومبوس عام 1995 في مدينة إشبيلية الإسبانية.
يقول غاليانو في كتابه: “بعد ثلاث سنوات من اكتشاف العالم الجديد، قام كولومبوس شخصيًا بقيادة حملة عسكرية ضد السكان الأصليين في هاييتي أو كما أسماها إسبانولا، حيث قام بمجموعة قليلة من الفرسان و200 من جنود المشاة وبعض الكلاب المدربة، بإبادة الهنود، ثم قام بشحن أكثر من 500 هندي إلى إسبانيا حيث تم بيعهم كعبيد في إشبيلية”.
وبعد أكثر من خمسة قرون من اكتشاف أمريكا الرأسمالية، ما زالت الأمور تسير بطريقة بائسة نوعًا ما، وربما حان الوقت لإلغاء الاكتشاف.
المصدر: الجزيرة الإنجليزية