لماذا لن يدوم تقارب ترامب وبوتين طويلًا؟

160721_pol_trump-putin

ماذا سيحدث إن تصادمت قوة لا يمكن كبح جماحها بقوة أخرى؟ في الواقع، هذا هو ما سنعاينه في الجلسة الأولى التي ستجمع الرئيس الأمريكي المنتخب، دونالد ترامب بنظيره الروسي، فلاديمير بوتين، والتي من المزمع أن تعقد في الأشهر القليلة القادمة.

وعلى الرغم من أسلوبهما المتقلب في الحكم، إلا أن الشيء الوحيد الذي اتفقت عليه الغالبية العظمى من الناس؛ هو أن كلا الرئيسين لا صلة لهما بالحقيقة، فلطالما استغلا الأخبار الوهمية والمزيفة، فضلًا عن أنهما يظنان بأن كل ما يقولانه صائب ولا غبار عليه. والأسوأ من كل ذلك، هو أنهما مصابان بجنون العظمة.

في المقابل، إن الفرق الوحيد بينهما يتمثل في أن ترامب يرى أن أعداءه الحقيقيين في الداخل، أما بوتين فيظن بأن أعداءه خارج موسكو. علاوة على ذلك، كلا الرئيسين يمجد نفسه، فترامب يظن أنه سيكون أعظم رئيس يحكم الولايات المتحدة منذ زمن طويل، في حين يؤكد بوتين على أنه سيعيد إحياء مجد روسيا العظمى.

ومن هذا المنطلق، من الصعب جدا أن نرى هذين الرئيسين يتفقان حول مسألة ما. تخيل افتراضا، أن روسيا والولايات المتحدة لهما بعض المصالح الوطنية المشتركة، وتخيل أيضا أنهما بغية خدمة تلك المصالح سيتوصلان إلى اتفاق، وسيلتزم كل واحد منهما بالمهام التي أوكلت إليه. وبالعودة إلى الصفات التي يتشاركها كل من ترامب وبوتين، فلا يمكن للرئيس الأمريكي العقلاني، أن يصدق، ولو لوهلة، بأن بوتين سيفي بوعوده، وسيتمسك بكلمته، والأمر سيان بالنسبة لبوتين.

يمثل بوتين تهديدًا للمصالح الحيوية للولايات المتحدة، ليس لأن من مصلحة روسيا أن تطيح بها، بل لأن الأيديولوجية التي أسس وفقها بوتين عقيدته، تقوم على سياسة عدائي

ومن ناحية موضوعية، حتى وإن توصل الطرفان إلى اتفاق يخدم أهداف الجانبين؛ فإنه بمجرد فشل الاتفاق، سيسعى كل طرف على حدة، للخروج بأقل أضرار ممكنة. وعلى الأغلب، أن الرئيس الأمريكي السابق، رونالد ريغان قد أدرك ذلك مسبقا، حيث قال في إحدى تصريحاته الشهيرة إن “على الولايات المتحدة أن تثق في روسيا، ولكن في الوقت نفسه، عليها أن تتثبت من مخططات موسكو فيما يتعلق بالأسلحة النووية”. وهذا الأمر من الهين جدا القيام به؛ فالأسلحة النووية يمكن عدها، وبالتالي يمكن التحقق من أن موسكو قد حدّت من صنع الأسلحة أم لا.

في المقابل، سيصعب على الرئيس الجديد أن يتثبت من انسحاب روسيا من “دونباس” المحتلة، خاصة مع إصرار بوتين على أنه لا وجود للقوات الروسية في تلك المنطقة. وبالمثل، سيصعب على روسيا التحقق من أن الولايات المتحدة قد قطعت جميع المساعدات عن أوكرانيا.

وبالتالي، فإن على الرئيسين أن يتيقنا من أن كل طرف ليس له نية الوفاء بوعوده. وفي صورة نجح الطرفين في اكتشاف حقيقة سلوك بعضهما البعض، العشوائي والغير مسؤول في السابق،  فإن انعدام الثقة المتبادل بينهما سيتعزز.

فمن جهة، لطالما تجاهل الرئيس الروسي الالتزامات الدولية الروسية، وكان يعلق عليها بعجرفة، وينتهكها في بعض الأحيان، ولعل من بين هذه الالتزامات، مذكرة بودابست للضمانات الأمنية لسنة 1994، التي من المفترض أن تلزم روسيا  بضمان سلامة أراضي وأمن أوكرانيا.

