“نتحدث بعقلانية لتقييم المرحلة التي نمر بها، والتخطيط للمستقبل الواعد، وتأثرنا بروح التضامن التي خيَّبت آمال من راهنوا على عكسها، لجهلهم بطبيعة شعبنا” بهذه الكلمات استهل أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، خطابه الذي ألقاه أمس والذي يعد الأول منذ بداية الأزمة الخليجية.
الخطاب الذي جاء بعد شهر ونصف من قطع دول الحصار علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع الدوحة، واستمر قرابة 17 دقيقة، وصفته بعض وسائل الإعلام بـ”خطاب الثبات” بينما وصفه آخرون بـ”خطاب الصدمة” لما أثاره من الكثير من التساؤلات عما تضمنه من رسائل داخلية وإقليمية ودولية.
خطاب واحد وخمس رسائل
وجه أمير قطر خلال خطابه أمس الجمعة خمس رسائل أساسية، بعضها موجه للداخل القطري، وآخر لدول الحصار، وثالث للمجتمع الدولي، ورابع للقضية الفلسطينية، عكست بصورة كبيرة – وفق ما يراه بعض الخبراء – رؤية شاملة لقضايا الأمة والمنطقة بأكملها رغم الحصار المفروض على بلاده لما يقرب من 46 يومًا.
الدوحة ترغب في حل الأزمة وإنهاء حالة الحصار وفتح صفحة جديدة في العلاقات بين طرفي النزاع لكن وفق مبدأين اثنين: احترام السيادة والابتعاد عن الإملاء
أولاً: رسالة إلى الشعب القطري
“القطريون تميَّزوا بالجمع بين صلابة الموقف والشهامة، كما أنهم أذهلوا العالم بحفاظهم على المستوى الراقي، على الرغم مما تعرضوا له”، هكذا خاطب تميم القطريين في رسالته الأولى، مؤكدًا أن الشعب القطري “وقف تلقائيًا وبشكل عفوي دفاعًا عن سيادة وطنه واستقلاله”.
تميم في رسالته لشعبه أيضًا لم يغفل المقيمين في قطر، مثمنًا جهودهم ومواقفهم النبيلة، ملفتًا أن “كلَّ من يقيم ببلده أصبح ناطقًا باسمه”، كما عبر في نفس الوقت عن اعتزازه الشديد بـ”المستوى الأخلاقي الرفيع للشعب، في مقابل حملة التحريض والحصار”.
ورغم الجهود التي بذلتها بعض دول الحصار لتفكيك أواصر القطريين من خلال محاولة استمالة عدد من القبائل القطرية بهدف شق الصف تمهيدًا لتقوية الجبهة المعارضة للنظام الحاكم في الدوحة، إلا أن الشعب القطري أثبت تماسكًا غير مسبوق، ودعمًا قويًا خلف أميره وحكومته في أزمتهم الراهنة.
وتقديرًا لهذا الموقف الوطني، وجه تميم “الحكومة بالانفتاح الاقتصادي المطلوب وإزالة العوائق أمام الاستثمار”، كذلك “بتخصيص عائدات الغاز من الاكتشافات الجديدة للاستثمار من أجل الأجيال القادمة”، في محاولة لتعويض الشعب عما تكبده جراء الحصار المفروض عليه طيلة الأيام الماضية.
أسلوب الحصار المفروض من السعودية والإمارات والبحرين، أساء إلى جميع دول مجلس التعاون وعلى صورتها أمام العالم
ثمن تميم الموقف الوطني للشعب القطري خلال الأزمة
ثانيًا: رسالة إلى دول الحصار
“أثبتنا أننا نراعي الأصول والمبادئ والأعراف حتى في زمن الخلاف والصراع، واعتقد بعض الأشقاء أنهم يعيشون وحدهم وأن المال يمكنه شراء كل شيء”، كان هذا مضمون الرسالة الثانية التي وجهها تميم لدول الحصار (السعودية – الإمارات – مصر – البحرين)، مستنكرًا مخطط تلك الدول لتشويه صورة قطر خارجيًا، قائلاً: “ألا نعلم أبناءنا منذ الصغر أن الوشاية والكذب رذيلتان من أسوأ الرذائل؟ أليس التشهير وتلطيخ السمعة جريمة يحاسب عليها القانون في جميع الدول المتحضرة”؟
أمير قطر في رسالته لتلك الدول حثهم على التوقف عن توظيف المال واستخدامه في صناعة الأزمات وافتعالها والتحكم في مصائر شعوب، موضحًا أن “هناك دول تحاول التشهير بقطر لدى الغرب”، إلا أنه أكد أن هناك بعض الدول ربما تكون فقيرة، في إشارة إلى بلاده، لكنها قادرة على أن تمتلك إرادتها بعزة وكرامة، موجها حديثه قائلاً “لقد تبين لهم أنه حتى الدول الفقيرة لديها كرامة وإرادة”.
