أعمال أدبية تفوح منها “رائحة المدن”!

1920x1080-morocco-ruins

“المدن رائحة: (عكا) رائحة اليود البحري والبهارات، (حيفا) رائحة الصنوبر والشراشف المجعلكة، (موسكو) رائحة الفودكا على الثلج، (القاهرة) رائحة المانجو والزنجبيل، (بيروت) رائحة الشمس والبحر والدخان والليمون، (باريس) رائحة الخبز الطازج والأجبان ومشتقات الفتنة، (دمشق) رائحة الياسمين والفواكة المجففة، (تونس) رائحة مسك الليل والملح، (الرباط) رائحة الحناء والبخور والعسل، وكل مدينة لا تُعرفُ من رائحتها لا يُعوَّل على ذكراها، وللمنافي رائحة مشتركة هي رائحة الحنين إلى ما عداها، رائحة تتذكر رائحة أخرى، رائحة متقطعة الأنفاس، عاطفيّة تقودك كخارطة سياحية كثيرة الاستعمال إلى رائحة المكان الأول، الرائحة ذاكرةٌ وغروب شمس، والغروب هنا توبيخ الجمال للغريب” – محمود درويش

بعض الأدباء، لديهم قدرة خاصة على نقل المدن وروائحها الخاصة، إلى القارئ حيثما يكون، مهما ابتعدت المسافات، وعزّت الرائحة، فهذا ما فعلته “رضوى عاشور” على سبيل المثال في ملحمتها الرائعة “ثلاثية غرناطة”.

غلاف رواية ثلاثية غرناطة للأديبة العظيمة رضوى عاشور

رضوى، نقلت لنا أحياء الأندلس العتيقة وطرقات حي البيّازين المرصوفة على الجانبين بأشجار اللوز والكستناء والسرو والنخيل، وروائح الفطائر المقلية في زيت الزيتون، والكسكسي المسكوب على أواني الخزف المزيّن بأشهى اللحوم، وأسمعتنا هسيس النساء في البيوت، وأحاديث الرجال في الحمامات، وصوت كركرة المياه الآتية من قمم الجبال والهابطة على الوديان، كما عجنت لنا في سطور روايتها رائحة محرقة الكتب في ساحة باب الرملة، ورائحة العقاقير والزيوت الطبية التي استخدمتها “سليمة” في تطبيب المرضى.

غلاف رواية “قمر سمرقند” للأديب المصري محمد المنسي قنديل

وهذا ما فعله “محمد المنسي قنديل” في روايته العظيمة “قمر على سمرقند”، فالمنسي قنديل الذي كان قد تأثر بزيارته لسمرقند، تلك البقعة الأسطورية التي حكمت العالم الإسلامي قرونًا طويلة، قرر أن ينقلها إلى القراء حول العالم، ليُشاركهم جمال فسيفساء المباني، وروعة درب الحرير، وبهاء حقول القطن المتوهجة، وزهوة الرقعة الخضراء الممتدة، والقباب القلقة، والقلاع الضخمة الممتدة على طول الطرقات، والتكايا المكتظة بالدراويش ومجاذيب العشق الإلهي، والحمائم التي لا يطيب لها الهديل ما دام الأمير مستيقظًا، والجدران التي ما زالت تحمل أثر مذابح “جانكيز خان”، وهواء المدينة الذي ما زال يحتفظ برائحة الدماء النفاذة، أخذنا الكاتب إلى بخاري وطقشند وسيحون وجيحون والأوزبك والكازاخ ولاجئي بحر آرال، أو بوصف أدق أتى بهم لنا ونحن جلوسٌ في أماكنا.

أغلفة ثلاثية الكاتب الكبير نجيب محفوظ

الأمر نفسه الذي فعله الأديب الكبير نجيب محفوظ في ثلاثيته الشهيرة، حيث نقلنا بالزمان إلى ما قبل ثورة 1919 وما بعدها، حيث القاهرة القديمة، وبالتحديد حي الحسين، حيث المساجد والأسبلة والكتاتيب والبيوت غير المرتفعة ودكاكين العطارة والبقالة أو الأقمشة، والعادات والتقاليد التي اندثرت مع الوقت، ونضال الطلبة ضد الاحتلال، والبضاعة التي أتلفها الهوى.

