سؤال و5 إجابات.. هل التمكين الاقتصادي في الشمال السوري ممكن؟

عُقد في مدينة إسطنبول التركية مؤتمر “التمكين الاقتصادي والاستدامة في سوريا” (23 و24 من شهر مايو الحاليّ) بتنظيم من عدة منظمات مجتمع مدني سوريّة، في مبادرة لتوحيد الجهود من أجل تسليط الضوء على أنماط جديدة من التدخل الإنساني في الشمال السوري، إضافة إلى بحث فرص تمكين السكان اقتصاديًا واجتماعيًا للتحول إلى حالة الاستقرار من خلال تقديم جملة من الأفكار والمبادرات التي تعزز الاستدامة.

تشرف على هذا المؤتمر منظمات الدفاع المدني السوري “الخوذ البيضاء”، المنتدى السوري، عطاء، سامز، حرمون، رحمة بلا حدود، الأيادي البيضاء. وقد حضر المؤتمر منظمات دولية مثل الأمم المتحدة ومنظمات عربية، وتحدث ممثلوها في افتتاحية المؤتمر عن الآليات والإمكانيات المناسبة لدعم مشروعات الاستدامة والاستقرار في مناطق الشمال السوري وإخراجها إلى حالة جيدة وتجاوز الكوارث.

تكمن المشكلة الرئيسية في الشمال السوري، والتي تحدث عنها منظمو المؤتمر، في أن المانحين الدوليين قلصوا أو بدأوا بإلغاء دعمهم للشركاء المحليين في سوريا، وفي الشمال السوري تحديدًا، وهو ما ينذر بكارثة، خاصة أن الشمال يضم أكثر من 4 ملايين نسمة، قسم كبير منهم ما زالوا في الخيام.

“نون بوست” حضر عددًا من الورش التي نظمت خلال المؤتمر، وناقشت الوضع الاقتصادي في شمال سوريا وكيفية التغلب على الحالة الاقتصادية المتردية ودعم الاستثمار وتحقيق الاستدامة والتمكين الاقتصادي ضمن ما بات يعرف بالتعافي المبكر، خاصة بعد سنوات من الحرب التي أعقبها زلزال مدمر للعديد من المناطق.

توجهنا إلى خمسة من الخبراء الذين شاركوا في جلسات المؤتمر، وطرحنا عليهم سؤالًا واحدًا:

هل التمكين الاقتصادي والاستدامة في الشمال السوري في ظل حالة أمنية وعسكرية غير مستقرة، ممكن؟


د. سنان حتاحت، نائب رئيس المنتدى السوري للاستثمار والأثر الاجتماعي

الوضع الأمني يومًا بعد يوم في تحسن، يوجد شبه حالة توقف قتال وتوقف الجبهات الحامية، لكن يحدث بين الفينة والأخرى نوع من أنواع القتال وهذا مضبوط إلى حد كبير، أما بشكل عام، فالمنطقة في حالة هدوء نسبي منذ أربع سنوات، والقطاع المحلي الخاص يعمل وبدأ بإنشاء مصانع وورش للتجارة. نحن نرصد نشوء من 50 إلى 60 شركة جديدة في منطقة الشمال السوري، والحاجة هي أصلًا للبدء بالاستدامة استجابة لحاجة الشعب.

اليوم، الشعب بحاجة إلى وظائف حتى يستطيع أن يستقل بنفسه ماليًا وألا يكون معتمدًا على الإغاثة التي في الأصل تتناقص يومًا بعد آخر.

اليوم، صار التفكير بالتمكين الاقتصادي والاستدامة واجبًا من أجل الخروج من عنق الزجاجة، وليس بإمكاننا الاستمرار دون أن يكون هناك نشاطات تجارية وصناعية يمكن أن يعتاش الناس منها. ومن ينظم هذا المؤتمر من المنظمات عمل خلال السنوات الماضية في طريق الاستدامة والتمكين، سواء بنظام المنح أم من خلال إعادة تأهيل البنية التحتية أم من خلال دعم مشروعات صغيرة ومتوسطة الحجم.

ويوجد توجه كبير ضمن القطاع الأهلي لتشكيل صناديق استثمارية ذات أثر اجتماعي، أحدها اسمه “استثمر في سوريا”، وهو مبادرة من المنتدى السوري. بدأنا بسبعة مشروعات العام الماضي ونعمل على تشكيل صندوق استثماري بقيمة 5 ملايين دولار.


محمد أكتع، مدير منبر منظمات المجتمع المدني

من منظور المجتمع المدني، أرى أن تحديات كبيرة تواجه التمكين الاقتصادي والاستدامة في السنوات الأولى، لكن الذي يجلب الاستقرار هو رأس المال، فدائمًا عندما يكون هناك رأس مال، تضطر كل الجهات لتحقيق الأمن والعدل في المنطقة حتى تكون المنطقة جاذبة أكثر.

المجتمع المدني سابقًا كان يُوصف للرأس المال المستقل عن الحكومة لأن رأس المال مرتبط بالمجتمع المدني، والمجتمع المدني مرتبط بالسياسة، والسياسة هي التي تنظم أمور العدل والاستقرار وهكذا دواليك.