علاوة على ذلك لفت تميم في خطابه إلى أن الخاسر من هذه الأزمة ليست قطر وحدها كما يعتقد البعض، إذ إن الجميع خاسر وليس هناك من رابح، قائلاً: “أسلوب الحصار المفروض من السعودية والإمارات والبحرين، أساء إلى جميع دول مجلس التعاون وعلى صورتها أمام العالم”، معربًا عن أمله في أن يكون الحوار هو سبيل الخروج من هذا المأزق.
وتابع: “لم يدرك من قام بهذه الخطوات أن شعوب العالم لا تتقبل الظلم بهذه البساطة، والناس لا يصدقون أضاليل من لا يحترم عقولهم، وثمة حدود لفاعلية الدعاية الموجهة التي لا يصدقها أصحابها أنفسهم”، “نحن نعرف أنه وجدت وتوجد حاليًا خلافات مع بعض دول مجلس التعاون بشأن السياسة الخارجية المستقلة التي تنتهجها قطر، ونحن أيضًا بدورنا لا نتفق مع السياسة الخارجية لبعض الدول الأعضاء في مجلس التعاون، لا سيما في الموقف من تطلعات الشعوب العربية، والوقوف مع القضايا العادلة، والتمييز بين المقاومة المشروعة للاحتلال والإرهاب، وغيرها من القضايا”.
وجه تميم “الحكومة بالانفتاح الاقتصادي المطلوب وإزالة العوائق أمام الاستثمار”، كذلك “بتخصيص عائدات الغاز من الاكتشافات الجديدة للاستثمار من أجل الأجيال القادمة”
ثالثًا: رسالة إلى دول الوساطة والمجتمع الدولي
ثمن تميم في خطابه الوساطة التي تقوم به دولة الكويت، كذلك أعرب عن تقديره للمساندة الأمريكية وجهودها نحو تقارب وجهات النظر بين طرفي الأزمة، كذا مواقف ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وأوروبا عمومًا وروسيا.
إضافة إلى ذلك أشاد أمير قطر بالاستجابة السريعة لتركيا ودعمها للدوحة منذ بداية الأزمة، مما كان له أبلغ الأثر في إحداث حالة من التوازن، ساهمت بشكل كبير في تقوية الموقف القطري وجبهته في مواجهة دول الحصار ومن يقف ورائهم.
وفي الوقت ذاته أبدى استعداداه للتعاون مع الجهود التي ترمي إلى حلحلة الأزمة والتوصل إلى حلول منطقية بهدف إنهاء الحصار المفروض على بلاده عبر تقريب وجهات النظر بالطرق الدبلوماسية، لكن بشروط!
ألا نعلم أبناءنا منذ الصغر أن الوشاية والكذب رذيلتان من أسوأ الرذائل؟ أليس التشهير وتلطيخ السمعة جريمة يحاسب عليها القانون في جميع الدول المتحضرة؟
رابعًا: شروط إنهاء الأزمة
تضمن خطاب الأمس رسالة واضحة للجميع برغبة الدوحة في حل الأزمة وإنهاء حالة الحصار وفتح صفحة جديدة في العلاقات بين طرفي النزاع لكن وفق مبدأين اثنين:
الأول: احترام السيادة، فلا بد ألا تتطرق الحلول المقترحة إلى مسائل تهدد أو تنتهك سيادة الدول، كغلق بعض القواعد العسكرية أو وسائل إعلام بعينها أو قطع العلاقات مع دول هنا أو هناك.