نقل لنا محفوظ بين القصرين وقصر الشوق والسكرية، وأخذنا ليلاً إلى العوامات، حيث العوالم والغناء وزجاجات الخمر، واجتماعات الأُنس والسُكر، وتركنا نهارًا في المصالح الحكومية والمحاضرات الجامعية، وأجلسنا أمام دكاكين حي الحسين، نبحث عن رزقنا.

ولأن “الرواية على خيالها الجامح، أصدق من روايات التاريخ” كما يقول الروائي الأردني صبحي فحماوي، فها نحن نستعرض في هذا التقرير، عملان أرخا اجتماعيًا لمدينيتن، تقع إحداهما في أقصى الغرب والأخرى في أقصى الشرق، ونقلتا شكل البيوت والأزقة والعادات، بل ونقلتا أيضًا روائحها المميزة ونثرتها بين السطور، فأصبحت الروائح حقيقة مادية، يمكن أن نلمسها بأيدينا.

“أصوات مراكش”.. رحلة التأملات والأصوات الغرائبية المبهمة

غلاف النسخة العربية من “أصوات مراكش”

“هذا الكتاب من أهم الإصدارات عن مراكش، إذ غاص في حياة المهمشين والمشردين وفضاءات الملاح وسوق العميان في إطار كتابة تمنح موضوعها سيولة تتيح لأجزائه أن تنتقل وتتقاطع وتتوالد وتتآل”. – الكاتب الإسباني خوان غويتيسولو

في عام 1954، زار الروائي والكاتب المسرحي والباحث الألماني الحاصل على جائزة نوبل في الآداب عام 1981 “إلياس كانيتي” مدينة مراكش المغربية برفقة فريق تصوير سينمائي، ثم عاد من هناك محملاً بحكايا كثيرة، دونها في كتابه الذي صدر عام 1968 بعنوان “أصوات مراكش”، والذي ينتمي إلى أدب الرحلة.

في هذا الكتاب، قصّ كانيتي على القارئ تفاصيل رحلته العجيبة، لتبدو هذه الرحلة وكأنها رحلة تأملات كثرت فيها الأصوات الغرائبية، وعبّر عنها الراوي الذي لم يتعلم العربية أو أي لهجة مغربية، بلغة مشدوهة ومبهورة بهذا الكم من الأسرار والحكايات الغريبة.

سوق الإبل في مراكش

يبدو لنا من لغة السرد أن علاقة كانيتي بمراكش ليست مجرد علاقة سائح عابر وإنما علاقة مشوبة بكم كبير من العاطفة الجياشة، ومحاولات التعرف على المجهول واكتشاف الناس، وعاداتهم اليومية، وتفاصيل حياتهم الدقيقة، الأمر الذي ينعكس على نصوصه، فلم تكن مجرد نصوص عادية، بل نصوص مبهرة.

فكانيتي ينقل إلى القارئ مراكش بأسواقها المتعددة، أسواق بيع الإبل والحميـر، أسواق البهارات، أسواق الملابس التقليدية، ينقل ساحاتها وأزقتها وحاراتها القديمة، كما يضع متسولي مراكش أو “قديسي التكرار” كما أطلق عليهم، في موضع الصدارة، بعيدًا عن الهوامش، في محاولة منه للاحتفاء بهم وعدم تهميشهم في كتابه، كما هم في الحيـاة.

“إن كلمات الرواة تأتي من البعيد البعيد، لوقت طويل تظل معلقة في الهواء أكثر من كلمات الناس العاديين، لا أفهم شيئًا ممّا يقولون، إلاّ أنني أظل واقفا قريبًا من أصواتهم ودائمًا مسحورًا ومفتونًا”

وعلى عكس الرحالة الألماني جيرهارد رولف، الذي لم ير في كرم المغاربة وإقدامهم إلى دفع قطع اللحم إلى ناحيته من طبق الطعام سوى”أيديهم المتسخة”، تماهى كانيتي في حياة المهمشين والمشردين وسوق العميان، وتجلى ذلك في كتابه الذي بدا وكأنه قصيدة غزل بالمدينة وأهلها، بعيدًا كل البعد عن النظرة الفوقية والنبرة الاستعلائية التي تطغي على ما كتبه الأوروبيون عن الشرق.

