“التاريخ يعيد نفسه” قول يعطي للتاريخ صفة الفاعل والفعّال والفِعّيل وتُظهر هذه العبارة الإنسان بريئًا مسالمًا، ريشة رقيقة خفيفة في مهب الرياح العاتية، وفي الحقيقة إن الإنسان فعل كل شيء وارتكب كل الموبقات وأوصل الدنيا وتاريخها إلى أرذل العمر وأسوأ القيم.
وممَّا لا تُحسد عليه الولايات المتحدة أن لها الفاعلية العظمى في العالم خلال آخر خمس وسبعين سنة من تاريخ الإنسانية، هذا التاريخ الذي وصل إلى تحالف شرٍ عالمي لحماية الفساد والمفسدين بكل أنواعهم.
ويحطُّ مشهد التاريخ المتردي المؤلم كاملاً اليوم في الساحة السورية.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
والسياسة الأمريكية تدير بشكل أو بآخر أمورًا كثيرة من التي تجري في سوريا، وكل ما يقال عن القطبية الروسية المستقلة العائدة بقوة يصطدم بما يُكشف عن التفاهمات الروسية الأمريكية المستمرة ويصطدم بعدة أحداث ضخمة متلاحقة قريبة مضت الإرادة الأمريكية فيها بسهولة لمّا بُلِّغت روسيا أنها إرادة أمريكية حقيقية جادّة، في البوسنة وكوسوفو والعراق وليبيا وغيرها من البلدان.
والوصول إلى الاستنتاج القائل إن السياسة الخارجية الأمريكية التي تدير الأزمات تكرر نفسها كل حين” ليس بالأمر العسير، ويمكن الاعتماد على هذا الاستنتاج إلى حد كبير حتى في فهم ما يحصل وما سيحصل في سوريا.
وعندما نرى التفاهمات والاجتماعات المتواصلة وتبادل الأدوار بين روسيا وأمريكا في سورية فلا يمكن أن نتجنب كلمة التنسيق في وصف كل ذلك، وسواء كان في هذا التنسيق رضى متبادل أو هو تنسيق لاحتواء الصراع بين الطرفين وتحقيق المصالح ودفع المخاوف لكليهما فهو تنسيق وصل في سوريا إلى ما يمكن أن نسميه بالعمل الروسي الأمريكي المشترك، عمل مشترك كامل لم ينقطع في السنتين الأخيرتين من عهد أوباما، عمل مشترك لمتنافسين أو أعداء، لا فرق فالنتيجة واحدة من جهة المرارة والدمار الذي طال ويطال سورية ومستقبلها.
ولم يقصم هذا العمل المشترك ما كان يتردد في مجلس الأمن ووسائل الإعلام من نفاق إعلامي تراشقي يزداد ضراوة بين الطرفين حينًا ويخف تارة أخرى ولا يرتبط أبدًا بتوقف اللقاءات والتنسيق، وبصعود ترامب الذي أبدى علنية صارخة للعمل والتنسيق الكامل مع بوتين فلا بد من الاعتماد على ذلك والجزم به لقراءة ما يمكن أن يتكرر في التاريخ من خلال قراءة آخر عمل مشترك ضخم كان بين الأمريكان والروس.
ولن نستطيع أن نجد مثالاً أقوى وأوسع من ذلك الذي كان في الحرب العالمية الثانية حين كان الطرفان جزءًا من كتلة الحلفاء التي كانت تواجه ألمانيا النازية والتقى الطرفان فعلاً على الأراضي الألمانية.
اللقاء بين الجنود الروس والأمريكان في ألمانيا نهاية الحرب العالمية الثانية
في المثال الألماني كان الطرف الأبشع هو الطرف الروسي الذي تركت أمريكا له الجزء الشرقي من ألمانيا ليجتاحه بسياسة الأرض المحروقة، وتركوا له برلين ليدمرها عن بكرة أبيها، وفي المثال السوري يقوم الطرف الروسي كذلك بمهمة الإشراف على الاجتياحات البرية الدموية للمواقع المختلفة مع تهجير سكانها ويقوم قبلها بتمهيد الأرض وتسويتها بالتدمير الشامل، وتُركت حلب الشرقية للروس الآن ليجعلوا منها “برلين مهدمة” أخرى، وهي ثالث برلين يهدمونها بعد الأولى وغروزني.
ويظهر الطرف الأمريكي دائمًا بالطرف النظيف الأنيق المعترض بالتصريحات فقط على الوحشية والانتهاكات الروسية المتتالية المستمرة، وفي المصطلحات الأمريكية يسمى هذا المكر “بلعبة الشرطي الجيد والشرطي القذر” وهي قد تتم بالاتفاق الصريح أو الضمني.
وفي المثال الألماني في الحرب الكونية الثانية كانت هناك قوات برية ضخمة من الطرفين اجتاحت ألمانيا وتسابق الروس مع الحلف الغربي بقيادة الأمريكان على الأرض ليبتلع كل طرف أوسع مساحة ممكنة من مساحة ألمانيا، واعتمد الغربيون على سياسة الإنزالات الجوية ليبتلعوا أكثر وليسيطروا على ما هو أهم وأجدى.
وفي سوريا اختلف الوضع قليلاً أو تطوّر بفعل تطور السلاح ودور الطيران، وبفعل التجارب السابقة الفاشلة في التدخل البري الواسع لكلا الطرفين، للروس في أفغانستان وللأمريكان في العراق.
