على عكس ما تدعي الشركة.. فيسبوك لا يهتم بك بل بنفسه

ترجمة وتحرير: نون بوست
خلال الخريف الماضي، أصابت ضربة فيسبوك الأخيرة العديد من وسائل الإعلام المستقلة في سلوفاكيا وكمبوديا وغواتيمالا، فضلا عن ثلاث بلدان أخرى. ويتجلى ذلك في قيام عملاق مواقع التواصل الاجتماعي بإزالة المنشورات التي أصدرها هؤلاء الناشرون من صفحات المحتوى العام لدى المستخدمين، ويتم بموجب هذا الإجراء إخفاؤها بطريقة تجعل الوصول لهذا المحتوى أمرا صعبا. وعلى خلفية ذلك، أكد الناشرون المستقلون أنهم فقدوا ما يناهز 80 بالمائة من متابعيهم خلال هذه التجربة.
عموما، لا يكترث فيسبوك بهذا الأمر، على الأقل هذا ما يبدو لنا من الوهلة الأولى. وعلى الرغم من ردود الأفعال الغاضبة من طرف الدول الست المتضررة من خوارزمية فيسبوك الجديدة، تواصل الشركة سعيها لإقرار تعديلات مماثلة على مستوى صفحاتها الرئيسية في العالم. ومن المرجح أن لا تعطي هذه التغييرات الأولوية للمنشورات التي يصدرها الناشرون المحترفون، ويتم تفضيل المنشورات التي تصدر عن أصدقاء المستخدم وعائلته.
نتيجة لذلك، ستشهد العديد من وكالات الأنباء الأمريكية تراجعا حادا على مستوى ظهور منشوراتها، على غرار التراجع الذي شهدته الدول الأخرى السنة الفارطة، إلا إذا قامت بالدفع لفيسبوك من أجل إظهار منشوراتها في الصفحات الرئيسية للمستخدمين.
تعني عملية الموازنة العديد من الأمور بالنسبة لحاملي الأسهم داخل الشرك، ويمكن أن يتأثر الناشرون بهذا الإجراء، حيث تعني هذه العملية أنه ستتم معاقبتهم لاعتمادهم على منصة لم يسبق لها أن كانت شريكا يُعتمد عليه
في خضم هذا التغيير، تبرز محاولة فيسبوك لتجنب ظهورها كناشر للأخبار، بل كمنصة محايدة تكرس التفاعل بين الأصدقاء. في سياق مغاير، يواجه موقع فيسبوك انتقادات لاذعة نظرا لضلوعه في نشر الأخبار المضللة، واحتمال التدخل في الانتخابات الولايات المتحدة الأمريكية وفي المملكة المتحدة، مما يجعل شركة فيسبوك حريصة على تقليص هذه الاتهامات من خلال الحد من دورها، ولطالما سارت الأمور على هذا المنوال في السابق.
في شأن ذي صلة، تعني عملية الموازنة العديد من الأمور بالنسبة لحاملي الأسهم داخل الشرك، ويمكن أن يتأثر الناشرون بهذا الإجراء، حيث تعني هذه العملية أنه ستتم معاقبتهم لاعتمادهم على منصة لم يسبق لها أن كانت شريكا يُعتمد عليه. ولم تتحدث شركة فيسبوك مع الناشرين في سلوفاكيا لأنهم يعتبرون أقل أهمية من حاملي الأسهم خلال هذا التجسيد القادم الذي تعتمده الشركة. لكن على نطاق أوسع، لا يتحدث فيسبوك إليك لأنه يعلم مسبقا ما الذي تريده.
يجمع فيسبوك المعلومات حول المستخدمين من خلال تفاعلهم على الموقع، فضلا عن نشاطاتهم الأخرى على الإنترنت، لذلك، يعرف الفيسبوك قدرا كبيرا من المعلومات حول الأمور التي نوليها اهتماما كبيرا. ويقول المستخدمون إنهم يفضلون تلقي مجموعة واسعة من الأخبار من طرف تفضيلات سياسية مختلفة، لكن فيسبوك يعلم أنهم يريدون التقارير الغاضبة التي تؤكد التحيزات السياسية.
في الأثناء، قد يحذر الناشرون في سلوفاكيا والولايات المتحدة الأمريكية من الأضرار التي قد تلحق بالديمقراطية في حال تقليص وصول الأخبار إلى مستخدمي موقع التواصل الاجتماعي الأول، لكن فيسبوك موقن بأن المستخدمين سيصبحون سعداء للغاية ويتفاعلون بطريقة مثالية مع منشورات الأصدقاء والعائلة.
بالنسبة لفيسبوك، تعكس تفضيلاتنا السابقة، التي تم اكتشافها من خلال تحليل تحركاتنا على الموقع، الكثير من ذواتنا دون أن ندرك ذلك. من جهة أخرى، غالبا ما يتم تجاهل الكلمات التي نقولها. وعليك أن تأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار خلال إجابتك على استطلاع الرأي ذو السؤالين من فيسبوك، والذي يهدف لمعرفة مصادر الأخبار التي يثق بها المستخدمون.
