“إسرائيل” تُوسع من مجال المنطقة الآمنة في سوريا

golan-heights-feature-1515519826-article-header

ترجمة وتحرير: نون بوست

أفادت مصادر متعددة في المنطقة بأن “إسرائيل” بصدد توسيع نفوذها وسيطرتها بشكل أعمق في منطقة جنوب سوريا، التي تسيطر عليها المعارضة السورية. وبعد محاولاتها الفاشلة لضمان حماية مصالحها عن طريق بعض اللاعبين الرئيسيين في الحروب التي تدور رحاها في بعض الدول المجاورة لها، تسعى “إسرائيل” إلى تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع “المنطقة الآمنة”، الرامية إلى توسيع المنطقة العازلة التي تمتد من مرتفعات الجولان المحتلة إلى محافظتيْ القنيطرة ودرعا في جنوب سوريا. ويعدّ مشروع توسّيع المنطقة الآمنة بمثابة خطوةٍ نحو تعميق مشاركة “إسرائيل” في الحرب الأهلية السورية.

في هذا السياق، اطّلع موقع الإنترسبت الأمريكي على الخطوط العريضة لخطة توسيع المنطقة الآمنة من خلال تحقيق قام به دام لمدة شهر، جمع فيه معلومات من مصادر مختلفة، شملت نشطاء معارضين سوريين في الجنوب، ومعارضين سوريين مقيمين في الأردن، ومصادر حكومية سورية، فضلا عن منظمة غير حكومية إسرائيلية أمريكية تشارك بصفة مباشرة في مشروع المنطقة الآمنة.

تجدر الإشارة إلى أن المنطقة الآمنة التي تسعى “إسرائيل” إلى توسيعها تهدف إلى إبقاء الجيش السوري وحلفائه الإيرانيين واللبنانيين بعيدين عن الحدود الإسرائيلية، فضلا عن تعزيز سيطرة “إسرائيل” على مرتفعات الجولان المحتلة، التي استولت عليها في حرب 1967، التي دامت ستة أيام. في الأثناء، من شأن خطة توسيع المنطقة العازلة أن تجعل أي مفاوضات بشأن استرجاع تلك الأراضي السورية أكثر صعوبة في المستقبل، نظرا لأن مرتفعات الجولان ستكون محاطة من الجانبين بمناطق تخضع لنفوذ إسرائيلي كبير.

على مدى السنتين الماضيين، شرعت “إسرائيل” في تنفيذ المرحلة الأولى من مشروع المنطقة الآمنة في جنوب سوريا. وقد مكّن المشروع الجيش الإسرائيلي، من خلال المنظمات الإنسانية وأفراد ينتمون إلى المؤسسة العسكرية، من الولوج إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، وذلك مقابل تقديم الإعانات والعلاج الطبي داخل “إسرائيل”، فضلا عن السلع الأساسية.

في ظل استمرار الحرب في سوريا، قبل المزيد من السوريين، الذين يقيمون في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، على مضض نفوذ “إسرائيل” المتنامي ومشاركتها في مجتمعاتهم

وفقا لما جاء في تصريحات بعض المصادر المطلعة، تشمل المرحلة الثانية، التي بصدد تنفيذها حاليا، من بين العديد من المخططات الأخرى، إنشاء منطقة عازلة تخضع للمراقبة الإسرائيلية، يبلغ طولها 40 كيلومترا، وتمتد خارج هضبة الجولان، فضلا عن إرساء قوة شرطة حدودية سورية مسلحة ومدربة من قبل “إسرائيل”. في الوقت نفسه، تسعى “إسرائيل” إلى تحقيق مشاركة أكبر في الإدارة المدنية في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، أي في المقاطعتين التي تقعان في الجنوب السوري.

من جانب آخر، تشمل خطة توسيع المشروع تقديم مساعدات عسكرية إلى مجموعة أوسع من الفصائل المعارضة المتمركزة في كل من القنيطرة ودرعا. كما تهدف “إسرائيل” من خلال توسيع المنطقة العازلة إلى إقامة شراكات مع قادة المعارضة السورية، وقادة المجتمع المدني، والمنظمات غير الحكومية والمسؤولين في القطاع الصحي، على أرض الواقع، بغية العمل على مشاريع تعليمية وصحية وزراعية مشتركة.

