العلاقات التركية العراقية: طموحات وأبعاد أمنية

التقى مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي خلال زيارة له العاصمة التركية أنقرة، وزير الدفاع التركي يشار غولر، وشهد اللقاء، بحسب بيان للمستشارية، استعراض الأوضاع السياسية والأمنية في المنطقة، وبحث تعزيز علاقات التعاون بين البلدين، لا سيما التعاون في ملفات الأمن وضبط الحدود ومكافحة الإرهاب والمياه وتبادل المعلومات.

زيارة الأعرجي تأتي استكمالًا للزيارات الأمنية التي أجراها المسؤولون الأتراك إلى العاصمة بغداد مطلع شهر فبراير/شباط الماضي، إذ أبدت أنقرة مؤخرًا اهتمامًا متزايدًا في دفع مشروع طريق التنمية خطوات للإمام، وهو ما أكده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عقب استقباله رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، على هامش أعمال مؤتمر أنطاليا الدبلوماسي الذي عقد مطلع الأسبوع الماضي.

تدرك أنقرة أهمية تطبيع الوضع الأمني على طول الحدود العراقية التركية قبل المضي قدمًا بمشروع طريق التنمية، خصوصًا أن هذه الحدود تشهد انتشارًا كثيفًا لعناصر حزب العمال الكردستاني، وركزت الزيارات التي أجراها كل من وزير الدفاع التركي يشار غولر ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالن إلى بغداد الشهر الماضي على هذه النقطة تحديدًا.

ورغم أن الجانب التركي قدم عدة خيارات للجانب العراقي لحل هذه المعضلة، فإن العراق ما زال يواجه تحديًا كبيرًا في كيفية الموازنة بين الرغبات التركية وتحديات الوضع الأمني في شمال العراق، فلا تتعلق هذه المعضلة بحزب العمال الكردستاني فحسب، بل بالفصائل المسلحة الموالية لإيران التي تنتشر على طول الشريط الجغرافي الممتد من سنجار وربيعة باتجاه محافظتي نينوى وكركوك، وهي بطبيعة الحال ترفض الحديث عن وجودها في هذه المنطقة.

وفي سياق ما تقدم، تأتي زيارة الأعرجي لأنقرة للوقوف على طبيعة المخاوف الأمنية التركية، وكذلك نقل هذه المخاوف للجانب العراقي، فعلى الرغم من أن زيارة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى مدينة سنجار هذا الأسبوع، التي تمثل في جانب آخر منها رسالة واضحة للجانب التركي بوجود الدولة العراقية في هذه المنطقة المعقدة أمنيًا، فإن الجانب التركي بدوره يطالب بإجراءات أكثر واقعية على الأرض، لأن القوات العراقية تتمركز في المناطق الغربية من سنجار، فيما تسيطر قوات وحدة مقاومة سنجار (YBŞ) الموالية لحزب العمال الكردستاني على المدينة، وهو ما جعل تركيا تشن هجمات متواصلة عليها، لتفكيك قوتها واحتواء تأثيرها.

طموحات تركية

بعيدًا عن الرغبات التركية المتمثلة بالفائدة الاقتصادية من مشروع طريق التنمية، والتي يأتي في مقدمتها ربط أنقرة بالخليج العربي، إلاّ إن الوضع الجيوسياسي فرض عليها مؤخرًا التعامل بواقعية مع المتغيرات الجديدة، ولعل هذا ما دفع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان للقيام بوساطة بين العراق والكويت على هامش أعمال مؤتمر أنطاليا الدبلوماسي، ورغم أن هذه الوساطة ما زالت في بدايتها، فإنها تعكس اهتمامًا تركيًا بإعادة التموضع بعيدًا عن الحسابات المعقدة، ومن هذه الحسابات الضغوط الإيرانية على العراق لإكمال مشروع الربط السككي بين طهران وبغداد، والذي إذا ما تم فسينهي أي فائدة اقتصادية مرجوة من مشروع طريق التنمية.

إن محاولة أنقرة خلق مساحة حركة واسعة داخل العراق، تصاعدت بشكل كبير بعد تشكيل حكومة السوداني، فحرصت على تجاوز القيود الرسمية التي تفرضها العلاقات بين البلدين، وبدأت بنسج علاقات جيدة مع قيادات في الفصائل المسلحة والحشد الشعبي، وهو ما بدا واضحًا من زيارة رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض إلى أنقرة الشهر الماضي، وهذا بدوره يعكس قراءة وافية لأنقرة، بأن فشل العراق الرسمي في تصحيح الأوضاع الأمنية في شمال العراق، يعني أن مفتاح الحل يكمن في يد العراق غير الرسمي، وهو محور المقاربة الأمنية لتركيا في العراق بالوقت الحاضر.