مؤخرا، قدم لي تريستان هاريس، وهو ناقد شرس لمواقع الإنترنت التي تدعم الإعلانات المدفوعة، مقاربة توضح مختلف أبعاد المشكلة من خلال كشف التفضيلات. مثلا، أتعهد لنفسي بأن أذهب للصالة الرياضية مرات أكثر خلال سنة 2018، لكن في كل صباح تقدم لي شريكتي طبقا من حلوى الدونات وتطلب مني البقاء من أجل أكلها. في هذه الحالة، تظهر تفضيلاتي أنني أميل إلى أكل الدونات أكثر من التمرن في الصالة الرياضية. لكن من الواضح أن شريكتي تعمل على توفير ما أشتهيه من المأكولات، متجاهلة بذلك ما كنت قد صرحت بوضوح أنني أطمح إليه.
تجدر الإشارة إلى أن تحديث فيسبوك القادم بخصوص الصفحة الرئيسية لن يقضي على الأخبار المزيفة. على الأقل، لم يحصل ذلك في سلوفاكيا. ويقوم الناس بنشر الأخبار المثيرة والصادمة، في حين لا تنتشر الأخبار الموثوقة. بمعنى آخر، عندما يختار الأشخاص متابعة مصادر أخبار موثوقة، فإنهم بذلك يطلبون الذهاب للصالة الرياضية. ومن خلال هذه التغييرات على مستوى الصفحة الرئيسية، يرمي فيسبوك حذاء التمرينات الرياضية خاصتك، ويقوم في المقابل بإدراج اسمك في قائمة المشتركين في خدمة توصيل حلوى الدونات.
لماذا يتمسك نحو ملياري شخص بخدمة تذكرهم بصفة مستمرة بأنها مصممة من أجل تحقيق مصلحتهم الشخصية، في حين تتجاهل تفضيلاتهم المعلنة بشكل صارم؟ وهذ ما يشعر الكثير من الأشخاص بأنهم لا يمتلكون الخيار، وأن فيسبوك هي شبكة التواصل الاجتماعي الوحيدة. وخير مثال على ذلك كونه المنصة التي تتيح لي التفاعل مع أصدقائي، خاصة أولئك الذين عرفتهم خلال فترة طفولتي وخلال الدراسة الثانوية.
في الواقع، لا أريد من فيسبوك أن يختفي، لكني أريده أن يتحسن. وعلى نحو مطرد، أعتقد أن فيسبوك سيبدأ بالاستماع لتفضيلات الأشخاص المعلنة فقط في حال بدأ المستخدمون باعتماد بدائل أفضل. في الوقت الحالي، يقوم الفيسبوك باختيار المنشورات التي تظهر في صفحتك الرئيسية بهدف زيادة التفاعل والوقت الذي تقضيه في تصفح الموقع.
أما إذا كنت غير موافق على الخيارات التي ينتهجها فيسبوك، فيعتبر هذا أمرا سيئا. لكن بإمكانك أن تضبط إعدادات الصفحة الرئيسية لكي تعرض لك المنشورات وفق تسلسل زمني. لكن عندما تغلق نافذة المتصفح، سوف تعود إلى خوارزمية فيسبوك النمطية.
خلال الخريف الماضي، أطلقت رفقة زملائي موقع “غوبو.سوشال” لتجميع الأخبار القابل للتعديل. ويقدم لك موقع “غوبو” مشاركات أصدقائك، فضلا عن توفير العديد من التعديلات التي تتيح لك التحكم في الأخبار التي تصل إليك أو الأخبار التي لا تريد رؤيتها. بعبارة أخرى، إذا أردت أن تتوصل إلى المزيد من الأخبار الجدية والقليل من المنشورات الفكاهية، فكل ما عليك فعله تحريك شريط التمرير في الموقع، وإذا أردت الاستماع إلى المزيد من الأصوات النسائية، قم بتغيير التعديلات المتعلقة بالجنس أو إضغط على زر “ميوت آل مين” من أجل تجربة تصفح أكثر هدوء.
في الوقت الحالي، يتضمن موقع “غوبو” العديد من التعديلات التي تتيح لك التحكم في صفحتك الرئيسية، مع الكثير من التعديلات الأخرى في مرحلة التطوير، إذ أن هذا التطبيق ذو مصدر مفتوح، مما يتيح لك إمكانية تعديل المرشحات أيضا. ومن هذا المنطلق، يعتبر “غوبو” عملا استفزازيا، وليس منتجا. وفي حين يمكنك اعتماده كأداة فعالة لقراءة تويتر، يسمح لنا فيسبوك بمشاهدة الصفحات فقط، أي الصفحات التي أصبحت ثانوية في صفحتك الرئيسية، وليس المنشورات التي ينشرها أصدقاؤك، ليقوم بموجب ذلك بشل وظيفة الموقع كجامع للشبكات الاجتماعية.