عموما، شنت “إسرائيل” العديد من الهجمات على الأراضي السورية، التي غالبا ما يُنظر إليها على أنها تندرج ضمن الجهود التي تهدف من خلالها “إسرائيل” لإبقاء الأسلحة المتطورة بعيدا عن متناول بعض المسلحين المعادين لها، على غرار تلك الأسلحة التي يمتلكها حزب الله اللبناني. في المقابل، يعد مشروع توسيع المنطقة استثمارا ذو أبعاد عميقة وطويلة المدى في الحرب السورية.

خلال الصيف الماضي، كتبتُ مقالا تحدثت فيه عن دعم “إسرائيل” المتزايد لفصيل متمرد يلقب “بلواء فرسان الجولان”. وفي وقت لاحق، أكّد بعض المتمردين خلال مقابلات أجروها مع صحيفة وول ستريت جورنال أن المبالغ النقدية المدفوعة، التي ادعت “إسرائيل” أنها ذات طابع إنساني بحت، كانت تُستخدم لدفع رواتب المقاتلين، وشراء الأسلحة، والذخائر.

أفاد أبو عمر الناشط المعارض أن “إسرائيل” اشترت تقبل الأشخاص لها عن طريق المعونة التي تقدمها، على الرغم من أن جميع السكان يرفضون تدخلها في شؤونهم

في سياق متصل، أوضح مسؤول إسرائيلي، الذى رفض أن يسند مسؤولية تصريحاته لأي جهة أخرى، فى تعليقه على مشروع توسيع المنطقة الآمنة، أثناء حوار أجراه مع مراسل موقع الإنترسبت في نيويورك، أن “هذه الادعاءات التي تتعلق ببناء “إسرائيل” منطقة عازلة تعد مثيرة للسخرية ولا أساس لها من الصحة. في الواقع، لا ترمي “إسرائيل” من خلال تقديم تلك المساعدات الإنسانية إلى بلوغ أي أهداف أخرى بل تريد المساعدة على تعزيز الاستقرار”. في الأثناء، رفض المسؤول ذاته التعليق على التقارير السابقة التي تناولت موضوع الدعم الإسرائيلي للفصائل المتمردة السورية في محيط مرتفعات الجولان.

في ظل استمرار الحرب في سوريا، قبل المزيد من السوريين، الذين يقيمون في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، على مضض نفوذ “إسرائيل” المتنامي ومشاركتها في مجتمعاتهم. في السياق ذاته، أفاد أبو عمر الناشط المعارض، الذي يعيش في مدينة القنيطرة التي تسيطر عليها المعارضة، والذي طلب عدم استخدام اسمه الكامل نظرا لمدى حساسية الموضوع أن: “الوضع الإنساني هنا صعب للغاية“.

وأضاف أبو عمر أنه “في البداية، كان السكان يعارضون التدخل الإسرائيلي في المنطقة. وعلى الرغم من أن الكثيرين لا يزالون يرفضون وجود “إسرائيل”، إلا أن آخرين غيروا رأيهم. ففي حال أمنت “إسرائيل” رواتب وأدوية، والغذاء، والماء، سيبدأ الأشخاص بقبولها حتما. عموما، لم تعد مسألة قبول وجود “إسرائيل” تقتصر على بعض الأشخاص، بل أصبح الأمر شائعا في صفوف العديد من الأفراد”. وتابع المصدر ذاته، أن “إسرائيل” اشترت تقبل الأشخاص لها عن طريق المعونة التي تقدمها، على الرغم من أن جميع السكان يرفضون تدخلها في شؤونهم”.