إن هذه المقاربة ستكون أمام تحدٍ حقيقي، خصوصًا في الموازنة بين الأدوار السياسية والضرورات الأمنية والمصالح الاقتصادية والعمليات العسكرية، فنظرًا للواقع الاقتصادي الذي تعيشه تركيا، ستحاول توسيع شبكة علاقاتها مع العراق، ولعل اهتمامها بالبعد الأمني لمشروع طريق التنمية، يأتي في هذا السياق، فعبر هذا المشروع تطمح تركيا إلى توسيع انتشارها داخل العراق، إلى جانب سهولة الوصول للأسواق في دول الخليج.

كما أن هذا الطريق سيوفر لها فرصة تحويل مناطق الصراع مع حزب العمال الكردستاني والفصائل المسلحة الموالية لإيران في شمال العراق، إلى مناطق للتشابك الاقتصادي، وهو هدف إستراتيجي تسعى من خلاله تركيا أيضًا إلى تحييد النفوذ والتأثير الإيراني، وتحديدًا محافظة نينوى.

كما تحاول أنقرة وعبر زيارة الأعرجي إنتاج وضع أمني يسمح لأربيل بالحفاظ على التوازن الهش مع بغداد، فأربيل تتعرض لضغوط عالية تستهدف تحجيم دورها في السياسة العراقية، وترجيح كفة السليمانية في العلاقة المتفاعلة بين بغداد وأربيل، وقد كانت قرارات المحكمة الاتحادية، التي كان آخرها توطين مرتبات مواطني الإقليم، فضلًا عن تحديد واردات الإقليم، غير مسبوقة، ولها آثار واضحة على دور الإقليم وحجمه في المرحلة المقبلة، فكلها قرارات تصب في النهاية في تحجيم دور أربيل بالسياسة العراقية، وتضييق دورها وإفراغ علاقاتها الخارجية، لا سيما في مجال النفط وتصديره، وهذا بدوره ينعكس على التوازن الذي تتبعه أنقرة بين بغداد وأربيل.

ما هو أبعد من ذلك

تختلف الحسابات التركية عن الحسابات العراقية، فالإصرار التركي على إعطاء العلاقة مع العراق بعدًا أمنيًا شاملًا، يوضح حقيقة أن أنقرة ترغب في إعادة تشكيل دورها بالعراق، من منظور التحولات الحالية، مما لا شك فيه أن تركيا من أكثر المتضررين من نتائج الانتخابات المحلية التي شهدها العراق في 18 ديسمبر/كانون الأول الماضي، كما أن صعود قوائم سياسية مقربة من إيران، وتحديدًا في محافظتي نينوى وكركوك، أعاد السؤال المهم عن مستقبل تركيا في مناطق نفوذها التاريخي بشمال العراق، وما عزز من أهمية هذا التساؤل أيضًا، الوضع السياسي الصعب الذي تعيشه أربيل حاليًا.

التركيز التركي على جعل مشروع طريق التنمية هو المحرك الرئيس لهذه الحسابات الدقيقة، يشير بطريقة أو بأخرى، إلى أن أنقرة تتحرك حاليًا وفق ثلاثة مسارات مهمة هي: أولًا تأمين وضعها في محافظات شمال العراق، وثانيًا إعادة التموضع في بغداد عبر التوازن مع طهران وواشنطن، وثالثًا الوصول الآمن للأسواق في مدن جنوب العراق، ليشكل الهدف الإستراتيجي الأكبر ربط الجغرافيا العراقية بالجغرافيا التركية عبر هدف الوصول لمياه الخليج العربي.

وهي رؤية عززها الرئيس أردوغان عندما تحدث عن أن المشروع الأمريكي لربط الهند بالبحر الأبيض المتوسط، لا يمكن أن ينجح دون أن يكون لتركيا رأي في ذلك، ومن ثم فإن التركيز التركي على تطبيع العلاقات مع العراق، يعكس جزءًا من هذا الاهتمام، فالزيارات المتكررة للمسؤولين الأمنيين بين أنقرة وبغداد، تعكس اهتمامًا مشتركًا بأن التحدي الأمني هو المتغير الأبرز في العلاقات بين البلدين، وهو ما يدعو إلى تطوير دبلوماسية أمنية متعددة الأبعاد، كخيار بديل عن تعقيدات الدبلوماسية الرسمية التي لم تنجح حتى اللحظة في إنتاج بديل على مستوى العلاقات الثنائية.

والبحث عن نهج أمني جديد في العلاقات بين البلدين، يبدو من الأهمية بمكان، خصوصًا أن البعد الأمني انعكس بصورة مستمرة على هذه العلاقات، وحل المعضلات الأمنية قد يشكل فرصة للحديث عن علاقات متوازنة تعكس طموحات واهتمامات البلدين، وتفتح مسارًا لتحقيق المصالح المتبادلة إقليميًا ودوليًا.