ترجمة حفصة جودة
في مساء الثلاثاء الماضي، قُتل ما يقرب من 500 فلسطيني في مستشفى الأهلي العربي في مدينة غزة، وبعد هذا الدمار بدأت لعبة اللوم، فقد قالت وزارة الصحة الفلسطينية إن المستشفى تعرض لقصف جوي إسرائيلي مستهدف.
أما حنانيا نفتالي، المساعد الرقمي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فقد غرد في البداية قائلًا إن القوات الجوية الإسرائيلية أصابت قاعدة لحركة حماس داخل مستشفى في غزة، وقد مات عدد من الإرهابيين جرّاء ذلك.
غيّر نفتالي روايته بعد ذلك، وادّعى أن الانفجار غامض، حيث إما أنه صاروخ وقع بالخطأ وإما حادثة مقصودة للحصول على الدعم الدولي.
عندما ردت “إسرائيل” بشكل رسمي أنكرت مسؤوليتها عن الهجوم، وحاولت إلقاء اللوم على صاروخ أطلقته حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية باتجاه خاطئ.
كانت عواقب هذا الدمار واسعة النطاق بالفعل، فقد أشعل المتظاهرون النيران في السفارة الإسرائيلية بالأردن، بينما خرج مئات الفلسطينيين في شوارع رام الله يطالبون بعزل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.
هذا التشكيك الذي قوبلت به الادّعاءات الإسرائيلية بالبراءة، يرجع إلى سنوات من المعلومات المضللة التي كان الجيش الإسرائيلي يعلنها في أعقاب كل هجوم أو حوادث قتل.
في المؤتمر الصحفي الذي عقده الجيش الإسرائيلي في أعقاب المجزرة، أشار أحد الصحفيين إلى سجلّ الجيش السيّئ فيما يتعلق بتقديم معلومات موثوق بها، واستشهد بالادّعاءات الخاطئة التي أطلقها الجيش الإسرائيلي حول مقتل الصحفية شيرين أبو عاقلة، عندما زعم أن الميليشيات الفلسطينية هي المسؤولة عن قتلها.

قال المتحدث الرسمي للجيش ردًّا على ذلك: “في الماضي كنا نهرع إلى النتيجة، لذا في هذا الحادث استغرقنا بعض الوقت، واحتجنا إلى أكثر من 5 ساعات للتحقق من كل شيء”، ومع ذلك الرد الإسرائيلي الأولي على المجزرة يتبع نفس نمط الحوادث السابقة.
ماذا حدث؟
يعدّ الهجوم على المستشفى من أفظع الهجمات التي وقعت في غزة منذ بدء القصف الإسرائيلي للقطاع المحاصر، بعد هجوم حماس على “إسرائيل” يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول، وتشير الصور ومقاطع الفيديو إلى اشتعال النيران في صالة المستشفى، وتناثر قطع الزجاج والأشلاء على أرضية المستشفى.
وصف أحد الأطباء ما رآه بأنه مشاهد سُريالية مروعة، وقال إن هذا الهجوم أضعف النظام الصحي في غزة أكثر من ذي قبل.
في وقت الحادث، كان المستشفى -الذي يديره الإنجليكانيون- يقدّم العلاج والمأوى لمئات الجرحى والنازحين، بعد 11 يومًا من القصف الإسرائيلي على القطاع المحاصر.
أظهرت صور الحادث المسعفين والسكان وهم يهرعون لمساعدة الجرحى، وحولهم على العشب أغطية وحقائب المدارس ومتعلقات النازحين، حيث قُتل الكثير من الأطفال جرّاء هذا الهجوم أيضًا.
ما الذي قالته “إسرائيل” عن الحادث؟
قالت وزارة الصحة الفلسطينية في قناتها على تطبيق تيليغرام إن المستشفى تلقت تهديدات من “إسرائيل” بإخلائها وإلا ستتعرض للقصف، وقد تعرضت بالفعل إلى قصف جوي يوم السبت كتحذير للعاملين والمرضى لمغادرتها.
قالت حماس يوم الأربعاء أيضًا إنها تعتقد أن السبب قصف جوي إسرائيلي، ومع ذلك رفضت “إسرائيل” تحمُّل مسؤوليتها عن تدمير المستشفى.
بدلًا من ذلك، قالت إن حركة الجهاد الإسلامي أطلقت صاروخًا خاطئًا وقع على المستشفى، وهو ما أنكرته الحركة بشدة، حيث قالت في بيان لها إنها “لا تستخدم أبدًا دور العبادة أو المنشآت العامة خاصة المستشفيات كمراكز عسكرية أو مخازن للأسلحة”.
قال شحادة: “إنهم ينشرون شائعات وليس أدلة”، وذكر قائمة من الأسباب الأخرى التي تجعله يعتقد أن المقطع الصوتي جزء من حملة لنشر معلومات مضللة.
غرد حساب “إسرائيل” على منصة إكس مساء الثلاثاء، قائلًا إن محللي أنظمة العمليات في الجيش الإسرائيلي قالوا إن صواريخ الأعداء كانت متوجهة إلى “إسرائيل”، ومرت فوق المستشفى حيث هناك تمكنت “إسرائيل” من إسقاطها.
ومع ذلك تضمّنت التغريدة الأصلية مقطع فيديو لصواريخ أُطلقت من محيط غزة، لكن الحساب حذف مقطع الفيديو لاحقًا، حيث أشار المحللون إلى أن أول إشارة علنية عن التفجير كان في تمام الساعة 7:20 مساءً بالتوقيت المحلي، بينما كان توقيت الفيديو الذي نشره حساب “إسرائيل” كدليل ما بين 7:59 و8:00 مساءً بالتوقيت المحلي.