 

على امتداد فصل الصيف، شرع مسؤولون من الجيش الإسرائيلي وجهاز المخابرات في تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع المنطقة الآمنة. كما استأنفوا تدريب وتجهيز قوة، تتكون من حوالي 500 مقاتل من المعارضة السورية، الذين ينتمون إلى الجماعات المتمردة السورية، التي يطلق عليها اسم “لواء فرسان الجولان”، للاضطلاع بمهمة شرطة حدودية. ووفقا لما جاء على لسان مصدر من المعارضة السورية في المنطقة، ومصادر من الحكومة السورية التي تراقب المنطقة، الذين رفضوا الكشف عن هويتهم نظرا لأن القضية حساسة للغاية، سيتولى حرس الحدود، المسؤول عن الحدود بين المنطقة الآمنة ومرتفعات الجولان التي تحتلها “إسرائيل”، مراقبة المنطقة، فضلا عن أنه سيعمد إلى تقديم تقرير مفصل إلى الإسرائيليين عن الوضع في المنطقة.

من المتوقع أن يقوم حرس الحدود بدوريات في نطاق السور الفاصل الذي يمتد انطلاقا من جنوب قرية حضر المأهولة من قبل الدروز، المتحالفة مع الحكومة، مرورا بالمناطق التي تسيطر عليها المعارضة على غرار جباتا الخشب، وبئر عجم، والحامدية، والقنيطرة، وصولا إلى قرية الرفيد اللبنانية التي تقع جنوب محافظة القنيطرة. وفي الإطار ذاته، قال أبو أحمد، الناشط المعارض، الذي فضّل استخدام اسم مستعار بسبب حساسية الموضوع، في جباتا الخشب، المدينة ذاتها التي يتمركز فيها لواء فرسان الجولان، إن “هذا مشروع إسرائيلي مكتمل الأركان، يستثمرون فيه المال والوقت الكافي لتحقيقه”.

الكيان الصهيوني يشعر بأن مخاوفه لم يتم التعامل معها بشكل كاف، ولا زال يشعر بعدم الارتياح رغم الضمانات التي تلقاها حتى الآن

في السياق ذاته، أكد المصدر ذاته أنه “وقع تزويدهم ببنادق “أم 16″ التي تعد من البنادق الهجومية أمريكية الصنع، التي يستخدمها الإسرائيليون، فضلا عن تأمين السيارات، والرواتب، والتدريب لهم”. وتجدر الإشارة إلى أن فرسان الجولان يملكون قاعدة عسكرية لا تبعد سوى بضع المئات من الأمتار عن حدود الأراضي الخاضعة لسيطرة المعارضة، ما يجعل من السهل نسبيا على الإسرائيليين الوصول إليها.

في الأثناء، أعرب بعض السكان المحليين عن سخطهم إزاء هذا التطور. من جانبه، أفاد أبو أحمد الذي يخشى من أن تلحق نشاطات “إسرائيل” ضررا بسوريا والسوريين، وذلك في إشارة إلى الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان منذ 22 سنة، أن “ما تقوم به “إسرائيل” الآن في المنطقة واقعي جدا وخطير على مستقبل المنطقة”.

 
تظهر هذه الصورة التي التقطت في 20 من تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 2017 الدبابات الإسرائيلية “ميركافا أم كاي 4” أثناء مشاركتها في تدريبات عسكرية بالقرب من الحدود مع سوريا في هضبة الجولان المحتلة.

تنبع التوترات الإسرائيلية الأخيرة بشأن الحرب الأهلية السورية، من تلك الأنشطة الصيفية التي تمحورت في تنفيذ اتفاق حول للتخفيف من حدة التوتر بين الولايات المتحدة والأردن وروسيا، وإعلان إنهاء برنامج تدريب وتجهيز المعارضة السورية المدعومة من قبل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، والتخفيض الكبير في الدعم الأردني للجماعات المعارضة التي تقاتل النظام السوري.

