يعود برنامج الصدمة في موسمه الثاني في شهر رمضان المبارك، بعد تحقيقه نجاحًا إعلاميًا كبيرًا في موسمه الأول في رمضان الماضي، حيث يأتي مرة أخرى بعرض مواقف اجتماعية عفوية في دول عربية مختلفة منها مصر ولبنان والعراق، لتختلف الآراء حول مشاكل الشعب العربي وردود فعله نحوها.
كان أشد ما جذب المشاهدين من مختلف الجنسيات لمتابعة برنامج الصدمة هو تسليطه الضوء على مشاكل المجتمع العربي، بل وتسليطه الضوء على كيفية تعامل عامة الشعب معها، حيث يجد المتابع على الشاشة مواطنين يشبهونه يتعاملون مع تلك القضايا المجتمعية بدون تزوير إعلامي، أو نص تحضيري للمشهد، فلا يكون الممثلون معروفون ولا تكون المشاهد تحت سيطرة البرنامج بشكل كامل.
المشاهد عفوية بدرجة كبيرة، ولهذا يزيد مقدار تشوق المتابعين للبرنامج لمشاهدة ماذا سيحدث في كل مشهد على حدة، إلا أن الأهم من ذلك، كون عفوية اختيار المشاركين في المشاهد في كونهم مواطنين طبيعين لم يكن لديهم فكرة بأنه يتم تصويرهم لمراقبة ردة فعلهم، فقد ساعد ذلك من كسر الحاجز بين المشاهد والبرنامج ويكأن البرنامج أصبح جزءًا من حياة الناس العادية.
المشاهد عفوية بدرجة كبيرة، ولهذا يزيد مقدار تشوق المتابعين للبرنامج لمشاهدة ماذا سيحدث في كل مشهد على حدة
تمثيل أم حقيقة؟
برنامج الصدمة تمثيل
— Ahmed Albalushi (@Ahmed_James__) May 26, 2017
البرنامج يبرز قضايا مُجتمعية شائكة، تعتبر مواضيعه تمت للواقع بصلة كونها حدثت ومازلت تحدث في كثير من الدول العربية، بل تتقلد بعضًا منها المراتب الأولى عالميًا في انتشارها، مثل التحرش وإهانة المرأة على سبيل المثال، حيث لا تتطرق مواضيع حلقات البرنامج للمواضيع السياسية بقدر ما تتناول محاور مجتمعية قريبة جدًا من الشارع العربي.
كما سلّط البرنامج الضوء على العديد من قضايا المجتمع العربي الشائكة مثل التحرش والسرقة وعقوق الوالدين و قهر المظلومين والفقراء وسوء معاملة الأطفال والخدم، سلّط الضوء أيضًا على تصحيح الصور النمطية عن سلبية الشعب العربي ولا مبالاته تجاه تلك القضايا، وهو الجانب الذي أيده مؤيدو البرنامج، حيث قام البرنامج بفتح المجال أمام تلك الصور الإيجابية من الظهور إعلاميًا لتغيير الصور النمطية التي يبنيها العرب أولًا قبل غيرهم.
على الرغم من جانب التأييد الكبير، ملاقى البرنامج نذ بدأ عرضه منذ شهر رمضان الماضي انتقادات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، كوّنه غير حقيقي ولا يمت للواقع بصلة، وتم اتهامه بالعنصرية وتحيّزه لتكريم جنسيات بعينها وإظهارها بصورة إنسانية، واختيار البعض الآخر بكونها غير مبالية ومعدومة الرحمة، كما اتُهم بأنه برنامج تمثيلي، وليس عفوي كما من المفترض أن يكون.
الأثر النفسي لبرنامج الصدمة
صورة توضح لامبالاة المُتفرجين
الظاهرة السيكولوجية الأساسية في برنامج الصدمة هي “سلوك المُتفرج” أو “Bystander Effect” أو تُسمى بـ “لا مبالاة المُتفرج”، وهي ظاهرة نفسية اجتماعية تشير إلى امتناع الشخص عن تقديم المساعدة للضحية، وبالأخص إن كان هناك حاضرين للمشهد غيره، والتي قام بدراستها الخبراء النفسيين في الستينات من القرن الماضي، ليخرجوا بقاعدة وهي “كلما زاد عدد المتفرجين، قلت نسبة مساعدة الضحية”.
