مراهقة على أعتاب الخمسين.. ما تفسير هذه الحالة المتأخرة؟

bearded-old-man-mirror-smirk-sneer-faces-a-bearded-old-man-looking-at-himself-in-the-mirror-making-funny-faces-smirking-close-up-shot_qyauwmto_f0000

فجأة يتغير من رجل على أعتاب الخمسين عامًا إلى مراهق لم يتجاوز العشرين، تزداد العناية بالملبس والمظهر بشكل مفرط، وتبدأ تصرفات ابن الخمسين كأنها تصرفات شابٍ صغير جدًا ويحاول التقرب بصورة مفرصة من الجنس الآخر.

ما أصل تسمية المراهقة المتأخرة؟

تقول الدكتورة هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع بـالمركز القومي للبحوث الاجتماعية في مصر: “تصيب المراهقة المتأخرة بعض الرجال الذين كانوا يعانون حرمانًا في فترة الطفولة والشباب، فالرجل المكافح العصامي لا يجد وقتًا ليتزوج عن حب، وعندما يجني ثمار نجاحه وشهرته وتألقه في الخمسين من عمره يتذكر أنه لم يكن لديه وقت ليحب؛ فيبحث عن الحب ليعيش ما فاته، ولا شك أنه يجد حوله الكثيرات من الفتيات الصغيرات، فينسى أن زوجته رفيقة الكفاح ويتذكر فقط حاجته إلى حياة جديدة لم يعشها من قبل.

يمر الإنسان بمراحل مختلفة، تبدأ بالطفولة ثم المراهقة ثم الشباب ثم الشيخوخة، وكل فترة من هذه الفترات يصاحبها تغيرات على ملامح الإنسان، وتكمن الصعوبة في أن التغييرات تكون داخلية كإحساس الإنسان بنفسه وخارجية حيث قد تتغير نظرة الآخرين له.

والمراهقة المتأخرة تصيب عددًا كبيرًا من الرجال الذين تخطُّوا سن الأربعين، فيتغيَّر نمط حياتهم، وتصبح تصرفاتهم مثار دهشة لمَنْ يحيطون بهم من أهل وأصدقاء، إنهم يدخلون في قصص حب ومغامرات عاطفية تهدِّد في غالب الأحيان استقرار بيوتهم وعائلاتهم، والزوجة هي التي تدفع الثمن الأكبر لتلك المراهقة التي أصابت زوجها فجأة.

تتشكل أعراض المراهقة المتأخرة في الاهتمام المبالغ بالجنس الآخر بشكلٍ مبالغ فيه

متى تبدأ هذه المرحلة؟

يرجح أن هذه المرحلة تبدأ في سن الأربعين إذا شعر هو ومن حوله بالتغيرات الفيزيائية التي تطرأ عليه، فقد ينجح بالمحافظة على لياقته لكن من الصعب أن يتحكم في أعراض التقدم في العمر مثل الشعر الأبيض أو سقوط الشعر أو ضعف البصر أو آلام المفاصل أو زيادة الوزن أو التجاعيد. والمراهقة المتأخرة هي حالة يمرّ بها الإنسان خلال فترة معيّنة من حياته بين سن الثلاثين والخمسين وتسمّى أزمة نصف العمر.

ما أعراض الأزمة؟

تتشكل أعراض المراهقة المتأخرة في الاهتمام بالجنس الآخر بشكلٍ مبالغ فيه، وأيضًا المبالغة في العناية بالمظهر الخارجي، والإهمال على مستوى الأسرة والانشغال في الحياة وعدم التركيز على شريك الحياة، وتمتاز هذه المرحلة بكثرة التخبط والعشوائية والهروب والانطواء على الذات والوحدة بعيدًا عن المجتمع.

من جانب آخر يقول الدكتور صالح عبد الكريم أستاذ علم النفس في جامعة عين شمس: “هناك أعراض أخرى منها إصابته بثورة انفعالية إزاء أتفه الأسباب ودخوله حالة الهيام، وأحلام اليقظة”.

ما العوامل المؤدية إلى المراهقة المتأخرة؟

تتعدد وتختلف أسباب هذه الحالة، لكن هذه الأسباب هي الأكثر شيوعاً وانتشارًا، وهي مثل  وجود خلل في العلاقة الزوجية أو مع الأبناء. أو إحساس الرجل بأنه لم يحقق كل ما كان يحلم به.

السبب النفسي الأعمق للمراهقة المتأخرة بأن تكون سلوكًا دفاعيًا ضد الاكتئاب

أو أن الزواج وتحمل المسؤولية في سن مبكرة مع استمرار الزواج لسنوات دون وجود لغة حوار بين الزوجين أو اهتمامات مشتركة؛ فيشعر الرجل بعد أن وصل لمرحلة النضج بالرغبة في أن يعيش حياته من جديد وقد يساعده على ذلك استقراره المادي؛ فيبدأ بالبحث عن فتاة صغيرة وسرعان ما يتوهم الحب.

