سجّلت الشعوب العربية مواقف تضامنية مهمة مع القضية الفلسطينية على مرّ العقود الماضية، حتى قبل النكبة التي شهدت ذروة الجرائم الصهيونية وضياع معظم الأراضي الفلسطينية، ولم يكن التضامن العربي والإسلامي آنذاك محصورًا بقاعات الدبلوماسية، ولا يملأ الشوارع بهتافات الدعم، رغم أهمية كلا المسارَين للضغط على المجتمع الدولي.
إنما تجاوز التضامن هذه الحدود التقليدية، بحمل السلاح مع المقاومين الفلسطينيين ضد الاحتلال الإسرائيلي وخططه الاستعمارية، التي لاقت سندًا سياسيًّا ودعمًا عسكريًّا من معظم الدول الغربية والأمريكية.
واليوم، في ظلّ الإبادة الجماعية التي ينفّذها جيش الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، ما زالت الشعوب العربية تحفظ لفلسطين مكانتها وأهميتها، لكن أنظمتها الحاكمة شددت عليها قيود التضامن بكل أشكاله، قولًا وفعلًا، وصار الاعتقال والتجريم أبسط التهم الملاصقة لداعمي القضية الفلسطينية، رغم فظاعة ما يجري في غزة.
قد يكون المصري عصام الجوهري من أهم الأسماء التي تعيدنا إلى زمن قاوم فيه العرب جنبًا إلى جنب مع المقاومة الفلسطينية، وهو أيضًا إحدى الشخصيات التي نرصدها في ملف “جنود فلسطين” لنذكّر بالفدائيين العرب الذين شدّوا الرحال إلى فلسطين، إيمًانا بعدالة قضيتها ورفضًا لمداهنة الحكّام.
عصام الجوهري .. سجون مبارك
تكنّى المصري عصام مهنا الجوهري بكنية “أبو دجانة“، نسبة إلى الصحابي الجليل سِمَاكُ بن خَرَشَة رضي الله عنه (المتوفى سنة 12 هجري)، والذي شهد مع النبي محمد (ص) غزوات بدر وأحد وخيبر وحنين، ثم شهد حروب الردة وقُتل في معركة اليمامة، ومنحه رسول الله سيفه ليقاتل به، وكانت له عصبة حمراء يرتديها تُميّزه في المعارك.
كان عصام مهنا الجوهري متأثرًا بقصة هذا الصحابي من الأنصار، وكان شديد التشبه به وفق ما تم تناقله عنه في محافظة القليوبية التي وُلد فيها وترعرع بين مساجدها، والتي شكّلت المحور الأبرز الذي صقل به شخصيته وجعله أكثر قربًا من التيار الإسلامي في مصر، لا سيما في ظل الاعتقاد السائد آنذاك بأن القومية العربية هي أحد أسباب النكبة الفلسطينية ثم النكسة.
شكّلت أيضًا اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية أحد أبرز المنعطفات السياسية في حياة الجوهري ومواقفه تجاه القضية الفلسطينية، ومعه أيضًا الكثيرون ممّن أغضبهم التطبيع، ما دفع نظام أنور السادات ومن بعده حسني مبارك إلى شنّ حملة أمنية ضدّ الشباب، خاصة المنتمين إلى الحركات والتيارات الإسلامية التي انتشرت بقوة في أوساط المجتمع المدني، لقدرتها الكبيرة على إقناع المصريين بصواب طرحها وفكرها.
عندما وصل الجوهري إلى قطاع غزة سعى للالتقاء بحركة حماس وكتائب الشهيد عز الدين القسام التي تشكّلت مع انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى، خاصة أنه كان شديد التأثر بفكر الشيخ أحمد ياسين، مؤسّس الحركة.
تعرّض آلاف الشباب من المنتمين للتيار الإسلامي للاعتقال والزجّ بهم في سجون النظام، وتصاعدت حدّة الحملات الأمنية بعد اغتيال رئيس الوزراء المصري آنذاك، رفعت المحجوب، يوم 23 مايو/ أيار 1990، وكان عصام الجوهري ممّن تم اعتقالهم.
مكث الجوهري في السجن عدة أشهر، تعرض خلالها للتحقيق والتعذيب المتواصل، ما زاد نقمته على النظام الذي تنكّر للقضية الفلسطينية، وأطلق عنان قوات الشرطة والجيش للتنكيل بالمصريين الرافضين لسياساته.
خلال وجوده في السجن، سمع الجوهري بالمجزرة التي حدثت يوم 8 أكتوبر/ تشرين الأول 1990، عندما ارتكب الاحتلال الإسرائيلي مجزرة مروعة بحقّ المصلين الفلسطينيين في المسجد الأقصى، راح ضحيتها 26 شهيدًا ومئات الجرحى ممّن تصدوا لاقتحامات المستوطنين الذين حاولوا اقتحام المسجد، بهدف إقامة صلواتهم فيه ووضع حجر أساس هيكلهم.
