دون رئيس ولا قائد للجيش.. لبنان يدخل مرحلة الفراغ السياسي والعسكري

ملامح حرب وانهيار وشغور رئاسي، هذا هو الحال في لبنان الذي تتصاعد أزماته خاصة مع الانقسام الحاصل داخليًّا، وما يزيد الطين بلة اليوم توجُّه منصب قيادة الجيش ليكون موقعًا شاغرًا، شأنه شأن منصب رئاسة الجمهورية.

وبحسب قانون الدفاع الوطني الصادر عام 1983، يتم تعيين قائد الجيش من بين الضباط العامين المجازين بالأركان، بمرسوم مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير الدفاع الوطني، ويحمل قائد الجيش رتبة عماد ويسمّى “العماد قائد الجيش”، ويرتبط مباشرة بوزير الدفاع الوطني.

انتخاب قائد الجيش اليوم يواجه الكثير من العقبات، يحاول البعض التمديد للعماد جوزيف عون القائد الحالي، لكن هناك أحزاب مسيحية ترفض ذلك، أبرزها التيار الوطني الحر بقيادة جبران باسيل والرئيس السابق ميشال عون.

ومن أبرز الخلافات اليوم في ظل الحرب، المشاحنة الحاصلة بين وزير الدفاع اللبناني موريس سليم وقائد الجيش جوزيف عون، فهما على خلاف كبير، ولم تنفع الوساطات في الإصلاح بينهما، ويعود ذلك إلى انتمائهما السياسي المتناقض، ليبقى لبنان تحت رحمة الانقسام الداخلي الحاد، ضاربين بعرض الحائط التهديدات الخارجية والعدوان الإسرائيلي. 

لبنان بلا رئيس للجمهورية

منذ سنة تقريبًا ولبنان بلا رئيس للجمهورية، مع انتهاء ولاية ميشال عون وفشل البرلمان في انتخاب رئيس جديد للبنان، ولم تشفع الحرب مع “إسرائيل” ولا الأجواء المتوترة والتهجير والقتل الحاصل في الجنوب أن يجتمع البرلمان وينتخب رئيس جمهورية، فتعنُّت الأحزاب اللبنانية على ما يبدو أكبر بكثير، وأطماعهم لا تنازل عنها.

مقعد الرئاسة في لبنان هو المنصب المخصَّص لأحد أفراد الطائفة المسيحية المارونية بموجب نظام المحاصصة الطائفية، وهو لا يزال شاغرًا منذ أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي.

الجلسة الأخيرة لانتخاب رئيس للبنان كانت في يونيو/ حزيران الماضي وباءت بالفشل، وكانت قد سبقتها 11 جلسة، في الجلسة الأخيرة لم يحصل لا سليمان فرنجية المرشح المدعوم من “حزب الله”، ولا وزير المالية السابق جهاد أزعور المرشح المدعوم من أحزاب مسيحية أبرزها حزب الكتائب، على عدد كافٍ من الأصوات للفوز.

وانتهت الجلسة عقب انسحاب نواب من “حزب الله” وحلفائه ليعطّلوا بذلك نصاب الثلثَين المطلوب لإجراء جولة ثانية من التصويت، ويُذكر أن المرشح يحتاج إلى 65 صوتًا من النواب للفوز بالجلسة.

فشل التصويت عمّق التوترات الطائفية في البلد الغارق في أزماته، والذي يواجه أيضًا شللًا سياسيًّا غير مسبوق في ظل غياب رئيس الدولة ومجلس وزراء كامل الصلاحيات وانقسام البرلمان، ما فتح الباب أيضًا للفراغ بمناصب عسكرية وسياسية رفيعة أخرى.

ويدعم “حزب الله” حليفه المسيحي سليمان فرنجية، وهو الصديق المقرّب للرئيس السوري بشار الأسد، ويعصف الفراغ الرئاسي و”حروب الصلاحيات” بكل مؤسسات الدولة، انطلاقًا من مجلس الوزراء مرورًا بعدة مناصب في الدولة، كل حزب يبحث عن حصته فيها.

حتى اليوم لا بصيص أمل لحلّ عقدة الرئاسة وانتخاب رئيس للبنان، فالمجلس النيابي يبدو معطّلًا، ولم يحدث استدعاء لجلسات انتخابية منذ أشهر، ليبقى منصب الرئيس شاغرًا حتى يأتي الأمر من عواصم أجنبية، كطهران وواشنطن المنشغلتَين اليوم في حرب غزة. 

شغور في قيادة الجيش 

يغادر قائد الجيش العماد جوزيف عون منصبه في قيادة الجيش مع بلوغه سنّ التقاعد في 10 يناير/ كانون الثاني 2024، وسط شغور في المجلس العسكري، وهو يعدّ منصبًا مخصّصًا أيضًا للطائفة المسيحية المارونية على غرار رئيس الجمهورية.

ويتعذّر تعيين قائد جيش جديد بسبب الشغور الرئاسي، كما تنقسم الأطراف السياسية بين مؤيد للتمديد مشروطًا بجملة توافقات حول التعيينات العسكرية، وبين رافض له مع المطالبة بتعيين رئيس أركان بالإنابة.