سواء علنا أو خلف الكواليس، أعربت “إسرائيل” عن قلقها إزاء ما تعتبره نفوذا إيرانيا متزايدا في سوريا، بالإضافة إلى حضور حزب الله بالقرب من حدودها الشمالية. ولكن، يبدو أن الكيان الصهيوني يشعر بأن مخاوفه لم يتم التعامل معها بشكل كاف، ولا زال يشعر بعدم الارتياح رغم الضمانات التي تلقاها حتى الآن، وخاصة بعد الزيارات المتكررة التي أداها زعماؤه السياسيون والتابعون لأجهزة الاستخبارات إلى واشنطن وموسكو، والتي لم يتمكنوا خلالها من الحصول على تعهدات ملموسة من حلفائهم.

على خلفية ذلك، ذكر مصدر دبلوماسي غربي طلب عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول لتقديم تصريحات لوسائل الإعلام، أن المسؤولين الإسرائيليين يدفعون نحو تأسيس منطقة آمنة بطول 40 كيلومترا في الجنوب، مطالبين الدول الأوروبية بدعم هذه الفكرة، والولايات المتحدة وروسيا بتوفير ضمانات تنفيذها. كما أكد دبلوماسيون غربيون، لم يسمح لهم بالتحدث إلى وسائل الإعلام، أن الولايات المتحدة وروسيا قد أبلغتا المسؤولين الإسرائيليين بأنهما مهتمتان بسلامة الكيان الصهيوني.

من جهة أخرى، أوضح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غادي أيزنكوت، بأن “إسرائيل” مازالت تسعى إلى بناء منطقة خالية من أي نفوذ إيراني على مسافة 40 كيلومترا. وقال في تصريح لصحيفة إسرائيلية “إننا بصدد التحقق من السبل المتاحة لمنع تحصن إيران على حدود 30 إلى 40 كيلومترا من حدودنا”. وأضاف المصدر ذاته، “نحن نهدف إلى أن نقضي على أي نفوذ إيراني في سوريا، ولن يتم ذلك إلا في إطار جهد عسكري ودبلوماسي مشترك”. لذا قد تمتد هذه المنطقة على طول محافظتي القنيطرة ودرعا.

ما يثير قلق “إسرائيل”، ليس إيران وقواتها المتحالفة في لبنان فحسب، وإنما سيطرتها على مرتفعات الجولان أيضا

ووفقا لما ذكره قادة المعارضة السورية المتمركزين في الأردن، من الذين كانوا على دراية بتفاصيل اتفاق خفض التصعيد، فإن الإسرائيليين قد عبروا بكل وضوح عن أن منطقة بحجم 40 كيلومترا لن تكون كافية. وقد قال أحد القادة في عمان، طلب عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع “إنهم يريدون في المرتبة الأولى الدفع بحزب الله وإيران إلى محافظة حماة”.

في الآونة الأخيرة، تفاقم القلق الإسرائيلي إزاء الوجود الإيراني وحزب الله في المنطقة بعد أن تبين أن روسيا والولايات المتحدة تخططان للحفاظ على الوضع الراهن فيما يتعلق باتفاق خفض التصعيد في الجنوب، مع صدور تقارير إسرائيلية تؤكد أن وزير الدفاع الروسي قد أبلغ “إسرائيل” بأن توفير منطقة آمنة على طول 40 كيلومترا أمر غير واقعي.

تجدر الإشارة إلى أن المخاوف الإسرائيلية قد تعاظمت بعد الهجوم الذي شنته حكومة بشار الأسد الشهر الماضي، والذي أدى إلى الإطاحة ببيت جن، التي كانت واقعة تحت سيطرة المعارضة، وتشترك في حدودها مع هضبة الجولان المحتلة من قبل “إسرائيل”، ما تسبب في جعل القوات الحكومية وحلفائها على مقربة من الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل.

ما يثير قلق “إسرائيل”، ليس إيران وقواتها المتحالفة في لبنان فحسب، وإنما سيطرتها على مرتفعات الجولان أيضا. ويذكر أن “إسرائيل” قد استولت على الأرض التي تبلغ مساحتها 1200 كيلومتر مربع سنة 1967 وأدرجتها ضمن المناطق المحتلة التابعة لها منذ ذلك الحين. وخلافا للأراضي الأخرى التي تحتلها، فقد أعلنت “إسرائيل” رسميا ضم هضبة الجولان سنة 1981 في خطوة أدانها المجتمع الدولي.

