اشتعلت معركة تحرير الموصل من قبضة “قردة داعش المتوحشة”، لكن جميع من أشعلها لا يعلم كيف ستنتهي، هل خلال أيام أم أسابيع أم أشهر؟ والسؤال الذي يدور بخلد العراقيين هو ماذا بعد؟ ولمن تعود المدينة؟ هل ستعود لأهلها أم سيجري عليها ما طال باقي مدن العراق من تغيير للهوية وطأفنة وربما تكريد باعتبارها خط تماس لإقليم الأكراد في نينوى بشمالها وشرقها؟
مقايضة برزاني
هذه التساؤلات ليست عبثية، حتى إن الإجابة عليها ربما تكون باتت معلومة للجميع الآن، على خلفية تصريحات رئيس إقليم كردستان مسعود برزاني، التي أكد فيها أن حدود الإقليم هي تلك النقطة التي ستصلها قوات البيشمركة المشاركة في الحملة على “داعش”.
فحوى تصريحات برزاني المباشرة تشي بأن الزعيم الكردي ذائع الصيت، ينوي أو عزم أمره فعلاً على المساومة بورقة الموصل في مقابل ضم المناطق المتنازع عليها إلى إقليم كردستان، والتي تضم خليطًا من الأكراد وهويات أخرى أبرزها كركوك النفطية في الشمال، التي يجري تجريفها حاليًا من سكانها العرب السنة وتكريدها، كما أسلفنا في موضوع سابق هنا بـ”نون بوست”، بالإضافة إلى محافظة ديالي نصف الكردية في المنطقة الشرقية.
صراع المصالح
قبل الخوض في تفاصيل المطامع الكردية بالمدينة علينا التركيز أولاً على القوى الممثلة بمعركة الموصل وتعدادها، والمتمثلة في التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وقوات الشرطة العراقية والجيش العراقي النظامي، وقوات إيرانية ومليشيات الحشد الشعبي الشيعية، وقوات الحشد الوطني (مقاتلون سنة)، وقوات البيشمركة، وقوات مكافحة الإرهاب العراقية، وقوة أمريكية عمادها مستشارين وخبراء، والتي تكشف عن مطامع كل منها في المنطقة ككل.
أحلام أوباما
أولى هذه القوى هي الولايات المتحدة التي تشارك بدعم استراتيجي وخبراء وعدد من جنود الخطوط الخلفية تقارب 5000 جندي، و300 مستشار، بحسب إحصاءات حيادية مختلفة، وهي المشاركة التي تحاول من خلالها الولايات المتحدة وضع قدم لها في المنطقة لمواجهة النفوذ الإيراني – الروسي المتزايد بها، بعد سقوط نظام صدام حسين في 2003، واشتعال الحرب السورية في العام 2011، وتهتم إدارة أوباما بهذه المعركة من جهة أخرى، خصوصًا قبل انتهاء الفترة الرئاسية للرئيس أوباما، لأن تحقيق انتصار عسكري ضد داعش يُسجل له شخصيًا، ويدعم مرشحة الحزب الديمقراطي ويزيد من فرص وصولها للبيت الأبيض، كما يتضمن رسالة مباشرة لروسيا بأن أوباما قادر على اتخاذ القرارات الاستراتيجية، حتى الأيام الأخيرة من رئاسته، وليس كما يشاع بأنه مجرد “بطة عرجاء”.
إيران والحرب الباردة
ثاني هذه القوى هي القوات الإيرانية، والمتمثلة أساسًا في فيلق القدس، وميليشيا الحد الشعبي الشيعية العراقية تحت قيادة إيرانية، والتي تعتبر نظريًا جزءًا من المؤسستين الأمنية والعسكرية العراقية، بموجب أوامر صادرة عن رئيس الوزراء العراقي، وتشارك ضمن تلك القوات العديد من الفصائل الشيعية من أهمها فيلق بدر، وعصائب أهل الحق والنجباء، وتقدر بحوالي 100 ألف مقاتل، يشرف فيلق القدس على تدريبها وتسليحها.