الوجهة نحو القدس
نقمته على النظام المصري والجرائم الإسرائيلية المتواصلة ضدّ الفلسطينيين، فضلًا عن انتفاضة أطفال الحجارة سنة 1987، زادت من ارتباط عصام الجوهري بالقضية الفلسطينية، فكان يُمني النفس بالذهاب إلى مسرى الرسول (ص) وموطن الأنبياء والمرسلين.
حُرم عصام الجوهري بعد خروجه من السجن من حقه في التنقل والخروج من مصر، مع ذلك اختار خوض التجربة الصعبة والتضحية بحياته في سبيل نصرة القضية الفلسطينية التي يؤمن بعدالتها منذ صغره، فقرر الفتى الشاب قطع صحراء سيناء التي تفصله عن الوصول إلى فلسطين مشيًا على الأقدام، بعيدًا عن أعين مخابرات نظام حسني مبارك، وحمل معه فضلًا عن حقيبة الزاد الصغيرة جواز سفر مزيفًا باسم “لؤي”.
وصل المهاجر لله إلى قطاع غزة ونيّته الشهادة، وسكن بداية في حي الشيخ رضوان الذي أنجب مئات المقاومين الذين ضحّوا وما زالوا بحياتهم في سبيل الدفاع عن فلسطين، ثم انتقل إلى خان يونس وسكن هناك بصفته شرطيًّا مصريًّا أتى ليقيم في غزة بعد أن ترك وظيفته.
If you see this, post a hero
عصام مهنا الجوهري.. مصري من محافظة القليوبية، استشهد في القدس المحتلة قبل 30 عامًا من الآن في عملية أدت إلى مقتل 6 جنود صهاينة من جهاز الشباك، واصابة 16 آخرين عام 1994!
سُأل عنه شيخ الأزهر آنذاك الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، وأفتى بأنه شهيد بإذن الله… https://t.co/W4U1bTAltt pic.twitter.com/0FAHQQYDfC
— بلال البخاري (@BelalElbukhary) November 3, 2023
في الأثناء، بدأ سعي الجوهري بالوصول إلى حركة حماس وكتائب الشهيد عز الدين القسام التي تشكّلت مع انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى، خاصة أنه كان شديد التأثر بفكر الشيخ أحمد ياسين، مؤسّس الحركة.
بعد بحث طويل، وصل الجوهري إلى مبتغاه، إذ التقى مع القائد القسامي وأحد أهم المطلوبين للكيان الإسرائيلي محمد الضيف، الذي كان يسكن خان يونس مع العديد من قيادات الصف الأول في حركة حماس وكتائب القسام، وحين التقى به زاد اقتناعه بعدالة القضية الفلسطينية ورغبته في الشهادة في سبيل نصرتها.
في تلك الفترة، كانت كتائب القسام تتبنّى العمليات الفدائية، فأُرسل إلى معسكرات التدريب لتلقي التدريبات اللازمة على حمل الأسلحة واستعمالها، إلى أن يحين موعد العملية الفدائية المخطط لها.
عملية “حي نحلات شفعاه”
فجر 9 أكتوبر/ تشرين الأول 1994، تحرّك عصام الجوهري ورفيق دربه حسن عباس الغزاوي (أبو مصعب) من غزة صوب بيت المقدس في رحلة دون عودة، وقد أعدَّ كل شيء للإيقاع بأكبر عدد من الصهاينة الإسرائيليين والإجهاز عليهم.
وصل المقاومان مسلحَين ببندقيتَين رشاشتَين وعدد من القنابل اليدوية، إلى مستوطنة “نحلات شفعاه” بالقرب من مقبرة مأمن الله الإسلامية على بُعد 500 متر من باب الخليل، الباب الغربي من البلدة القديمة، وحوالي كيلومتر عن المسجد الأقصى، وكان الهدف حينها أحد مقاهي الاحتلال في البلدة القديمة.
صوّب أبو دجانة رصاص الكلاشنكوف على المستوطنين المجتمعين في المقهى ثم قذف القنابل اليدوية، فبعث في قلوبهم الرعب والهلع، واشتبك مع وحدة خاصة من الجيش الإسرائيلي إلى أن نفذت ذخيرة المقاومَين، واستشهد الجوهري بعد أن قتل 5 من أفراد الشاباك ومجنّدة إسرائيلية، فيما جرح 16 من قوات الاحتلال.
لم يكن عصام الجوهري المقاتل العربي الوحيد الذي حارب في صفوف المقاومة الفلسطينية لصالح القضية الفلسطينية، إذ ضمّت القائمة مقاتلين من جنسيات تونسية ويمنية ومصرية وأردنية ومغربية وسعودية وكويتية، نفّذوا عمليات فدائية ضد أهداف إسرائيلية.
من أبرز هؤلاء الفدائيين الجزائري محمد أبو ودية، والسعودي رياض محمد الخزيم، والسوداني محمد صالح عمر، والمغربي الحسين الطنجاوي، والعراقي عمر علي البيرقداري، وأبو بدر اليمني، وغيرهم العشرات الذين سنحاول تتبُّع سيرهم في ملف “جنود فلسطين”.