الثاني: الابتعاد عن الإملاء: فللأزمة طرفان، كل طرف عليه التزامات وواجبات من أجل الخروج من هذا المأزق، ومن ثم فليس من المقبول أن تكون الحلول المطروحة في صورة إملاءات يمليها طرف على الآخر، مؤكدًا أن “أيّ حل يجب أن يكون تعهّدًا متبادلًا والتزامًا مشتركًا ملزمًا للجميع”.
خامسًا: رسالة إلى الفلسطينيين
رغم الأزمة التي تقبع فيها قطر، فإن القضية الفلسطينية لم تغب عن ذهن أميرها، حيث أعلن تضامنه الكامل مع الشعب الفلسطيني، معربًا استنكاره الشديد لإغلاق المسجد الأقصى، داعيًا إلى الوحدة والتضامن وليس الفرقة والشتات، قائلاً في نهاية كلمته: “عسى أن يكون ما تتعرض له القدس حافزًا للوحدة والتضامن بدلًا من الانقسام”.
لماذا تأخر الخطاب؟
أول سؤال تبادر إلى الذهن عقب بث خطاب الأمس هو: لماذا انتظر الرجل نحو 46 يومًا منذ اندلاع الأزمة في الخامس من يونيو الماضي حين أقدمت كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر على قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر وغلق جميع المنافذ الجوية والبحرية والبرية معها، ليخرج بهذا الخطاب؟ وهل لتوقيت هذا الخطاب دلالة؟
من المعروف أن خطة إدارة الدوحة للأزمة جاءت وفق خطوات مرحلية – زمنيًا وحدثيًا – فكل وقت له حدث معين ورد فعل محدد، وهذا على عكس ما كان عليه الطرف الآخر بقيادة السعودية، والذي ألقى بكل أوراقه منذ الجولة الأولى ليجد نفسه مفلسًا في مراحل وجولات الأزمة فيما بعد، وهو ما يفسر الهبوط الواضح في منحنى تصعيد تلك الدول للموقف مع الدوحة، فبعد الـ13 مطلبًا الأولى يتم التراجع إلى 6 مبادئ رئيسية وفقط، هذا بخلاف التغيرات التي طرأت على خارطة الأزمة جراء الخطوات التي انتهجتها قطر تباعًا وفق متطلبات كل مرحلة من مراحل إدارة الصراع.
ومن ثم – ووفق ما يراه البعض – ما كان أمام أمير قطر سوى الانتظار حتى تتضح ملامح الصورة بشكل أكبر، وتتكشف تفاصيل خارطة الأزمة بصورة أكثر وضوحًا وواقعية، بعيدًا عن لغة الشعارات التي عزفت عليها بعض دول الحصار مبكرًا جدًا، وحتى لا ينجرف مثل غيره وراء استفزازات هنا وهناك ربما تدفعه إلى خطوات وقرارات تضعف موقف بلاده.
التريث القطري في انتظار تقوية موقفه في مواجهة الطرف الآخر من خلال الدعم العسكري التركي وتأمين احتياجات الشعب من الغذاء ومتطلبات الحياة الضرورية، وكسب تأييد بعض الأطراف الأوروبية والإقليمية، فضلاً عن نجاح دبلوماسية الدوحة في تحييد الموقف الأمريكي واستمالته في كثير من الأحيان بعدما كان متحيزًا في البداية للموقف السعودي، كل هذه الأمور أعادت تشكيل خارطة الأزمة من جديد لصالح الدوحة، وهنا كان الوقت المناسب ليخرج أمير قطر بخطابه الأول موجهًا رسائله سالفة الذكر.
وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو، خلال زيارته للقاعدة العسكرية التركية في قطر
خطة إدارة الدوحة للأزمة جاءت وفق خطوات مرحلية – زمنيًا وحدثيًا – فكل وقت له حدث معين ورد فعل محدد، وهذا على عكس ما كان عليه الطرف الآخر بقيادة السعودية، والذي ألقى بكل أوراقه منذ الجولة الأولى
صدمة وإشادة
حالة من الصدمة أثارها خطاب أمير قطر لدى العديد من الأوساط الإعلامية والسياسية الخليجية والعربية، فبعد دقائق قليلة من الانتهاء منه، سارع بعض الإعلاميين والمسؤولين إلى التعليق على ما جاء به، بعضهم قلل من فحواه بينما اتهم آخرون الدوحة باستمالة الشعوب العربية تارة، والغرب تارة أخرى، والمتاجرة بالقضية الفلسطينية تارة ثالثة.