يقول الدكتور صالح عبد الكريم: “قد يكون الدافع إلى المراهقة المتأخرة أسباب عميقة في نفسية الرجل منها الحرمان الزائد في التربية وفي فترة المراهقة كأن يمنعه الأهل مثلًا من الاختلاط بالبنات بدافع أنه عيب، فيحاول تعويض ذلك في الكبر بما لم يعشه في الصغر، فيطلق على هذه التصرفات “نكوص وارتداد لمراحل سابقة من العمر” وهذا يكون هروبًا إلى الماضي، وكأنه يهرب من اعترافه بسنه وشيخوخته والتغيرات الجسدية التي حدثت له، ويؤكد لنفسه والآخرين أنه ما زال صغيرًا ومرغوبًا به.

ويأتي السبب النفسي الأعمق للمراهقة المتأخرة بأن تكون سلوكًا دفاعيًا ضد الاكتئاب، وهذا النمط من الشخصيات لو بحثنا في شخصيته سنجده يهرب من الاكتئاب بالخروج والتعاملات والمعاكسة ونمط المراهقة المتأخرة، وكأن في الأعماق اكتئابًا وفي السطح حالة من الهوس.

والفراغ له دور كبير، فمن عنده فراغ كثير يكون عنده مراهقة متأخرة، هذا ما أشارت إليه الدكتورة رحاب العوضي المختصة في علم النفس السلوكي.

مواجهة التقدم في العمر

يحدثنا الدكتور رياض عبد الجبار الاستشاري النفسي عن مواجهة التقدم في العمر وما يتعلق بالمراهقة المتأخرة، قائلًا: “في الخمسين يا رب تعين”، وهذا القول ربما ينطبق على بعض الرجال الذين يمرّون بعد هذه السن بفترة غير متوازنة، فيحاولون العودة إلى الوراء ويتصرفون مثل المراهقين لكي ينفوا “تهمة” الكبر في العمر، ويثبتوا لمن حولهم أن عروق الصبا ما زالت تنبض فيهم، وأنهم أكثر شبابًا من الشباب.

إن بلوغ سن الخمسين ليس بالأمر الهين لدى الرجال، ومن الطبيعي أنها حالة نفسية يسببها اقتراب الكهولة التي تولّد قلقًا كبيرًا لكل من يخاف سنيها، فذلك يعني للبعض توديع الصبا والشباب.

عند اكتشاف المشكلة لدى الرجل لا بد من التحدث معه عن طريق المواجهة والمصارحة خاصة إذا كان متزوجًا

ولا شك أنها مرحلة حرجة جدًا لكل من الزوج الذي يبحث عادة عن استرجاع صباه مع فتاة صغيرة ترجع إليه شبابه، والزوجة التي تصطدم فجأة بمشكلة عاطفية تمس كيانها وكيان مؤسستها الزوجية، طبعًا بالإضافة إلى مشاكل الأولاد والمعيشة، وغالبًا ما تفرز هذه المرحلة حالات انفصال وطلاق بعد سنوات طويلة من العشرة الجميلة.

وفي ختام التقرير سؤال يطرح نفسه: أين يكمن علاج المراهقة المتأخرة في تقرير نشره موقع البوابة، بـمواجهة الحقيقة، وهي إدراك الفرد بأنه يعبر بها أو سيدخل فيها (المراهقة المتأخرة)، وتنمية العقل فمن المهم أن يربي الفرد نفسه على إيجاد بديل عن الجسد والعاطفة وذلك بالعمل على تنمية العقل من خلال القراءة الدائمة والاطلاع المتعدد، وتنظيم الوقت وإدارته ووضع خطة لأهداف اليوم وجدول للأعمال التي يمكن القيام بها في اليوم مع عمل تقييم يومي لما تم إنجازه وما لم يتم، المعالجة النفسية عن طريق التركيز على مواجة النفس وتحليل السلوك الشخصي عن الدوافع للأفكار والكلمات والأفعال التي يقوم بها.

وعن طريقة علاج المراهقة المتأخرة يقول مستشار برامج السلوك الاجتماعي ومدير العيادات الخارجية والخدمة الاجتماعية في مستشفى حراء بالمملكة العربية السعودية الدكتور عادل عبد العزيز الجمعان: “عند اكتشاف المشكلة لدى الرجل لا بد من التحدث معه عن طريق المواجهة والمصارحة خاصة إذا كان متزوجًا، فمن الممكن أن يتم علاجه أسريًا أي عن طريق الزوجة، أما في حالة عدم إدراك الزوجة لهذا الموضوع فيتم التعامل معه عن طريق العلاج الفردي، لكن هناك إشكالية كبيرة جدًا في حالة عدم اعترافه بوجود المشكلة ذلك لأن نصف الحل في المشكلات من هذا النوع هو الاعتراف بوجود المشكلة ومن ثم طلب المساعدة”.