لا يمكن إغفال تلك الظاهرة في برنامج الصدمة، إذ يعتمد هو في الأساس على تجاهل العديد من المتفرجين مساعدة الضحية ليستمروا في متابعة طريقهم بشكل طبيعي، وهي الفكرة التي جاء منها اسم البرنامج من الأساس، من صدمة الجمهور بعدم تعاطف الكثير من المارة مع الضحايا بشكل صادم.
الظاهرة السيكولوجية الأساسية في برنامج الصدمة هي “سلوك المُتفرج” أو “Bystander Effect” أو تُسمى بـ “لا مبالاة المُتفرج”، وهي ظاهرة نفسية اجتماعية تشير إلى امتناع الشخص عن تقديم المساعدة
لا يمكن إنكار أن عدم التعاطف مع الضحايا هو شيء صادم، إلا أنه ليس بالشيء الغريب على الإطلاق، ولا يبرر وصفهم بقُساة القلوب بشكل عام، فكما خرج الخبراء النفسيون بتحليلات تخص ظاهرة “سلوك المُتفرج”، خرجوا أيضًا بتبريرات وتحليلات نفسية لها، وهذا ما يجعل البرنامج يمت للواقع بصلة، إذ أنه لا يفتعل تعاطف الجمهور، كما لا يفتعل عدم تعاطفه أيضًا.
من بين قساه القلوب يظهر هؤلاء ليعتصرون قلبك من رحمتهم
شاهد حلقات #الصدمة من هناhttps://t.co/c6drlHI7xX#رمضان_يجمعنا pic.twitter.com/GkZM3FYMsk— MBC1 (@mbc1) June 4, 2017
يتم تصوير أغلب حلقات البرنامج في المدن العربية الكبيرة، مثل القاهرة والرياض وبيروت، والتي تغلب سمة عدم التدخل في شئون الآخرين على الجو العام في تلك المدن، والتي توصف بـ “آفة المدن الكبرى”، وهي أن يقوم الفرد بالتركيز على نفسه وعلى ما يفعله وأن يتجاهل من حوله بقدر الإمكان حتى يتعرض لأقل قدر من الخسائر في يومه.
يتم تصوير أغلب حلقات البرنامج في المدن العربية الكبيرة، مثل القاهرة والرياض وبيروت، والتي تغلب سمة عدم التدخل في شئون الآخرين على الجو العام في تلك المدن
من الشائع جدًا أن يقوم المرء بتجاهل من حوله في المدن الكبرى، بل تشير كثير من الدراسات النفسية على ساكني المدن الكبرى أيضًا بأنهم يميلوا للإنطوائية بمجرد قضائهم بضعة شهور في أي من المدن الكبرى، لذا فتجاهل الآخرين يُعد سلوك طبيعي للدفاع عن النفس في المدن الكبرى.
رده فعل عراقي قويه في برنامج الصدمه الجزء الثاني 2017#ألصدمة #الصدمه #رمضان pic.twitter.com/XxH83ByD7r
— Farok Omar (@_FarokOmar2) May 27, 2017
المقارنة الاجتماعية والرغبة في المساعدة
لاقى البرنامج العديد من الانتقادات حول مسألة “المقارنة الاجتماعية”، وهي نظرية للعالم الأمريكي “فستنجر” والتي تنص على أننا في ميلٍ دائم وفطري لمقارنة أنفسنا مع الآخرين كوسيلة لوضع معيار يمكننا من خلاله إجراء تقييمات دقيقة لذواتنا، وهي النظرية التي تبنتها وجهة الرأي المعارض للبرنامج، حيث أشير إلى أن البرنامج يستغلها من أجل زيادة عدد المشاهدات.
يميل المشاهد إلى رؤية غيره في البرنامج يتجاهل الضحية التي تحتاج للمساعدة، وبهذا يشعر بأنه أفضل حالًا مِن مَن تجاهل المساعدة، ليبدأ في تصور حاله بأنه لو كان في ذلك الموقف لساعد الضحية بكل ما استطاع، إلا أنه في هذه الحالة، يقع المشاهد في فخ الشهرة، ذلك لأن الكل يرغب في الظهور بمظهر الشهم المحب للخير أمام الكاميرات، متغافلًا بذلك السبب الحقيقي والدافع لفعل الخير.