مقاتلات من الحزب الديمقراطي الكردستاني السوري المدعوم أمريكيًا
فعمد كلا الطرفين الروسي والأمريكي إلى استخدام الطيران والاستشارات العسكرية وميليشيات المرتزقة برًا، الأمريكان اعتمدوا على الأرض على ميليشيات البي بي دي الكردية مع بضعة مجموعات عربية متساقطة من هنا وهناك، وتحالف الروس مع النظام وأتباع إيران وأصبحوا الأكثر نفوذًا وقوة على الأرض، وما زالت مساحات شاسعة من سوريا تحت الأنظار والأطماع وكلا الطرفين سيسعيان بنفس السياسة ليسيطروا ويهيمنوا على المزيد والأهم من الأرض.
إنها سياسة الطيران التي تمهد للمرتزقة على الأرض الذين يُسلحون ويُدربون ويُنفِّذون بإشراف خبراء عسكريين، وأمريكا دخلت بهذه السياسة في سورية إلى الشريط الشمالي الشرقي العريض والشريط الشمالي في الوسط ومنطقة عفرين في الغرب التي ما زالت منقطعةً، وكانت الأحزاب الكردية الانفصالية ذراعًا أمريكية بريًا ناجحًا وطويلاً امتد إلى كثير من المناطق العربية الثورية المحررة.
ومساعي أمريكا لتجنيد ميليشيات من غير الأكراد لم تنقطع يومًا واحدًا وما زالت جهودها حثيثة معلنة وغير معلنة، ولأن السياسة الأمريكية تكرر نفسها فسنجد مزيدًا من الجهود باتجاه العشائر والقبائل العربية في الجزيرة والبادية “الشامية” لتجند منهم ما تستطيع كما فعلت وتفعل في العراق ليكون هناك في النهاية مزيج غير متجانس وغير قابل للتفاعل والاندماج ولا يمكن أن يتماسك إلا بوجود مستمر للأمريكان أنفسهم خبراء ومستشارين.
في النموذج الألماني للتعاون والتنسيق الروسي الأمريكي كانت النهاية اقتسام الأمريكان والروس لألمانيا ثم تقسيمها إلى غربية وشرقية لما يزيد عن أربع وأربعين عامًا وكانت هناك حكومتين متشاكستين شرقية موالية لموسكو وغربية موالية لواشنطن، وكل حكومة كان لها برلمان ووزراء وسفراء.
وفي سورية سيتكرر ما حصل في ألمانيا ولن يثمر التعاون والتنسيق الأمريكي الروسي إذا بلغ مداه وفي أحسن الأحوال إلا عن تقسيم أكيد لسورية، ومع التقسيم ستكون هناك انتدابات متعددة موزعة تكون فيها إيران حاضرة مع أمريكا وروسيا وربما حضور ووصايا لدول أخرى عديدة.
ويبدو أن الخبراء الأمريكان قد اختاروا اسم شطرهم ليكون “دولة سورية الديمقراطية” ليكون على انسجام ومشتق مما سمي “بقوات سوريا الديمقراطية” وقد ينشّطوا في هذا الشطر الاستثمارات والتجارة والعقارات ليكون لبضع سنين على الأقل شطرًا مغريًا ملفتًا أمام الشطر الآخر، الذي سيحتفظ بالاستبداد كاملاً وبالمحاصصة والامتصاص الاقتصادي مضاعفًا، ويحلو للأمريكان كثيرًا إظهار هذا المشهد المقارن عبر التاريخ الحديث.
وقد تصبح حلب منزوعة السلاح أو تصبح كبرلين حلب شرقية وحلب غربية، وقد يدخل التاريخ طريق الكاستيلّو كطريق أممي منزوع السلاح وأمور أخرى تفصيلية كثيرة ومعقدة والتعقيد الشديد مهنة الاتفاقات التي ترعاها الولايات المتحدة.
هذه هي “المعادلة الرئيسية للتقسيم” وهذا هو المآل المتوقع الذي يتكرر لأي إرادة روسية أمريكية مشتركة إذا مضت وهيمنت وانتصرت، لكن تبقى هناك إرادات أخرى، هناك إرادة تركيا التي استغلت فشل الانقلاب المدعوم أمريكيًا وتحررت من بعض القيود والكوابح الأمريكية وتفاهمت إلى حد ما مع روسيا ودخلت إلى الأرض السورية بتحالف قوي مع فصائل عديدة للجيش الحر، دخلت تركيا وغيرت في “المعادلة الرئيسية للتقسيم” وأوجدت مساحة متداخلة تتسع بصعوبة وبطء وقد تصل إلى 4000كم مربع وقد تكون نواة لدولة ثالثة يزدحم فيها اللاجئون الذين في تركيا وربما اللاجئون في دول أخرى إذا رفضوا العودة إلى “حضن الوطن” المتربص وستضم هذه الدولة الصغيرة بعض فصائل الجيش الحر ووبقايا الحكومة المؤقتة التي ربما تشارك في إدارة هذه الدولة بالتنسيق مع تركيا.
ثلاث إرادات تسعى لتشكيل ثلاث دويلات في سورية وتتسابق للتوسع، وتبقى إرادة الثوار على الأرض في أدلب وأجزاء كبيرة في حلب وغربها ومناطق في ريف حمص ومناطق لا زالت قوية في ريف دمشق وأكثر من نصف مساحة حوران والقنيطرة ومناطق في الساحل وريف حماة وخلايا ثورية منتشرة في كل مناطق النظام، إرادة الثوار التي عكَّرت وما تزال تعكِّر كل التنسيقات وكل السيناريوهات التي يحاول اللاعبون الانتهاء إليها وما زالت تلك الإرادة صامدة وقد تزداد صلابة وقوة إذا عرفت وطبقت إرادة الله الذي وضع سننًا وقوانين لانتصار الإرادات فالله هو من يُبدئ ويعيد وفعّال لما يريد.