تمرد أم مؤامرة.. ليبيا بين شبح أنصار القذافي ومخاطر التقسيم

54f78457611e9bd1468b45b4

شبح القذافي يطل برأسه على ليبيا من جديد، وهو تحدٍ بدأ في الظهور خلال الأسابيع الماضية، مع استعادة عدد من الكتل والقبائل لأفكار الرجل الراحل، مجسدة في مؤيديه وأنصاره من الليبيين المتكتلين بالمناطق الجنوبية، بعد إعلانهم تشكيل قوة مسلحة لاستعادة ما وصفوها بالمناطق المحتلة بالبلاد، ما دفع ببعض المحللين للقول بأن الموقف يضع الليبيين بين خيارين كلاهما مر، الأول هو عودة أنصار النظام السابق إلى السلطة، بينما الخيار الثاني يتثمل في كونها خطوة نحو مزيد من التقسيم.

مشكلات أمنية

تأتي تلك الخطوات في الوقت الذي يعيش فيه إقليم الجنوب الليبي الكثير من المشكلات الأمنية، حيث بات مسرحًا للصراعات القبلية والإيديولوجية، كما أنه يعد ممرًا للجماعات المتشددة، ويعرف نشاطًا متزايدًا للتهريب والهجرة غير الشرعية، بسبب نقص الوجود العسكري لضبط الأمن، كما لا يزال لأنصار نظام القذافي في هذه المناطق نفوذ وحضور واضح خاصة في مدينة سبها.

الجيش الجنوبي

ملامح الأزمة الجديدة بدأت في الظهور مع ولادة تحركات كبيرة بعدة مناطق ليبية لأنصار نظام معمر القذافي، مصحوبة بنشاطات علنية من خلال تنظيم الاجتماعات والخروج في المظاهرات، إضافة إلى ارتفاع بعض الأصوات المنادية بالإفراج عن رموز النظام السابق.

وما زاد من خطورة الأمر هو تشكيل عدد من الضباط والعسكريين من الموالين لنظام القذافي السابق، خلال اجتماع لهم مؤخرًا، قيادة للقوات المسلحة الليبية في الجنوب، يترأسها الفريق ركن علي سليمان كنه الذي يعد من أبرز قادة كتائب القذافي خلال ثورة 2011، وأكد في أول تصريح له عن استعداد التكتل العسكري الجديد لتنفيذ توجيهات “الشعب بعد نيل الشرعية”! للسيطرة على فزان والمنطقتين الغربية والوسطى، ومناطق غات وأوباري ووادي عتبه ومرزق وسبها والشاطئ وتراغن والعوينات.

تمرد أم مؤامرة؟

بقراءة متأنية للأحداث وتوقيتها ندرك أن الموقف أعقد كثيرًا مما يبدو في الظاهر، فهو ليس مجرد حالة تمرد استثنائية في منطقة محددة، أو حنين لعصر القذافي من قبل بعض المواطنين غير المهتمين بهوية من يحكم، مقابل تحقيق الأمن الشخصي، حتى إن كانت تلك المنطقة خصوصًا مدينة بني وليد، هي الأكثر ارتباطًا بالفعل بالقذافي، وآخر المعاقل التي سقطت في أثناء القتال في أيدي الثوار.

كما أن الأمر ليس مؤامرة مدبرة ومقصودة، كما صفها البعض كون التراشق الذي حدث بين الكتائب الجديدة وباقي العناصر المسلحة سواء في طرابلس أو في بني وليد، لم يكن مرتبًا، بل إن التكتل الجنوبي الجديد أعلن أنه جزء لا يتجزأ من الجيش الليبي بالكامل، وأعلن ضباط المنطقة الجنوبية أن ملتقاهم بمنطقة قيرة في وادي الشاطئ “ليس عملاً موجهًا ضد أي جهة”، وأن هدفهم فقط بسط الأمن والأمان والاستقرار في المنطقة الجنوبية، مشددين على عدم المساس بالوحدة السياسية والترابية وأمن الوطن وتلاحمه واستقراره.

إذًا بم يمكننا توصيف تلك الحالة؟

برؤى عدد من المحللين المؤيدين للخطوة، فإن القيادة العسكرية في المنطقة الجنوبية تعد قوى عسكرية ضاربة للغاية، الغرض منها هو تأمين الحدود مع فرض الأمن والأمان، والمحافظة على مقدرات الشعب الليبي، وملاحقة الإرهاب، وحماية المستثمرين الأجانب في البلاد، وهي قيادة وحدوية وليست انفصالية، ولديها برنامج وطني للعمل من داخل الوطن، وليس من خارجه، وهي وجهة نظر لها وجاهتها.

غير شرعي

تلك الرؤية تجافيها أخرى ترى أن هذا الكيان العسكري غير شرعي، ويضع البلاد في خطر التقسيم، ولن تقبل قوات حفتر بوجوده في الجنوب الليبي، لضمان سلامة ووحدة القوات المسلحة الليبية ككل، وهو ما يعني صداما وشيكا بين الجانبين.

وجهة نظر ثالثة ترى أن التحالف العسكري الذي شكله أنصار القذافي في الجنوب، لا يشكل أي خطر على وحدة الجيش لأنهم لا يملكون السلاح أو التمويل أو الحاضنة الشعبية، وقضيتهم فقط هي فرض الاستقرار.

سيناريو الأزمة

خلاصة وجهات النظر المختلفة تصب جميعها في سيناريوهين كما قلنا، أولهما وهو صعب المنال هو عودة مناصري القذافي للمشهد السياسي، وهو أمر في منتهى الصعوبة نظرًا للرفض الشعبي لفترة 40 عامًا من الديكتاتورية والحكم العشوائي، أما السيناريو الثاني فهو الأقرب للحدوث في حال استمرت الخلافات البينية بين الفرقاء، ولجأت كل قبيلة أو منطقة لتشكيل قوة عسكرية خاصة بها، على غرار القوة العسكرية بالمنطقة الجنوبية، وهو ما يعد اعترافًا ضمنيًا بسقوط مفهوم الدولة فى ليبيا، وعدم القدرة على فرض الأمن هناك.

السيناريو الأقرب هنا هو استمرار حالة الاقتتال بين القبائل والميليشيات المسلحة المتفرقة، ما سيؤدى إلى سقوط الآلاف من الليبيين في حرب أهلية، يتدخل بمقتضاها المجتمع الدولي لفرض حل الفيدرالية، وهي ربما تكون الخطوة الأخيرة التي تسبق خطوة التقسيم المناطقي والقبلي، ومن الممكن أن تستغل بعض الدول الأوضاع في ليبيا، وتتدخل بأشكال تخدم مصالحها، وقد تسرق موارد ليبيا من شعبها بحجه الحماية وهو ما يتم التخطيط له حاليًا.

فكرة الفيدرالية فقط كنظام إداري للدولة لن تكون الخطوة الأخيرة، بل هي مقدمة لنقل الدولة لحالة التقسيم وهي خطة لها من يدعمها دوليًا، وأول الداعمين لها هي فرنسا التي تتحرك في الجنوب، تحديدًا مع قبائل التبو، مستذكرة دويلة فزان التي كانت تابعة لها منذ هزيمة الإيطاليين خلال الحرب العالمية الثانية، وهي تزكي الفكرة بناءً على التنوع الإثني والثقافي واللغوي بين القبائل، وانتماءاتها وأصولها المختلفة، إلى جانب لاعبين كثر بالساحة الليبية كل يبحث عن نصيبه في الغنيمة.