أرى أنه من الممكن أن يقوم التمكين والاستدامة. طبعًا، هناك تحديات كبيرة متعلقة بتوصيف منطقة الشمال السوري على الصعيد الدولي، وهذا تحدٍ كبير ولا بد أن نعمل عليه. أيضًا، موضوع الأمن تحدٍ كبير، لكن أعتقد أننا قادرون على جذب رأس المال إلى المنطقة، وبعد ذلك يمكن حل معضلات وتحديات الأمن والتوصيف القانوني إن شاء الله.

منظمات المجتمع المدني دورها أن تكون الرافد للمشروعات المتعلقة بدعم الاستثمارات الصغيرة، لأن المنطقة تحتاج إلى استثمارات صغيرة، فعلى سبيل المثال، إحدى المنظمات لديها مشروع صندوق حياة، وهذا الصندوق يعمل في مجال تمويل المشروعات الصغيرة، وهذه المشروعات رافد كبير لتمكين المؤسسات المتوسطة والصغيرة.


ضياء أسعد، المدير التنفيذي لمنظمة الأيادي البيضاء

لا يمكن أن نقول إن كل المناطق غير آمنة. الآن في مناطق ريف حلب الشمالي معروف أنها تحت السيطرة التركية، ونوعًا ما يوجد أمان نسبي، فيمكن أن ننفذ مشروعات تنموية وتكون ناجحة، لكنها تحتاج إلى دراسة جدوى جيدة. أما مناطق إدلب، فهناك مناطق تحت سيطرة هيئة تحرير الشام، لكن يمكن تنفيذ مشروعات مستقرة.

السلطات المحلية في الشمال السوري بدأت تدعو إلى مشروعات تنموية لأن هذا الأمر يقوي موقفهم أمام المواطنين، فالمنظمات لديها هذه الفرصة لاستغلال قبول السلطات المحلية للمشاريع التنموية والعمل في هذا المجال. ويوجد استجابة، وبدأنا بعض المشروعات في مجال التمكين مثل مشروعات الزراعة والبناء والتعليم وتشغيل المدارس ودعم القمح.


د. هاني البنا، مؤسس هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية

أهم تحدٍ في أي استدامة اقتصادية أو أي استدامة هو الأمن والسياسة الاستقرار الأمني والسياسي، لكن هناك أمر ثالث وهو بناء الثقة مع المجتمع المحلي. أصبح لدينا ثلاث حاجات: بناء الثقة مع المواطنين بالإضافة إلى الاستقرار الأمني والسياسي، ولو أن المجتمع المحلي وثق بك سيبدأ بنفسه تخطي عدم الاستقرار الأمني والسياسي.

هنا توجد معضلة، وهي كيف نعيد بناء الثقة مع المجتمع السوري في الداخل، خاصة أن المجتمع ينظر لبعض الجمعيات والمنظمات نظرة غريبة قليلًا وبنوع من الريبة. فهنا، قبل أي بناء أو استدامة في الاقتصاد، بناء الثقة مع المواطنين في الداخل هو الأساس، بمعنى أنه لو عملنا على مشروعات، سيكونون هم شركاء فيها من الأول.

مثال ذلك: لو لدينا مشروع استثماري سيكون عائده الربحي مقسمًا على أربعة أجزاء: 40% لأصحاب رأس المال، و30% للمجتمع، والـ30% الأخرى تقسم ما بين الجمعيات والبلديات. بهذه الحالة المجتمع سينتفض معك وهو سيساعد على الاستقرار السياسي والاستقرار الأمني حتى لو كان هذا الأمر ليس بيده. هذا لو كان المال مالًا استثماريًا، أما لو كان المال خيريًا، فسيكون 50% للمجتمع المحلي، و30% للجمعيات، و20% للبلديات. وبالتالي فإن أي مال عموده الأساسي هو المجتمع المحلي.


خالد العيسى، مدير عام جمعية عطاء الإنسانية

إما أن نقول إن هناك تمويلًا للإغاثة ونعطي من يقطن في الخيام قوت يومه وأكله وشربه إلى مدة لا يعلمها أحد، أو يجب علينا أن نعمل شيئًا في ظل بقاء الوضع في سوريا على ما هو عليه، ما العمل؟ توجد أمور تساعد الناس وتنشئ لها استقرار وتمكين بغض النظر عن مآلات المنطقة وأين ممكن أن تذهب، فمثلًا إذا زرعنا الأرض فالفائدة ستكون متعدية للمزارع والبيئة والمستهلك والسلطات المحلية وبالنهاية مهما كان المستقبل استفدنا بأن الأرض زرعت، وكذلك المشروعات الصغيرة التي لها عوائد على العوائل الصغيرة لا يجب أن نحسب في هذه المشروعات المآلات والمستقبل، نحن ننظر إلى ما ينمي حالة الناس في الوقت الراهن.

وهذا الأمر أفضل من الاتكالية ويجب أن يتعلم الناس الاعتماد على أنفسهم لأننا فقدنا ميزة مهمة جدًا في شعبنا وهي أنه منتج، لكن في المخيمات أصبحنا نرى شعبًا اتكاليًا ينتظر المعونة.


نشير أخيرًا، إلى أن المؤتمر خلص إلى توصيات من 13 بندًا، على رأسها: إنشاء صندوق للتمكين الاقتصادي لشمال غرب سوريا مع تطوير الأنظمة المالية والحوكمية للصندوق، ودعم المنتجات الزراعية والصناعية المحلية عبر تقديم الدعم المالي والتقني، وتحسين جودة المنتجات والتنافسية، وتحفيز القطاع الخاص للاستثمار في شمال سوريا في المشاريع التنموية المستدامة.