سياسة الأرض المحروقة تحرق حلب ومن فيها

قلّما عاشت حلب أيامًا هادئة في الفترة الماضية، حيث شهدت اقتحامات وقصف واستخدام لجميع أنواع الأسلحة، ولكن هذه الأيام بالنسبة لحلب رغم أنها الأشد قسوة وضراوة فإنها لا تختلف عن جنس الأيام السابقة، فالفاعل ومرتكب الجريمة هو نفسه والقتلى هم المدنيون والأهداف هي المشافي والمدارس والمخابز والبنية التحتية والمدنيون أنفسهم في بيوتهم.
ما عاشته حلب في الأيام الثلاث الماضية لحظات قاتمة لم تشهدها منذ العام 2014، حيث قال مستشار للأمم المتحدة أمس الجمعة إن السكان المحاصرين في شرق حلب يواجهون “لحظة قاتمة جدًا” في ظل عدم وجود غذاء أو إمدادات طبية وكذلك دخول الشتاء بالإضافة إلى هجوم شرس بشكل متزايد تشنه القوات السورية وحلفاؤها.
حلب الشرقية بلا مشافٍ
حصيلة القصف الممنهج الذي تتعرض له حلب منذ 3 أيام بلغت 150 قتيلًا في أقل التقديرات وجرح المئات وتدمير 3 مشافٍ في أحياء حلب الشرقية يوجد في بعضها حضانات للأطفال حديثي الولادة.
أمس الجمعة فقط بلغ عدد القتلى 80 قتيلًا نتيجة القصف الجوي المتواصل على المدينة من قبل الطيران الروسي خلال ليلة الجمعة وصباح السبت على حي الحيدرية والصاخور وأحياء أخرى، وأكدت تقارير لناشطين من قلب المدينة أن الطيران الحربي أخرج جميع مشافي المدينة من الخدمة وقصف الكادر الطبي في مشفى الجراح في حي المعادي شرق حلب، إضافة لاستهداف مركز الدفاع المدني في حي النيرب مما أسفر عن دمار في بنائه وآلياته وخروجه عن الخدمة بالكامل.
كذلك أكدت مديرية الصحة في مدينة حلب التابعة للحكومة السورية المؤقتة خروج جميع المشافي في المنطقة الشرقية من حلب المحاصرة عن العمل بسبب القصف الجوي العنيف على المدينة، وجاء في البيان الذي صدر عن المديرية في وقت متأخر مساء أمس الجمعة، بعد قصف مشفى عمر بن عبد العزيز آخر المشافي العاملة في أحياء حلب الشرقية، “خلال الـ48 ساعة الماضية فإن جميع المشافي توقفت عن العمل بسبب هجمات النظام والقصف الروسي الممنهج”، وناشدت المديرية جميع حكومات العالم للعمل على وقف جرائم الحرب في حلب بشكل فوري وناشدت كذلك جميع المنظمات في مجال الصحة للوقوف بجانب زملائهم في حلب.
الأمم المتحدة اكتفت بالقول إن استهداف المشافي في حلب وإدلب قد يرقى إلى جريمة حرب يجب أن يحاسب عليها مرتكبوها، كما أكد ذلك نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، وذكر أن هناك 5 مستشفيات تعرضوا للقصف، 3 في غربي حلب و2 في إدلب خلال الفترة بين 13 و15 من نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي.
بعد فشل كل محاولات الاقتحام: الانتقام هو الحل
تم استخدام جميع أنواع الأسلحة الجوية والصاروخية والمدفعية بهدف إنهاك المدينة والضغط على الحاضنة الشعبية لمقاتلي المعارضة للخروج من المدينة وتسليمها بعد فشل كل محاولات النظام وروسيا في اقتحام المدينة من عدة محاور، وتحدث الأهالي لوكالة فرانس برس أن القصف هو الأعنف للمدينة منذ العام 2014.
فبعد إخفاق قوات النظام السوري في تحقيق أي تقدم في حلب قبل الانتخابات الأمريكية ومن ثم تمكن قوات المعارضة من استعادة جميع النقاط التي سبق لقوات النظام السيطرة عليها على محور حي الشيخ سعيد، كما أفادت به حركة أحرار الشام الإسلامية، لجأت قوات النظام للتصعيد باستهدافها للمدنيين والأحياء المدنية والمشافي ومراكز الدفاع المدني والبنية التحتية، كما وثقت المعارضة السورية استخدام النظام غاز الكلور في حي مساكن هنانو مما أدى إلى وقوع حالات اختناق في صفوف المدنيين.
ويُذكر أنها ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها النظام غاز الكلور في قصفه للمدنيين حيث سبق له في سبتمبر/ أيلول استخدامه في حي السكري مما خلّف عشرات حالات الاختناق بين المدنيين.
يتزامن استخدام النظام لأسلحة مزودة بغازات سامة مع قرار مجلس الأمن الدولي أمس الجمعة لتمديد عمل اللجنة المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية للتحقيق في استخدام هذه الأسلحة في سورية لمدة عام كامل.
وتحدثت وزارة الدفاع الروسية عن قاذفات استراتيجية يتم إطلاقها من قبل القوات الجوية الروسية وجهت يوم الخميس الماضي، ضربات بصواريخ مجنحة تستخدم لأول مرة ضد مواقع تنظيمي داعش وجبهة النصرة في سورية، مشيرة إلى أن القاذفات الاستراتيجية أقلعت من أحد المطارات في الأراضي الروسية وقطعت مسافة 11 ألف كيلومتر.
لا تزال الخارجية الروسية تبرر كل تلك الهجمات على حلب وإدلب بادعائها أن الهدف من الغارات التي ينفذها سلاح الجو الروسي في سورية هو منع تسلل مسلحي داعش من الموصل إلى محافظات سورية مثل إدلب وحمص، كما نفى لافروف على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا المحيط الهادي في البيرو قيام الطائرات الروسية بضربات جوية في شرق حلب خلال الأيام الماضية.
أما تليفزيون النظام السوري فيقول إن الطيران استهدف معاقل الإرهابيين والمستودعات في حلب، علمًا أن النظام في دمشق يصف كل مقاتلي المعارضة بأنهم إرهابيون.
تنم شدة القصف الروسي ومعها السوري من جميع المصادر البرية والبحرية والجوية على حلب ومناطق المعارضة الأخرى عن يأس من إخضاع الفصائل المعارضة والحاضنة الشعبية التي تسكن في تلك المناطق وتسليمها والخروج منها كما حصل في داريا وغيرها، فقررت روسيا اتباع أسلوب آخر تعول على نجاحه وهو الأرض المحروقة والانتقام من المدنيين الذين رفضوا كل العروض الروسية بالاستسلام.
والانتقام برز في الاستهداف الممنهج للمدنيين والبنية التحتية والمشافي ومراكز الدفاع المدني والمخابز، والاستبسال من قبل الميليشيات الإيرانية والعراقية واللبنانية العاملة مع النظام لتنفيذ خطة الأرض المحروقة لاستعادة مناطق المعارضة.