يميل المشاهد إلى رؤية غيره في البرنامج يتجاهل الضحية التي تحتاج للمساعدة، وبهذا يشعر بأنه أفضل حالًا مِن مَن تجاهل المساعدة طبقًا لنظرية المقارنة الاجتماعية
بدأ الأمر بشكل ساخر على مواقع التواصل الاجتماعي عن طريق سخرية بعض المتابعين من أنهم تعرضوا للمشاكل جراء مساعدتهم لبعض الأشخاص في الأماكن العامة، ظنًا منهم أنهم في مشهد خفي لبرنامج الصدمة.
اقسم بالله همووت من الضحك ??? اللى عارف برنامج الصدمه اللى هيفهم pic.twitter.com/P1UB3qDugr
— Ouka (@OuuuuuKa) May 31, 2017
يرتبك أغلب المتفرجين في حالة وقوع حالة طارئة أمامهم لضحية تحتاج المساعدة، حيث لا يُحدد الأغلبية السبب الرئيسي الذي يثيرهم من أجل تقديم المساعدة، فهل هو لأن الشخص نفسه شهم، أو شجاع، أو لأنه غير مبالي أو غير مهتم، وما هي العوائد المعنوية التي سيُجنيها الشخص من المساعدة.
يرتبك أغلب المتفرجين في حالة وقوع حالة طارئة أمامهم لضحية تحتاج المساعدة، حيث لا يُحدد الأغلبية السبب الرئيسي الذي يثيرهم من أجل تقديم المساعدة
لا يستطيع الكثيرون إجابة الأسئلة السابقة، ولا يستطيعون الموازنة بين حجم العائد المعنوي وحجم تقديم المساعدة إن كانت مادية في تقديم المال للضحية أو معنوية بتقديم الوقت والجهد لمساعدة محتاج على قضاء حاجته، ومن هنا يتخذ المتفرج قراره بأنه لا يمتلك شيئًا ليعرض مساعدته وبالتالي يظهر بالشكل السلبي.
إن لم أساعد، فسيُساعد غيري
صورة لإحدى السيدات تتجاهل طلب فتاة في معطف لحمايتها من البرد من إحدى حلقات برنامج الصدمة 2
يُحدد عامل مسئولية المُتفرج لتقديم المساعدة ما إن يتحمل المتفرج مسئوليته عن الضحية أم لا
يأتي هنا عامل مهم في تحديد ما إن سيُقدم الفرد على المساعدة أم لا، وهو عامل مسئولية المُتفرج لتقديم المساعدة، هذا لا يحتاج لكي يكون الموقف طارئًا، بل من الممكن أن يحدث في موقف عادي داخل الحافلة عندما يقرر المتفرج إما أن يعطي مقعده لراكب مُسن أم لا، حينها يبدأ المُتفرج في الانتظار لبضعة دقائق، من مبدأ أن يُحيل مسئوليته في أن يمنحه المقعد لشخص آخر، فإن لم يساعده هو، سيُساعده شخص آخر.
لا يمكن التنبؤ بسلوكيات البشر، فقد تبدو بعض الأفعال شديدة المنطقية للآخرين، كمدّ العون لمن يحتاج مساعدة، فهو فعل يبدو مُبرر للغاية للعديد من الأشخاص، إلا أنه مازال يراه البعض مُحيرًا بالنسبة إليهم، فيخشون من القدوم عليه، خشية منهم أن يظهروا بمظهر المنافقين، أو المتسامح مع المستضعفين بشكل يجلب عليه السخرية المجتمعية بدلًا من المديح.
ربما لا يكون سلوك المتفرجين مبررًا في كل الأوقات، بل يُلاموا عليه في أكثر المواقف الطارئة، إلا أنه ليس عُذرًا كافية للومهم على قساوة القلب، ولا يكون سبيلًا لرسم صور نمطية عن سلبية بعض الشعوب وتفضيل بعضها على الأخرى، ولهذا لا يكون الانتقاد السائد بأن البرنامج تمثيلي ومحبوك شديد الدقة، إذ أنه بالفعل يمت بصلة لما يحدث على أرض الواقع من مشاكل مجتمعية وردود أفعال متباينة.