تتجه تونس إلى زيادة أسعار المحروقات وتعرفة الكهرباء والغاز وبعض المواد الأساسية من بينها الخبز والماء والشاي والقهوة تدريجيًا، وذلك اعتبارًا من السنة المقبلة ضمن حزمة إصلاحات عاجلة لتقليص النفقات وخفض عجز الموازنة العامة للدولة، تماشيًا مع مطالب الجهات المقرضة على رأسها صندوق النقد الدولي، الأمر الذي من شأنه أن يؤثّر سلبًا على القدرة الشرائية للمواطنين التونسيين.
زيادة مرتقبة
لئن أعلنت قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل (المركزية النقابية)، مؤخرًا، وجود اتفاق مع الحكومة بعدم إقرار زيادة على أسعار المواد الأساسية السنة المقبلة، فإن العديد من المؤشرات تؤكّد نية حكومة يوسف الشاهد زيادة أسعار بعض المواد ورفع الدعم عنها بصفة تدريجية، وتعتبر منظومة الدعم في تونس آلية أساسية لدعم المقدرة الشرائية للتونسيين وتحقيق العدالة الاجتماعية بين مختلف شرائح المجتمع من خلال إعادة توزيع الدخل الوطني والمحافظة على الطاقة الشرائية للفئات ذات الدخل الضعيف.
ويرى خبراء الاقتصاد أن الحكومة التونسية تسعى لإقناع مختلف الأطراف المتدخّلة بضرورة رفع أسعار بعض المواد الاستهلاكية، استجابة لمطالب صندوق النقد الدولي، وسبق أن أعلن المستشار الاقتصادي لرئيس الحكومة رضا السعيدي، نية الحكومة إقرار زيادة في أسعار النفط وبعض المواد الأساسية مثل الخبز والماء والقهوة بدءًا من العام المقبل، وذلك في سياق حزمة إصلاحات وإجراءات تقشفية لخفض عجز الموازنة وتقليص النفقات.
يقترح مشروع الموزانة العامة لسنة 2018 تعديلات في أسعار المحروقات وتعرفة الكهرباء والغاز، ويتوقع أن يوفّر ذلك موارد إضافية بقيمة 900 ملیون دينار
وقال السعيدي، في حوار لرويترز، إن بلاده تتجه نحو “رفع تدريجي في أسعار بعض المواد من بينها سعر الماء بنسبة 5%، إضافة إلى تعديل سعر البنزين مطلع عام 2018، وذلك بسبب ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية”، ويظهر مشروع الموازنة العامة للسنة المقبلة، ارتفاعًا متزايدًا لكلفة الدعم، إذ تطورت من 4.2% في 2010 من الناتج الداخلي العام إلى 6.3% متوقعة في 2017.
وبحسب بيانات رسمية فقد تجاوزت ميزانية الصندوق العام للتعويض (صندوق الدعم) قرابة الضعف في الفترة بين 2011 و2017، حيث قفزت من 730 مليون دينار (300 مليون دولار) إلى نحو 1.6 مليار دينار (640 مليون دولار) مقابل حصول الطبقات الضعيفة على 12% فقط من هذه الميزانية، فيما يذهب الباقي إلى الطبقات الغنية والفنادق والمطاعم.
وتمثل ميزانية صندوق الدعم 1.7% من الناتج الداخلي الخام للبلاد و5% من ميزانية الدولة ونحو 26% من نفقات الاستثمار، وهو ما أثر سلبًا على الموازنات المالية العامة للدولة.
زيادة مرتقبة في أسعار المحروقات
وستنضم الزيادة في هذه المواد إلى حزمة أخرى من الزيادات المنتظرة ضمن قانون المالية لعام 2018 في إطار إصلاحات اقتصادية واسعة، إضافة إلى خطط أخرى لمراجعة الدعم الحكومي وإدراج مساهمات استثنائية تقطتع من الأجور لدعم موارد الدولة وإنقاذ الصناديق الاجتماعية من خطر الانهيار.
ويقترح مشروع الموزانة العامة لسنة 2018 تعديلات في أسعار المحروقات وتعرفة الكهرباء والغاز، ويتوقع أن يوفّر ذلك موارد إضافية بقيمة 900 ملیون دينار، إذ اعتمد مشروع الموازنة فرضية تسعير برميل النفط بـ54 دولارًا مقابل 53 دولارًا محققة في 2017، مع اعتماد سعر صرف الدولار عند حدود 2.6 دينار للدولار الواحد مقابل 2.4 دينار للدولار في العام الحاليّ.