يعتبر قرار فيسبوك بالابتعاد عن الأخبار مجرد محاولة لتجنب هذا الجدل المليء بالتحديات بصفة نهائية. وربما كنا مخطئين بدعوتنا لفيسبوك للمشاركة في هذا النقاش في المقام الأول
عموما، نحن لا نطمح لاقناعك بالإطلاع على شبكاتك الاجتماعية من خلال موقع “غوبو”، لكننا نطمح لدفع منصات مثل فيسبوك لكي تمنح مستخدميها المزيد من الصلاحيات للتحكم بالمحتوى الذي يشاهدونه. أما إذا أردت استعمال الفيسبوك من أجل متابعة الأخبار، يجب عليك أن تكون قادرا على ذلك، بغض النظر عن معرفة خوارزمية الفيسبوك بشأن المحتوى الذي يجلب انتباهك.
على ضوء هذه المعطيات، بات هناك جدل قائم حول الطريقة التي يجدر بفيسبوك إتباعها في تقديم الأخبار للمستخدمين. هل يجب عليه تصفية الأخبار الزائفة؟ أو منح الأولوية للأخبار الموثوقة؟ أو التركيز على الأصدقاء والعائلة عوضا عن السياسة؟ يعتبر قرار فيسبوك بالابتعاد عن الأخبار مجرد محاولة لتجنب هذا الجدل المليء بالتحديات بصفة نهائية. وربما كنا مخطئين بدعوتنا لفيسبوك للمشاركة في هذا النقاش في المقام الأول.
من المستحسن أن يحاول الأشخاص بناء أدوات تتيح لهم رؤية العالم بالطريقة التي يرونها مناسبة، عوضا عن إخبار فيسبوك بما يجب عليه فعله. ففي حال فرض المنظمون على فيسبوك وباقي المنصات أن يتحكموا في جودة الأخبار التي ينشرونها، سوف يعطون المزيد من السيطرة لمنصة كانت قد أظهرت لا مبالاتها إزاء الأحكام التحريرية.
عوضا عن إتباع هذا التمشي، سيكون من الأفضل إجبار جميع المنتديات على تبني قاعدتين بسيطتين؛ تقضي الأولى بأن يمتلك المستخدمون معطياتهم الخاصة، بما في ذلك المحتوى الذي ينشئونه، فضلا عن العلاقات التي يقومون ببنائها على الإنترنت. ويمكن لهم أن يأخذوا هذه البيانات معهم وينقلوها من منتدى لآخر، أو يقوموا بمحوها من المنتدى الحالي. أما القاعدة الثانية، فتقوم على تمكين المستخدمين من الإطلاع على فيسبوك من خلال تطبيقات جامعة، وهي الأدوات التي تسمح لك بقراءة المواقع الاجتماعية وفق تعديلاتك الخاصة، مثل غوبو.
في هذا الإطار، تساعد القاعدة الأولى على حل المشاكل التي واجهتها المواقع البديلة لفيسبوك مثل دياسبورا وماستودون. لكن يبدو أن الأفراد يستثمرون الكثير من وقتهم وطاقتهم العاطفية في مجتمعاتهم الرقمية، مما يجعل مناشدتك لهم بأن يتخلصوا من هذه الروابط ويتحولوا لاعتماد شبكة تواصل اجتماعي أخرى أمرا لا طائل منه. فإذا كنا قادرين على تحويل بياناتنا الخاصة بين منصات التواصل، سيكون هناك احتمال بأن تقوم شريحة من الملياري مستخدم للفيسبوك باختيار شبكة تواصل اجتماعي مختلفة تمنحهم المزيد من التحكم بالمحتوى الذي يشاهدونه أو يكتبونه.
من المستحسن أن يحاول الأشخاص بناء أدوات تتيح لهم رؤية العالم بالطريقة التي يرونها مناسبة، عوضا عن إخبار فيسبوك بما يجب عليه فعله
من جهة أخرى، تتيح القاعدة الثانية للمطورين إمكانية بناء مجمعات محتوى قابلة للتعديل، وليس مجرد ألعاب مثل “غوبو”، وهو ما سيمنح المستخدمين القدرة على التحكم بما يشاهدونه داخل المنصات الإلكترونية، مما يساعدهم على الارتقاء لتطلعاتهم، وليس طبقا لتفضيلاتهم.
بات من الواضح أن الفيسبوك امتلأ بالأشخاص الذين يهتمون بشدة بهذه المسائل، على غرار البعض من أصدقائي وطلابي السابقين. لكن فيسبوك يعاني جراء ضريبة نجاحه الخاص. فقد حقق موقع التواصل نموا بصفة كبيرة تبعا لفهمنا للعالم عن طريق الوساطة، حيث يجد فيسبوك صعوبة في الاختيار بين الحاجة لتعلم الاستماع لرغبات المستخدمين المعلنة، أو أنها تحتاج إلى إتاحة المجال للمنصات الأخرى لفعل ذلك.
المصدر: الأتلانتيك