ومن جانب آخر، أظهر ترامب، في أول أيامه القليلة التي قضاها في منصبه، أنه ينوي إنهاء تورط الولايات المتحدة في اتفاقيات التجارة الحرة والتحالفات.

ومن الممكن أن تتعقد الأمور أكثر، خاصة وأنه لا يوجد أي سلطة سيادية تضمن حسن تطبيق الصفقات الدولية. وفي الأثناء، يرفض كلا الرئيسين أن يسمحا لأي دولة أخرى، أو المؤسسات الدولية، أو تحالفات دولية، من التأكد من تطبيق الصفقات الدولية، نظرا لأن كليهما تنكرا لحق تلك الأطراف في التدخل بالشؤون الداخلية لبلدانهم. وبالتالي، فإن هذه الصفقات لن تدوم طويلا.

“روسيا بوتين” ستكون خصمًا لا يستهان به بالنسبة للولايات المتحدة، وخير دليل على ذلك هو الحربان اللتان شنتهما على جورجيا وأوكرانيا، فضلا عن أنها تهدد بالاستيلاء على روسيا البيضاء

وفي هذا السياق، وبما أن كلا الجانبين سيفترضان مسبقًا بأن الطرف المقابل سينتهك التزاماته حتى قبل أن يجف حبر الاتفاق، فسيستنتجان بكل عقلانية أنه سيكون ضربًا من التهور والجنون عدم انتهاك الصفقة كذلك. وفي حال وقع خرق الاتفاق، سيحمّل كل طرف الآخر مسؤولية فشل الصفقة. وبالتالي، علاقة الصداقة المبنية على الثقة والإخلاص ستتحول إلى اتهامات بسوء النية، وهو ما سيضع حدا للعلاقة الوطيدة التي تجمع الرئيسين، وستسوء الأوضاع بين الولايات المتحدة وروسيا، حتى أكثر مما كانت عليه قبل أن يحاول بوتين وترامب خداع بعضهما البعض.

عموما، يرى ثلة من المحللين الواقعيين، أمثال هنري كيسنجر، وجون ميرشايمر، وستيفن والت، أن سياسة الولايات المتحدة تجاه روسيا يجب أن تقام على أسس مصالحها الوطنية. ومن هذا المنطلق، يبدو أن تحليلهم يتناقض تماما مع آراء ترامب وبوتين حول العلاقات الدولية.

ورغم ذلك، فالمصالح الوطنية تبقى منوطة بعهدة صانعي القرار، على غرار بوتين وترامب المراوغينِ. وفي هذا الصدد، علينا أن نتفق على أن الثبات، والاستقرار، والقوة، والثروة بالنسبة للرئيسين، يمكن تعريفها بأنها مصالح وطنية ثابتة ودائمة.

ولكن السؤال الذي يطرح الآن؛ كيف نقرر ما تعنيه هذه المصطلحات، بشكل عام، وفي بعض الظروف الخاصة؟

ومن ناحية أخرى، ادعى كل من ترامب وبوتين أن مصالح الدولة تبقى ذات أولوية قصوى، وأن هدفهم الوحيد هو إعادة إحياء مجد بلادهم. وفي معظم الأوقات، عُرف النهج السياسي الذي يعتمده هذان الرئيسان، على أنه سياسة دولية قومية، ولكن العبارة الأصح لوصفه هي “الشوفينية بين القوى العظمى”، على حد تعبير “لينين”.

فهل يمكن خلط “الشوفينية بين القوى العظمى” بالواقعية؟ مع الإشارة إلى أن المصطلح الأول متجذر في الأيديولوجية الغربية، أما الثاني فيزعم أنه تقييم موضوعي للمصالح الوطنية.

وفي واقع مثالي، لن يكون بوتين من المنتسبين “للشوفينية بين القوى العظمى”، وليس مرتبطا بالإمبريالية، ولن يكون أيضا ترامب الطرف الذي سيخل بالعلاقات الدولية بين البلدين.

وفي ظل هذه العالم المثالي لن تكون الولايات المتحدة وروسيا على طرفي نقيض، حيث لن تتبع روسيا سياسة العدوان الإمبريالي في جورجيا وأوكرانيا، ولم تخلق الولايات المتحدة كوارث استراتيجية جديدة في منطقة الشرق الأوسط.