تناقش الأحزاب السياسية 3 خيارات، وهي تعيين رئيس أركان، المنصب المحسوب على الحزب التقدمي الاشتراكي (الدرزي) بزعامة وليد جنبلاط، والشاغر أيضًا منذ ديسمبر/ كانون الأول 2022، أو تعيين قائد جديد للجيش، أو تأجيل إحالة قائد الجيش الحالي على التقاعد بطلب من وزير الدفاع.

وفي ظل ذلك تقدم حزب القوات اللبنانية (المسيحي)، أكبر حزب معارض، بمشروع قانون يمدد ولاية قائد الجيش اللبناني لعام إضافي، لكن هذا ما يرفضه جبران باسيل وكتلته، والذي يصرّ على تعيين قائد جيش جديد ورئيس للأركان ومديرَين للإدارة والمفتشية العامة، عبر توقيع مرسوم من الوزراء، ويجري الحديث عن لائحة لباسيل بأسماء ضباط يرشحها لهذا المنصب، بالطبع هي تابعة ومناصرة له.

رفضت معظم القوى السياسية والمسيحية طرح باسيل بتعيين قائد جديد للجيش، وعلى رأسها حزب القوات اللبنانية وحلفاؤه الذين يؤيدون التمديد لعون، ويعتبرون أن لموقف باسيل من قيادة الجيش أبعادًا سياسة، حيث يعتبر القائد الجيش الحالي منافسًا قويًّا له على رئاسة الجمهورية ولا تربطه به علاقة جيدة.

يترقب الجميع اليوم موقف “حزب الله” المتأرجح بين خيارَين، إما المضيّ بخيار التمديد بسبب الظروف الأمنية الحرجة، وإما تأمين غطاء لحليفه المسيحي جبران باسيل وعدم توفير نصاب الثلثَين للحكومة بغية إقرار التمديد.

يذكر أن هناك موافقة قوى وكتل أخرى على التمديد لعون، أبرزها قوى سنّية ومعارضة، لكن شرط التمديد لمدير عام الأمن الداخلي (منصب يشغله سنّي) اللواء عماد عثمان، الذي يحال إلى التقاعد في مايو/ أيار المقبل.

على ما يبدو أن لكل كتلة برلمانية خياراتها الخاصة لقائد الجيش، وهي التي تحدد مسارها في المجلس النيابي، لكن من الواضح وجود تخبُّط كبير ولا توافق يلوح في الأفق فيما يخص قائد الجيش اللبناني، فهل يكون منصبًا شاغرًا لسنوات كمنصب رئيس الجمهورية؟

انقسام سياسي حاد 

يستمر في لبنان الانقسام الحاد في المواقف بين الخصوم والحلفاء السياسيين، ويزداد الارتباك، ويغرق انتخاب رئيس جديد للبلاد وقائد للجيش في مخاض عسير يصعب تحديد مساره أو رسم خطوط نهايته في ظل الأزمات المتوالية، فلا حكومة كاملة الصلاحية، ولا حتى مجلس يكتمل نصابه، حيث يتذرّع الغائبون بقانونية حقهم في ذلك. 

استبق عون انتهاء ولايته منذ سنة بتوقيع مرسوم اعتبار حكومة تصريف الأعمال برئاسة نجيب ميقاتي مستقيلة، ما قاد البلاد إلى فراغ سياسي وسط تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي، واليوم تزداد الحاجة إلى ترابط ووحدة داخلية لبنانية بسبب اندلاع الحرب في الجنوب، لكن الفرقاء السياسيين لا يبالون على ما يبدو، فهم اليوم أكثر تمسكًا بمواقفهم المتضاربة وغير مكترثين بمصلحة الشعب.

حتى الآن لم تشكَّل حكومة جديدة، فاُعتبرت الحكومة الحالية حكومة تصريف أعمال ناقصة الصلاحيات، وسط خلاف واضح بين الأحزاب على توزيع الوزارات وحصص كل حزب منها، ويسعى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي إلى البحث عن غطاء سياسي لأي قرار بالتمديد لقائد الجيش الحالي، ما يصطدم برفض التيار الوطني الحر الذي لا يشارك منذ أكثر من عام باجتماعات الحكومة، حفاظًا منه حسب زعمه على موقع رئاسة الجمهورية.

من جانب آخر، عرفت علاقات رئيس البرلمان نبيه بري وحزب القوات برئاسة سمير جعجع خلافات، إذ لا يحضر نواب القوات جلسات البرلمان، ويعتبرونه مجلس انتخاب وليس تشريعيًّا.

يعني هذا أن هناك وزراء بعض الأحزاب يرفضون حضور جلسة الحكومة، ما يجعل الجلسة غير مكتملة لاتخاذ أي قرار، وكذلك البرلمان الذي يقاطعه نواب لاعتباراتهم الخاصة، ويبقى البلد يتأرجح بين عناد الكتل السياسية والأحزاب متّجهًا نحو الفراغ والخراب.