نشر الحساب نفسه مقطعًا صوتيًّا يوم الأربعاء يزعم فيه الجيش الإسرائيلي أنه لمحادثة بين أفراد من حماس، يناقشون فيه تدمير المستشفى وينسبونه إلى حركة الجهاد الإسلامي، لكن الناشط الحقوقي محمد شحادة والمقيم في غزة ويكتب عن حماس منذ أكثر من عقد، قال إن “إسرائيل” أخطأت في الترجمة من “هم يقولون” إلى “نحن نقول”.
قال شحادة: “إنهم ينشرون شائعات وليس أدلة”، وذكر قائمة من الأسباب الأخرى التي تجعله يعتقد أن المقطع الصوتي جزء من حملة لنشر معلومات مضللة.
قال ألكس تومسون مراسل “القناة الرابعة” الإخبارية، إن العديد من الخبراء قالوا إن هذا المقطع الصوتي لأفراد حماس مزيف، وأضافوا أن نغمة الصوت واللهجة والتعبيرات المستخدمة غريبة، حيث يمكنك سماع أحدهم يقول: “لقد أطلقوه من المقبرة خلف المستشفى”.
قال المهندس المعماري والباحث في مؤشر تحقيقات المنظمات غير الحكومية فرانسسكو سبريغوندي، إن “إسرائيل” تميل إلى تقديم المواد سريعًا للمحللين لإثبات ادعاءاتها.
وأضاف: “بتقديم عدد من الأدلة غير المثبتة سريعًا على شكل لقطات جوية للموقع باستخدام طائرات مسيّرة، فإن “إسرائيل” تعتمد على رغبة بعض جهات الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT) لاستخدام الصور والمواد والبيانات لنشر محتوى جديد أو تحليل سريعًا، وبالتالي دعم النسخة الإسرائيلية للأحداث بشكل مباشر أو غير مباشر”.
سجلّ غير مثالي
لطّخت العديد من الحوادث السابقة سمعة الجيش الإسرائيلي فيما يتعلق بالمعلومات المضللة، وربما المثال الأكثر شهرة في السنوات الأخيرة كان حادثة قتل الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة.
أطلقت القوات الإسرائيلية النيران على شيرين أبو عاقلة -والتي تحمل الجنسية الأمريكية أيضًا- يوم 11 مايو/ أيار 2022، أثناء تغطيتها عملية الجيش الإسرائيلي في جنين بالضفة الغربية المحتلة، وقد أصيب زميلها علي الصمودي في ذلك اليوم أيضًا.
في البداية اتهمت “إسرائيل” المسلحين الفلسطينيين بإطلاق النار عليها، ثم اعترفت لاحقًا بأنه من المحتمل بشكل كبير أن يكون الجيش الإسرائيلي قد أطلق النار عليها بشكل خاطئ، أثناء إطلاقه النار على مسلحين فلسطينيين مشتبه بهم.
قال مكتب المدعي العام للجيش الإسرائيلي إنه لن يحقق مع أي من الجنود المتورطين في الحادث، لأنه لا يشكّك في وقوع حادثة جنائية.
هناك مثال آخر أيضًا، وهو مقتل الصبي الفلسطيني محمد الدرة عام 2000، والذي كان من أهم أحداث الانتفاضة الثانية (2000-2005)، أثارت ثورته وهو يختبئ خلف أبيه وسط إطلاق النار ثم سقوطه ميتًا غضبًا دوليًّا، وما زالت صورته رمزًا للقمع الإسرائيلي للفلسطينيين.
ورغم أن “إسرائيل” تحملت المسؤولية في البداية وادّعت أنه اُستخدم كدرع بشري، إلا أنها تراجعت عن ذلك عام 2005، وتم تبادل الاتهامات ومن بينها زعمها أن قناة “فرانس 2” التي نشرت الصورة لأول مرة هي من لفّقت الحادث، لكن الشركة رفعت عدة دعاوى تشهير وفازت بها.
قال طلال أبو رحمة المصور الذي التقط الصورة: “كان هناك الكثير من الأحاديث بشأن الفيديو وادعاءات بأنه مزيف، لكن من قالوا ذلك لا يعلمون حتى المنطقة التي وقع فيها الحادث، وكان هناك الكثير من الدعاوى والتحقيقات معي بشأن صحة الصورة، كان جوابي الوحيد: الكاميرا لا تكذب”.
في النهاية، ستنتشر الكثير من الروايات المتضاربة بشأن ما حدث في المستشفى الأهلي العربي أيضًا، ففي هذه اللحظة يبدو التحقيق الميداني أمرًا مستحيلًا، وستظل الصور ومقاطع الفيديو المنتشرة هي المصدر الرئيسي للمعلومات.
يقول سبريغوندي: “لنتوقف عن السذاجة بشأن التحيزات السياسية والتحليلية لعدد كبير من الفاعلين في مجتمعات OSINT الحالية، يأتي هذا المصطلح من عالمي الاستخبارات والجيوش، وهذه المجتمعات تضمّ عددًا كبيرًا من الشخصيات العسكرية والاستخباراتية السابقة، والذين يتخفون تحت شعار التقارير المستقلة، لكنهم في الحقيقة يميلون إلى دعم الأفعال الوحشية للجيش الإسرائيلي، والتي ما زالت وسائل الإعلام السائدة تعتبرها “حربًا على الإرهاب””.
المصدر: ميدل إيست آي