هذه القوات تهم إيران في المقام الأول، في إطار حربها البادرة مع السعودية طائفيًا، حيث ترغب طهران في أن تكون زمام المبادرة في يد الميليشيات، وتعمل على إقامة نظام حكم شبيه بالنظام اللبناني القابل للتلاعب، وتسعى لإضعاف السنة، عبر تنصيب حكومة موالية.
طموح الأكراد
ثالث هذه القوى هي قوات البيشمركة الكردية، والمؤلفة من ثلاثة ألوية بالإضافة إلى وحدة مدفعية وفرق هندسة، والمدمجة نظريًا مع الحشد الوطني السني، بألوية تقدر بأربعة آلاف مقاتل يضاف لها الحشد العشائري، تشرف قوات التحالف على عمليات الإعداد والتدريب وتقديم الاستشارات العسكرية والإسناد الجوي والمدفعي لها.
الأهم في تلك القوات المشاركة هي القوات الكردية التي يعني لعبها دور فاعل في معركة الموصل ارتفاع حظوظها لدى الغرب، وقد يكافئها بالانفصال، ما يعني كارثة على الجارة التركية، لأن حدوث هذه الحالة سيغري إخوانهم في سوريا للسير على خطاهم.
روسيا وأخطاء الأمريكان
هنا يأتي الدور الروسي، والذي يعني الكثير على الرغم من أن الروس لم يعلنوا بشكل صريح انخراطهم في المعركة، لكنهم يسعون إلى لعب دور حيوي، عبر الاتصال خفية مع بغداد، في محاولة للقيام بدور راعٍ خفي، ينتهز الأخطاء الأمريكية لبناء نفوذ قوي هناك، على غرار ما تفعله في سوريا، فكلما أظهرت إدارة أوباما الفشل في وضع حد للصراع السوري، ازداد نفوذ الروس هناك، ولهذا السبب، دفع الأمريكيون بثقلهم في المعركة ميدانيًا واستراتيجيًا.
الفدرلة حل مؤقت
حل تلك المسألة المتشابكة في رؤية المحللين يقتضي تحويل منطقة نينوى إلى إقليم فيدرالي، يتألف من 6 محافظات بحسب هوية سكانها، وبالتالي سيوزع المسيحيون بالإقليم على محافظتين لهم مع باقي الأقليات الأخرى، بينما ستكون الموصل وجنوبها محافظتين للعرب، مع منح محافظة سنجار للأزيديين، ومخمور للأكراد، وتلعفر للتركمان، وهي الخطة التي لا تضاد الدستور العراقي، الذي يسمح بتحول محافظة أو أكثر لإقليم ذي صلاحيات واسعة، بمعنى أقرب للفهم أن الخطة تقول للفرقاء إن عليهم بدلاً من الاقتتال الاتفاق على الفراق دون حرب، أو بمعنى دارج أن عليهم “التطليق بإحسان”! مع العلم أن الولايات المتحدة تدعم هذا التصور.
الخلاصة
نجاح قوات التحالف في استعادة الموصل، سيكشف مدى ضعف الحكومة العراقية، وعدم قدرتها على السيطرة على البلاد، ومدى صحة المقولة القاضية بأن العراق لن يكون دولة ناجحة على الأقل في المدى القريب، ويحتاج لإدارة إقليمية ودولية للصراع بداخله.
والسؤال هنا يعود للإلحاح من جديد: من سيكون الخاسر أخيرًا؟ الإجابة أقرها الكاتب العراقي أمير المفرجي، باستمرار سياسة إضعاف الدولة المركزية، من خلال إدامة المناخ المذهبي الفئوي الشاذ، الذي ولدت منه داعش أصلاً، وربما يولد تنظيم أشد تطرفًا منها، وهو ما قد يدفع بالعراقيين من جديد إلى حروب بين العرب السنة والعرب الشيعة، بين قوات البيشمركة، و”الحشد الشعبي” في كركوك، وبين بغداد وأربيل، كل سيحاول الخروج بقطعة من الكعكة، وهي الحرب التي سيدفع ثمنها في النهاية الملايين من النازحين، وأرواح الآلاف من العراقيين، على حساب وحدة العراق وسيادته في المنطقة.