المستشار في الديوان الملكي السعودي سعود القحطاني، في تغريدة على حسابه بموقع “تويتر” كتب يقول: “كلمة إنشائية أعدها عزمي بشارة لـ#تميم، لو كتبها طالب بالمرحلة المتوسطة في حصة التعبير لرسب، ولو طلب بثها في إذاعة صوت العرب بالخمسينيات لرفضت بثها”.
كلمة إنشائية أعدهاعزمي بشارة ل #تميم لو كتبها طالب بالمرحلة المتوسطة في حصة التعبير لرسب.ولو طلب بثها بإذاعة صوت العرب بالخمسينات لرفضت بثها
— سعود القحطاني (@saudq1978) July 21, 2017
بينما اعتبر الكاتب السعودي ورئيس تحرير صحيفة الشرق الأوسط السابق سلمان الدوسري، أن ملخص #خطاب_تميم : 1- استعطاف الشعوب 2- تصعيد الأزمة 3- محاولة استمالة الغرب، التاريخ علمنا: الشعبوية زائلة، العقلانية باقية”.
ملخص #خطاب_تميم :
١- استعطاف الشعوب.
٢- تصعيد الأزمة.
٣- محاولة استمالة الغرب.التاريخ علمنا:
الشعبوية زائلة
العقلانية باقية— سلمان الدوسري (@SalmanAldosary) July 21, 2017
ومن الإمارات، كتب نائب رئيس الشرطة والأمن العام في دبي الفريق ضاحي خلفان تميم، يقول: “لا لوم على المملكة ودول المقاطعة أبدًا بعد الخطاب الهزيل جدًا لتميم الضعيف جدًا، بعد اليوم، قطيعة أبدية، نحن معك يا سلمان الحزم”.
لا لوم على المملكة ودول المقاطعة ابدا بعد الخطاب الهزيل جدا لتميم الضعيف جدا.. بعد اليوم..قطعية ابدية…نحن معك يا سلمان الحزم
— ضاحي خلفان تميم (@Dhahi_Khalfan) July 21, 2017
وفي المقابل، وبعد انتهاء الخطاب، دشن رواد مواقع التواصل الاجتماعي هاشتاج كلمه_تميم_المجد الذي أصبح بين الأكثر تداولاً على موقع “تويتر” في قطر، حيث أعرب القطريون عن دعمهم الكامل لأمير بلادهم، واصفين الخطاب بأنه “خطاب العزة والكرامة والشموخ من قائد المجد”.
علينا كمواطنين ومقيمين ترجمة #كلمه_تميم_المجد في إخلاصنا بدراستنا، أماكن عملنا، وفي احلامنا وطموحاتنا. يدا بيد سننهض بوطننا باذن الله.
— ثاني بن حمد (@ThanibinHamad) July 21, 2017
خطاب العزة والكرامة والشموخ من قائد المجد، حمل أمانة الوطن وأحب شعبه فبادلوه الحب والولاء #كلمه_تميم_المجد #خطاب_الكرامه #خطاب_الامير_يمثلني pic.twitter.com/5SSsI6hG77
— سيف بن أحمد آل ثاني (@saifaalthani) July 21, 2017
لابد ان ينتصر كل من حكم:
العقل
والأخلاق
والحكمه#كلمة_تميم_المجد ??#قطر_تنتصر_سياسياً ??#قطر_تنتصر_اخلاقياً— Al Mayassa Al Thani (@almayassahamad) July 21, 2017
وهكذا استطاع تميم في سبعة عشر دقيقة هي مدة خطاب الأمس أن يرسم ملامح الاستراتيجية القطرية خلال الفترة القادمة فيما يتعلق بتعاطيها مع الأزمة الخليجية، وتمسك بلاده بالثوابت والمبادئ التي أعلنها من قبل وعلى رأسها الحفاظ على السيادة الوطنية واستقلالية القرار، فيما ألقى الكرة مجددًا في ملعب دول الحصار، على مرأى ومسمع من أطراف الوساطة الدولية والإقليمية.