أحد أسواق مراكش

وعلى امتداد صفحات الكتاب يجد القارئ نفسه حيال ثلاث حركات متباينة ومتناغمة في آنٍ واحد، حيث تضم الحركة الأولى المقاطع الخمس الأولى من الكتاب، يبدأ بلقاء الكاتب مع الإبل في سوق باب الخميس، ويتكرر هذا اللقاء ثلاث مرات، حتى ينتهي بلقاء مفجع، عندما وصف كانيتي ألمه الشديد لمصير جمل يباع أمامه، ثم يساق إلى المسلخ في ثوانِ، وانتهاءً بـ”الدار الصامتة والأسطح الخاوية”، حيث تعرض كانيتي في هذا النص إلى تقاليد السكن الخاصة في مراكش، حيث نادرًا ما تفتح نوافذ البيوت على الشارع، بل وربما لا توجد مطلقًا، ويستعاض عنها بنوافذ تُفتح على باحة البيت التي تُفتح على السماء، حيث يعيش سُكان البيوت في صمت، بعيدًا عن الأعين الفضولية، يحتفظون بمفاتيح بيوتهم في جيوبهم. 

أما الحركة الثانية في الكتاب، فتشمل أطول أجزاءه، وتبدأ بـ”المرأة المطلة من النافذة” مرورًا بـ”زيارة إلى باب الملاح”، حيث يظهر أن هيمنة المرأة الجميلة ليست إلا جنونًا خالصًا.

في الحركة الثالثة، ابتداءً من “الحكواتية والكتبة”، وصولاً إلى “المحجب”، تتجلى رائحة مراكش، ويضع القارئ يده على روحها الهائمة، بين الجبروت عند أسوراها والموت الهامس في دواخلها والذي يُردد “الله” بصوت متقطع، وكأنها ”آآآآ” بالنسبة إليه.

“رحلة الشتات والصين”.. الحنين للجذور في التعرف إلى الآخر

غلاف الكتاب

“وطني..

الذي لا يعرف أبجدية الحروف الصينية، مثلي

وحدي من يراه الآن واقفًا

بعيدًا على امتداد الألم

أنيقًا متقلدًا

جراحه الشاهقة”

بهذا الإهداء المترع بالألم، بدأ الكاتب العراقي عدنان جبار الربيعي كتابه “رحلة الشتات والصين”، والذي صدر عام 2011، ضمن سلسلة “معرفة الآخر”، عن مؤسسة الدوسري للثقافة والإبداع، في صورة يوميات، جاءت في 244 صفحة من القطع المتوسط، بعدما ودّع العراق واتجه مع أسرته الصغيرة للدراسة في الصين.

تلك الدولة التي تتعدد قومياتها لتصل إلى 56 قومية، وتختلف عاداتها واحتفالاتها وأديانها، لينقل في هذا الكتاب ما يعيشه الشعب الصيني المسالم، من خلال 30 فصلاً، هي عدد فصول هذا الكتاب الذي يدون طقوس هذا الشعب، وحضارته وتراثه القومي وعشرات الأساطير والقصائد والقصص الشعبية والعادات والتقاليد الصينية، بعدما ساعد الانغلاق الذي عاشته الصين بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى أواخر السبعينيات من القرن الماضي في الحفاظ على ذلك التراث وعلى تلك التقاليد، التي تجلّت في ارتباط أكلات خاصة بالحزن وأخرى بالفرح، واحتفالهم برأس السنة الصينية دون الاحتفال برأس السنة الميلادية، بالإضافة إلى عدد كبير من الأعياد التي يعتز بها هذا الشعب.

 

نهر اليانغ تسي، أطول أنهار الصين وثالث أطول أنهار العالم

واعتمد الكاتب في كتابة يومياته التي كان عنوانها الأوليّ “على ضفاف نهر اليانغ تسي”، وذلك لأنها كُتبت في مدينة ووهان التي يمر خلالها نهر اليانغتسي، أطول أنهار الصين وثالث أنهار العالم، على مصادر عديدة أهمها معايشته الشخصية للأحداث وحوراته مع أصدقائه وأساتذته الصينيين، بالإضافة إلى استعانته بالبحث في الأخبار والتقارير والمعلومات العامة الموجودة في ثنايا المواقع الصينية المكتوبة باللغتين العربية والإنجليزية، في محاولة جدية لتكوين فكرة شاملة عن كل مكان زاره أو حدث أو لقطة عابرة أو مناسبة من المناسبات.