على الرغم من أن “إسرائيل” قد أمضت عقودا من الزمن تسعى للحصول على شرعية دولية لما صرحت به، إلا أنها خلال السنوات الخمس الأخيرة، ومع نشوب الحرب الأهلية السورية على عتبة بابها، أصبحت دعواتها في الحصول على اعتراف دولي بالجولان ضمن الأراضي الإسرائيلية أكثر حدة وقوة في دوائرها السياسية والدبلوماسية. ومن شأن المنطقة العازلة الموسعة أو “المنطقة الآمنة” داخل سوريا، أن تعزز الموقف الإسرائيلي الذي يصرح بأن الحكومة السورية ليست في وضع يمكنها من المطالبة بالسيادة على منطقة ليست في الأصل تحت سيطرة دمشق.

وجدت “إسرائيل” الفرصة سانحة للتدخل في سوريا، خاصة مع بحث الفصائل المعارضة الآن عن رعاة جدد بعد أن غير الرعاة السابقون سياساتهم في سوريا

في الواقع، يتماشى هذا التحرك ضمن الأراضي السورية جنبا إلى جنب مع زيادة النشاط الإسرائيلي داخل هضبة الجولان المحتلة. ويشمل هذا توسيع النشاط الاستيطاني الإسرائيلي، والاستثمار في البنية التحتية المحلية وفي الاقتصاد المحلي، وحث 20 ألف مواطن سوري يعيش هناك على الحصول على الجنسية الإسرائيلية والمشاركة في الانتخابات المحلية، بالإضافة إلى منح ترخيص والإقرار بإطلاق مشروع مثير للجدل للتنقيب عن النفط تبلغ قيمته عدة ملايين من الدولارات، وكل هذا بهدف ترسيخ الوجود الإسرائيلي في هضبة الجولان.

 
صورة التقطت في هضبة الجولان المحتلة في السادس من نيسان/ أبريل سنة 2017، تظهر أطباء عسكريين إسرائيليين بصدد مساعدة جرحى سوريين.

وجدت “إسرائيل” الفرصة سانحة للتدخل في سوريا، خاصة مع بحث الفصائل المعارضة الآن عن رعاة جدد بعد أن غير الرعاة السابقون، على غرار الأردن الذي قدم الدعم من خلال قيادة العمليات العسكرية، والولايات المتحدة، سياساتهم في سوريا.

على ضوء هذا المعطى، قامت مجموعة صغيرة من أفراد الجيش والاستخبارات الإسرائيليين، بجولة على متن سيارات إسعاف في ريف درعا الغربي في أواخر  شهر تموز/ يوليو الماضي، وذلك وفقا لما ذكرته مصادر عسكرية في الحكومة السورية، التي طلبت عدم الكشف عنها لأنه لا يسمح لها بالتحدث إلى وسائل الإعلام. وقد التقى هؤلاء المسؤولون الإسرائيليون، خلال جولتهم، بقادة الجماعة المعارضة في “لواء جيدور” القومي، التابع للجيش السوري الحر، بالإضافة إلى “جيش الأبابيل” الذي ينشط تحت تحالف المعارضة التي يدعمها الأردن والولايات المتحدة الأمريكية، والذي يعرف باسم الجبهة الجنوبية.

في شهر أيلول/ سبتمبر، تم عقد اجتماع آخر  في مدينة رفيد الحدودية في القنيطرة، حيث التقى قادة المجلس المحلي والأطباء وقادة الميليشيات، بمن فيهم من “لواء جيدور” و”فرسان الجولان” و”جبهة ثوار سوريا”، بممثل إسرائيلي لمناقشة مزيد من التعاون.