على الرغم من أسلوبهما المتقلب في الحكم، إلا أن الشيء الوحيد الذي اتفقت عليه الغالبية العظمى من الناس؛ هو أن كلا الرئيسين لا صلة لهما بالحقيقة، فلطالما استغلا الأخبار الوهمية والمزيفة، فضلًا عن أنهما يظنان بأن كل ما يقولانه صائب ولا غبار عليه. والأسوأ من كل ذلك، هو أنهما مصابان بجنون العظمة

في حقيقة الأمر، “روسيا بوتين” ستكون خصمًا لا يستهان به بالنسبة للولايات المتحدة، وخير دليل على ذلك هو الحربان اللتان شنتهما على جورجيا وأوكرانيا، فضلا عن أنها تهدد بالاستيلاء على روسيا البيضاء (بيلاروسيا)، وانتهاك حدود دول البلطيق، وتسليح كالينينغراد وشبه جزيرة القرم، بصواريخ متوسطة وبعيدة المدى. علاوة على ذلك، أعلنت روسيا رسميا أنها ستستخدم الأسلحة النووية للرد على أي خطر تقليدي يهددها، بالإضافة إلى أنها عازمة على دعم الأحزاب المعادية للغرب،  والمناهضة للولايات المتحدة، وأوروبا. ومن المؤكد أن مثل هذه الأنشطة بمقدورها زعزعة استقرار كل من أوروبا والولايات المتحدة.

والأسوأ من فرضية سحق الديمقراطية، وخلق سيل من اللاجئين من أوكرانيا وروسيا البيضاء، وامتداد الحرب إلى بولندا وفنلندا والمجر، وغيرها من الدول، أن روسيا  ستجد نفسها في القريب العاجل، على شفا الانهيار.

ومن ناحية أخرى، إن بوتين يمثل تهديدًا للمصالح الحيوية للولايات المتحدة، ليس لأن من مصلحة روسيا أن تطيح بها، بل لأن الأيديولوجية التي أسس وفقها بوتين عقيدته، تقوم على سياسة عدائية. وعلى ضوء هذه المعطيات، على الولايات المتحدة أن تعي الخطر الذي تشكله روسيا، وتتصدى لهذا العدوان.

خلافًا لذلك، يظن ترامب بأنه قد أسيء فهم نوايا بوتين، وأن موقفه العدائي الأخير كان على خلفية توسع حلف شمال الأطلسي. ومن هذا المنطلق في التفكير، فإن روسيا قامت بغزو أوكرانيا تحسبا لقيام هذه الأخيرة بالانضمام لحلف شمال الأطلسي. وإذا كان الأمر هكذا، فإن الولايات المتحدة بدفاعها عن حلف شمال الأطلسي، ستدفع ببوتين ليصب جلّ تركيزه على المحيط الهادئ.

بدلًا من ذلك، إذا تم تحليل الخطابات التي أدلى بها بوتين، ودراسة طبيعة نظامه، فسيتبين لنا حينها أن الدافع الأكبر الذي يكمن وراء العدوان الروسي، هو العقيدة الإمبريالية التي تخدم سلطة بوتين، التي تمتلك جذورا متأصلة في الثقافة السياسية الروسية.

إن الفرق الوحيد بينهما يتمثل في أن ترامب يرى أن أعداءه الحقيقيين في الداخل، أما بوتين فيظن بأن أعداءه خارج موسكو

 وإذا خضعت قدرة حلف شمال الاطلسي، بكل موضوعية، للتحليل، وثبت  أنها لا تشكل خطرا ملموسا على روسيا، فعندها سيتجلى للعيان أن تنديد بوتين بالتهديد الذي يشكله الناتو؛ هو إما خدعة أو علامة على جنون العظمة. فحلف الناتو، على حد تعبير دونالد ترامب “حلف عسكري عفا عليه الزمن”.

في نفس الوقت، تستفيد الولايات المتحدة مباشرة من قوة أوروبا الدفاعية، وخاصة من أنظمة أوكرانيا الدفاعية؛ لأن ذلك السبيل الوحيد لاحتواء طموحات بوتين.
وتجدر الإشارة إلى أن كلا من ترامب وبوتين  يسعيان لأن يكونا القائدان  الأبرز على الساحة الدولية وجعل روسيا والولايات المتحدة قوة عظمى لا منازع لها، وهذا ما لن يتمكنا من تحقيقه. وعاجلا أم آجلا، فإن العلاقات الروسية الأمريكية ستتدهور أكثر. وفي حال وصلت الأمور لهذه النقطة، فمن المحتمل أن يميل بوتين نحو الاعتدال، وتتحقق عندها “نبوءة أوباما”.