“ها هي الغربة تنهض كطائر العنقاء لتأخذ سندباد إلى المجهول من جديد

هذه المرة حملت العنقاء ثلاثة غرباء: رجل وامرأة وطفلة

أبعدني الطائر عن أرض زرعت فيها أمي لتستقر في جوفها بسلام

أمي التي لم تودعني حين حملت حقائبي من جديد، أغلب الظن أن روحها سافرت معي، ربما تكون قد جلست في المقعد المجاور لي في الطائرة إذ شاء القدر أن يكون فارغًا إلا من روحها الطاهرة

أبعدني طائر العنقاء عن أرض لا تحسن إلا امتصاص الدماء والدموع والأجساد

لم أبك هذه المرة إلا حين أشرقت شمس أخرى على جسدي في اليوم التالي بعد وصولنا دمشق، بكيت لوطني بكاءً مرًا وبكت زوجتي

لماذا نشرّد هكذا؟

لماذا ترفضنا الحياة بكل هذا البرود..؟

لماذا تحتقرنا الأرض، أو هذا ما بدا لنا منذ ولدنا، والهواء والمطارات والسفارات؟

لماذا تغرق بغداد بالظلام بينما تنام العواصم مكتظة بالضوء؟

لماذا يحيا الآخرون بينما لا يشغل تفكيرنا إلا كيف نتحاشى الموت المؤجل المتربص في كل لحظة؟”

في مقدمة الكتاب، كتب “الربيعي” عن الإحساس الذي تسرب له منذ الوهلة الأولى بأن لهذه البلد خصوصية تميزها عن غيرها من البلدان التي زارها، أو تعرف إليها عبر حكي الأصدقاء، وبأنه وقع في عشق “الصين” من النظرة الأولى، حين لمح من نافذة الطائرة الجبال الخضراء التي أحيت في مخيلته جبال اليمن.

وكيف ترسخ هذا الانبهار بعدما وطأت قدماه أرض الصين، البنايات الشاهقة بواجهاتها الزجاجية، والشوارع العريضة التي تعكس التطور السريع الذي قاد الصين لتكون رابع قوة اقتصادية في العالم، وكيف لمس عمق حضارة هذه البلد، عندما توجه إلى مدينة ووهان عاصمة إقليم خوبي – أحد أقاليم ومدن الصين التي يبلغ عددها 31 مقاطعة ومنطقة ذاتية الحكم ومدينة تابعة مباشرة للحكومة – بغرض الالتحاق بإحدى الجامعات لدراسة الماجستير في الهندسة، واعتقاده أن ميزة هذه البلد تكمن في أنه جمع جمال الطبيعة الساحرة والتطور العمراني والتقني، بالإضافة إلى عمق حضارته التي تمتد لأربعة آلاف سنة.

جانب من احتفالات رأس السنة الصينية

وخلال كتابه، استطاع الكاتب أن يخرج من سطوة الغربة ولغتها، إلى هذا الآخر ويتعرف إليه عن كثب، ليقدم للقارئ رحلة مثيرة يتعرف فيها على تفاصيل الحياة الصينية بكل زخمها وعلاقاتها المتشابكة والمثيرة مع العالم، مازجًا فيها شتاته الشخصي مع اندماجه في زخم التفاصيل، كما تجلى في الاقتبسات والنصوص الصينية التي ذكرها في كتابه، “يتضاعف شوقي إلى أهلي كلما حل العيد، أعرف من بعيد أن إخوتي يجتمعون في منحدر جبل عالٍ، ويقومون بغرز القرنوس في الأرض، كل أفراد أسرتي إلا أنا – وانغ وي”.

في هذا الكتاب يروي “الربيعي” قصة الصين الحديثة التي هي امتداد طبيعي للإمبراطورية الصينية القديمة، وكيف انتقلت مع “ماوتسي تونج” من مجرد عبيد إلى دولة عظمى، تحمل شعار “مواطنون لا رعايا”، وكيف استطاعت أن تتحول من دولة طبقية إقطاعية إلى دولة مواطنة.

ولم ينس الكاتب ألمه الشخصي طول حكيه عن الصين، وسرد لنا على طول اليوميات، حكايات تنزُّ وجعًا مغلفًا بالفرح من ذاكرة الفتى العراقيّ الذي لم تغادر خلاياه رائحة أنفاس أمّه، حتى يُمكن القول بأنه حكى قصاصات متداخلة وأفكارًا متقاطعة من تاريخ العراق والصين.

كما تجلّت مهارته في التضفير الفني، وقدرته على تطويع التناص التاريخي، واستدعاء الميثولوجيا العراقية وتضفيرها في جديلة واحدة مع الحكايات الشعبية الصينية، لينقل القارئ من مقعد المشاهد إلى مقعد المشارك الفعال في الحدث.