تحاول “إسرائيل” محاكاة نجاح الطرف التركي، الذي دعم نفوذه على المدى البعيد من خلال وكلاء المعارضة في المناطق الواقعة على طول الحدود المتاخمة لتركيا، في جنوب سوريا

في هذا الإطار، قال أبو أحمد الناشط المعارض إن “البعض في الجبهة الجنوبية يعملون الآن مع “إسرائيل” مثلهم مثل الفصائل التابعة للجيش السوري الحر، الذين يحصلون على المال والأسلحة من الطرف الإسرائيلي”. وأضاف المصدر نفسه أن الأردن قد توقف عن إرسال الأسلحة لهم، فلجؤوا “لإسرائيل” بدلا من ذلك”.

في الأثناء، بدأ التوسع “الإسرائيلي” في المناطق الحدودية في البروز بشكل علني. ومؤخرا، أظهر شريط فيديو نشرته وكالة “سمارت” للأنباء، مجموعة تابعة لقوات أحرار نينوى، المتفرعة عن الجيش السوري الحر، وهي تستخدم صواريخ من صنع “إسرائيلي”. وقد أكد العديد من كبار القادة في الجبهة الجنوبية المتمركزة في الأردن، وناشطون معارضون سوريون في القنيطرة لموقع “الإنترسبت” أن “لواء جيدور” و”لواء سيف الشام” و”جيش الأبابيل” يتلقون الآن مساعدات من “الإسرائيليين”.

من جهته، صرح قائد متمركز في عمان، طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، “نعم، إنهم يحصلون على مستوى معين من المساعدات من “إسرائيل”، مثل ما هو الحال مع مجموعات أخرى، لاسيما من داخل “جبهة ثوار سوريا”، وهي ائتلاف فضفاض متكون من فصائل متمردة، وهم الآن في قبضة “إسرائيل”. ولقد بدأنا نرى المساعدات “الإسرائيلية” تأتي إلى درعا أيضا”. وأضاف هذا الأخير “هناك ما يكفي من المساعدات ولكن الشعب فقير ولن يرفض أي مساعدات أخرى تقدم له”.


لافتة معدنية على شكل جندي إسرائيلي يقف على ملجأ محصن  قديم، حيث يرتفع القمر فوق سوريا، كما يمكن مشاهدته من مرتفعات الجولان المحتلة، يوم الاثنين 14 تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 2016.

في ظل الأوضاع الراهنة، تحاول “إسرائيل” محاكاة نجاح الطرف التركي، الذي دعم نفوذه على المدى البعيد من خلال وكلاء المعارضة في المناطق الواقعة على طول الحدود المتاخمة لتركيا، في جنوب سوريا. ليس فقط من خلال الجماعات المسلحة، بل أيضا من خلال العمل عن كثب مع المجالس المحلية فيما يخص الصحة، والبنية التحتية، والتعليم.

من المثير للاهتمام أن “أماليا”، وهي منظمة غير حكومية “إسرائيلية” أسسها رجل الأعمال الإسرائيلي الأمريكي “موتي كاهانا”، قد شاركت في أنشطة داخل القنيطرة في المنطقة العازلة التي خصصتها الأمم المتحدة بين الجولان المحتل والأراضي التي تسيطر عليها سوريا منذ سنة 2016.

حاليا، تعمل المنظمة مع شركاء محليين في درعا على توسيع مهمتها التابعة للمنطقة الآمنة إلى الداخل السوري. وفي حين أن معظم مشاريع “أماليا” مقرها الجنوب، ذكر “كاهانا” أن ذلك ليس غريبا عن الشمال الذي تسيطر عليه المعارضة السورية. وفعلا، أظهرت تقارير إعلامية حديثة أن منظمة “أماليا” قد شاركت في إنشاء مدرسة في مدينة إدلب الشمالية التي تسيطر عليها المعارضة. من جهته، قال كاهانا “عندما بدأت بمساعدة السوريين في نهاية سنة 2011، انطلقت من إدلب.  لقد استغرق الأمر وقتا طويلا للاعتراف بدوري في الشمال بصفة علنية. فلا أحد يريد أن يتم ربطه بإسرائيلي”. 