وسبق أن أقرت الحكومة بداية شهر يوليو/تموز الماضي، تعديلات على أسعار البيع للعموم لبعض المواد البترولية، وطال التعديل أصناف البنزين الخالي من الرصاص بزيادة مئة مليم ليصبح السعر الجديد 1750 مليم/لتر، أي 0.729 دولار، والغاز والسولار دون كبريت بزيادة تسعين مليمًا ليصبح السعر الجديد 1510 مليم/لتر، أي ما يعادل 0.629 دولار، والغاز والسولار العادي بزيادة تسعين مليمًا ليرتفع الثمن الجديد إلى 1230مليم/لتر، أي في حدود 0.512 دولار.
فيما أبقت السلطات التونسية على أسعار المواد البترولية الأخرى دون تغيير، ويمثل خفض دعم الطاقة أحد أبرز عناوين الإصلاح الاقتصادي التي يطالب بها المقرضون الدوليون.
تهدف سياسة دعم المواد الغذائية في تونس إلى إعادة توزيع الدخل الوطني والمحافظة على المقدرة الشرائية للفئات أصحاب الدخل الضعيف
وتخضع أسعار المحروقات في تونس إلى آلية التعديل الآلي التي دخلت حيز التطبيق منذ سنة بتوصيات من صندوق النقد الدولي، حيث تقع مراجعة الأسعار في اتجاه الخفض أو الرفع أو الإبقاء على السعر المعتمد مرة كل ثلاثة أشهر، بحسب سعر البترول في السوق العالمية وتداعياته على الميزان التجاري وموازنة الدولة، ووفق دراسات اقتصادية تونسية، تستنزف المحروقات ما لا يقل عن 70% من نفقات الدعم الموجه للمواد الاستهلاكية.
وتهدف سياسة دعم المواد الغذائية في تونس إلى إعادة توزيع الدخل الوطني والمحافظة على المقدرة الشرائية للفئات أصحاب الدخل الضعيف، إذ يتولى الصندوق العام للتعويض ضبط كلفة بعض المواد بهدف الضغط على أسعارها وجعلها في مستويات مقبولة، ويتم تعديل أسعار البيع للعموم لتغطية ارتفاع تكاليف إنتاج المواد المدعمة جزئيًا مع الأخذ بعين الاعتبار مستوى الدخل ومراعاة الإمكانات التي يمكن تعبئتها لتغطية كلفة الدعم.
خفض العجز
هذه الزيادات المرتقبة تهدف من خلالها الحكومة التونسية بقيادة يوسف الشاهد، إلى خفض العجز في الموازنة للدولة إلى 4.9% في السنة المقبلة، مقارنة مع نحو 6.1% متوقعة لكامل السنة الحاليّة مدفوعة بحزمة إصلاحات تشمل الضرائب والوظيفة العمومية والصناديق الاجتماعية.
وسبق أن تعهد رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد بالعمل خلال السنوات الـ3 المقبلة على تقليص عجز موازنة الدولة إلى حدود 3% وحصر نسبة الدين بحدود 70% وتقليص كتلة الأجور إلى حدود 12.5% مع رفع نسبة النمو إلى 5%، وهي خطة ستحقق خفضًا كبيرًا في نسبة البطالة.
رفع الأسعار يهدف إلى خفض العجز في الموازنة
ونهاية الأسبوع الحاليّ، طالب مسؤول الاتصال في صندوق النقد الدولي جيري رايس، تونس بخفض عجز موازنة الدولة وتجنّب ارتفاع الدين العام، مشددًا على ضرورة “تركيز جهودها على الحد من ارتفاع الأجور في الوظيفة العامة والحد من دعم الطاقة وتنفيذ الإصلاحات الضريبية بهدف المزيد من ترسيخ العدالة الضريبية”.
وتُقدر الموازنة العام للدولة التونسية لعام 2018 بقرابة 14.5 مليار دولار، أي بزيادة مليار دولار عن موازنة العام الحاليّ، وتسعى الحكومة إلى إقناع مختلف الأطراف السياسية والمدنية والنقابية خاصة الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد أرباب العمل بقبول الإجراءات الضريبية والتقشفية التي تضمنها مشروع الموازنة، وتواجه تونس ضغوطًا كبيرة من المقرضين الدوليين يتقدّمهم “صندوق النقد الدولي”، لتطبيق إصلاحات اقتصادية.