حينما تسربت الأخبار حول المدرسة، نفى ناشطون معارضون في إدلب أي تدخل إسرائيلي في المنطقة، واتصلت المدرسة نفسها بكاهانا وطلبت منه إنكار أي مساهمة له هناك. وعلى خلفية ذلك، أوضح كاهانا “لقد كانوا خائفين بسبب ردة فعل جبهة النصرة، التي تسيطر على المنطقة”، في إشارة إلى جبهة متكونة من جماعة سورية جهادية متمردة. وأضاف كاهانا “أما الآن، فقد طلبت مني المدرسة أن أعلن مساهمتي، لعل ذلك يجعل الجيش الروسي يتوقف عن قصف المنطقة”.

أورد كاهانا أنه كانت تربطه علاقة عمل مع العديد من جماعات المعارضة المحلية في درعا، فضلا عن المنظمات غير الحكومية المحلية

في الوقت نفسه في الجنوب، تمكنت منظمة “أماليا”، بالتعاون مع السلطات “الإسرائيلية”، من العمل مع مجالس المعارضة المحلية دون عوائق نسبيا، مما أدى إلى ما وصفه كاهانا بأنه تحقيق “المرحلة الأولى” للمنطقة العازلة بنجاح. وتمتد المنطقة العازلة على مساحة عشرة كيلومترات في الأراضي السورية، حيث يمكن للمنظمات غير الحكومية الإسرائيلية والعسكريين العمل وممارسة أنشطتهم.

في هذا السياق، صرح كاهانا أن “العمل في الجنوب أسهل بكثير. إنني أحصل على القوائم من الداخل، كما يقدم لي الإسرائيليون الطلبات. وهو ما يسهل الوضعية بالنسبة لي لأن الإسرائيليين يعرفون الناس جيدا هناك، وهم يتحدثون إليهم بالفعل. وحتى لو حصلت على القائمة من الداخل بمفردي، فإنني استعين بالإسرائيليين لأنهم يعرفون ما يجري في المنطقة”.

 حيال هذا الشأن، بين موتي كاهانا أن “إسرائيل” مشغولة حاليا بالعمل على تنفيذ المرحلة الثانية فيما يتعلق بالمنطقة الآمنة مع التوسع في درعا. وعندما سُئل عن التوسع العسكري أورد كاهانا، “أستطيع أن أقول نعم. لقد كانت هناك بعض القضايا السياسية المستعصية لأنه لم يكن من السهل أن تقيم درعا شراكة مع الإسرائيليين”، مشيرا إلى المظالم والعداء التاريخي تجاه “إسرائيل” باعتبار أن هذا العداء هو العقبة الرئيسية التي تقف أمام جماعات المعارضة والمدنيين المقيمين في المقاطعة الجنوبية الغربية. وأكد كاهانا “لقد كان من الصعب عليهم أن يقبلوا الإمدادات عبر الحدود الإسرائيلية، وحتى العمل مع الإسرائيليين، لكنني قلت للجماعات هناك أن يأخذوا بعين الاعتبار ما قمنا به في المرحلة الأولى من تشييد المنطقة الآمنة ونجاحنا في ذلك”.

في سياق متصل، أورد كاهانا أنه كانت تربطه علاقة عمل مع العديد من جماعات المعارضة المحلية في درعا، فضلا عن المنظمات غير الحكومية المحلية، مثل جمعية رحمة الخيرية، والأطباء المحليين  العاملين على أرض الميدان. وأوضح رجل الأعمال الإسرائيلي، أنه “بحلول سنة 2018، أرغب في إنشاء مدرستين، واحدة في درعا والأخرى في القنيطرة، بالإضافة إلى تشييد مستشفى يقدم خدمات فعالة في هذه المدينة”.

وفقا لما أفصح عنه موتي كاهانا، سيكون هذا المستشفى ثمرة شراكة مع الجمعية الطبية السورية الأمريكية، التي تعد من المنظمات غير الحكومية الرائدة التي تعمل داخل مناطق المعارضة. وأردف كاهانا قائلا: “لقد بدأت بالفعل في تأدية واجبي في المنطقة”.

المصدر: الإنترسبت