زيارة ابن سلمان إلى لندن تتحول لحرب دعاية حول تقييم سياساته

ترجمة وتحرير: نون بوست
يوم الأربعاء، وصل محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي المثير للجدل، إلى العاصمة لندن في إطار زيارة ستدوم لثلاثة أيام. وفي المطار، كان في استقبال هذا الشاب، البالغ من العمر 32 سنة، وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون. كما تناول ولي العهد الغداء مع الملكة إليزابيث الثانية، وهو شرف نادرا ما يحظى به شخص لم يصبح بعد حاكما لبلاده.
في وقت لاحق، من المفترض أن يتناول محمد بن سلمان العشاء مع الأميرين تشارلز وويليام، وهما اثنين من العائلة المالكة اللذان يشبهانه كثيرا، حيث أنهما الأقرب لولاية العهد، إلا أنهما لا يتمتعان بنفوذ سياسي يضاهي ذاك الذي يملكه ولي العهد السعودي.
السعودية تستخدم القوة في هذا الصراع دون التفرقة بين المسلحين والمدنيين، وهو ما خلف نتائج كارثية على المدنيين اليمنيين
لكن رغم فخامة الاستقبال والسجاد الأحمر الذي فُرش لمحمد بن سلمان، إلا أن زيارته تحولت إلى صراع مرير يعتمد على العلاقات العامة، بين من يساندون الخطوات التي اتخذها في المملكة العربية السعودية، وأولئك الذين يعتبرونه “مجرم حرب”. وقد انحرفت هذه المعركة في بعض الحالات بشكل عبثي، مثلما حدث عندما وُضعت لافتات دعائية للسعودية على مواقع إلكترونية بجانب المقالات التي تنتقد ولي العهد.
https://twitter.com/Tweet_Dec/status/971309288223330304
في الواقع، ساهم محمد بن سلمان في الدفع نحو إرساء سياسات ليبرالية في الداخل، لعل أبرزها قراره التاريخي بالسماح للنساء بقيادة السيارة، فضلا عن أنه يعتبر حليفا اقتصاديا أساسيا لبريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، بيد أن سياسته الخارجية مثيرة للجدل بالنسبة للندن.
وتجدر الإشارة إلى أن ولي العهد هو العقل المدبر للتدخل الذي تقوده السعودية في اليمن، ضد المليشيات المدعومة من قبل إيران. ومن خلال هذا التدخل، يرى المعارضون أن المملكة العربية السعودية تستخدم القوة في هذا الصراع دون التفرقة بين المسلحين والمدنيين، وهو ما خلف نتائج كارثية على المدنيين اليمنيين، وفاقم ما يوصف بأنه أسوأ كارثة إنسانية في العالم.
شاحنات تحمل رسائل ترحيب بولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، في “وايت هول” وسط مدينة لندن في السابع من آذار/ مارس.
حسب تقديرات الأمم المتحدة خلال العام الماضي، قتل أكثر من 10 آلاف شخص في اليمن منذ سنة 2015. كما تعرض أكثر من ثلاثة ملايين شخص للتهجير، وتقدر الأمم المتحدة أن 80 بالمائة من السكان يحتاجون للمساعدة الإنسانية.
من المفارقات المحرجة لبوريس جونسون ورئيسة الوزراء تيريزا ماي، أن بريطانيا تمثل أحد أهم مزودي المملكة العربية السعودية بالأسلحة. وحسب بعض التقديرات، ارتفعت مبيعات بريطانيا للأسلحة للسعودية بنسبة 500 بالمائة، لتبلغ قيمتها 6.4مليار دولار بعد سنة 2015؛ أي منذ انطلاق التدخل العسكري السعودي في اليمن. وفي الوقت الحالي، أصبحت الرياض أول وجهة للأسلحة المصنعة في بريطانيا.
في استطلاع للرأي، أطلقته “حملة مناهضة تجارة السلاح”، وأجرته مؤسسة “بوبولس فاوند”، تبين أن ستة بالمائة فقط من الرأي العام البريطاني يساندون بيع الأسلحة للسعودية، فيما يعارض 37 بالمائة زيارة ولي العهد لبلدهم. ووسط هذه الحالة العامة من انعدام الثقة، غطت اللافتات الدعائية المروجة لإصلاحات ولي العهد السعودي شوارع مدينة لندن، في محاولة لكسب ود البريطانيين. وقد ظهرت هذه الدعايات على اللوحات المعروضة في الشوارع، وعلى سيارات الأجرة والشاحنات، وحتى في الصحف.
https://twitter.com/andreas_krieg/status/970939190048419840
https://twitter.com/QSmsk/status/970826133896859648
https://twitter.com/cjw92_/status/971350302887641088/
https://twitter.com/markmackinnon/status/971309632428834821
في الحقيقة، إن شركة “أي إي آي سعودي”، المشرفة على هذه الحملة الترويجية، هي مؤسسة تقديم استشارات تم تسجيلها في الرياض سنة 2002. وفي تدوينة على أحد المواقع، سلط مؤسس هذه الشركة الضوء على التغييرات الهامة التي شهدتها المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة، مثل التوجهات الجديدة لإدماج المرأة في الفضاء العام.
في هذا السياق، كتب آدم هوسييه، البريطاني الذي أسس هذه الشركة، “إذا كان هناك شخص واحد لعب دور القوة الدافعة لإحداث هذه التغييرات، فهو ولي العهد محمد بن سلمان، المعروف اختصارا باسم م.ب.س. لقد واجه مقاومة بالطبع، سواء من الداخل أو من القوى الخارجية، إلا أن عزيمته لم تفتر”.
لكن يبدو أن هذه اللافتات المرحبة بولي العهد السعودي لم تكن الوحيدة التي اكتسحت شوارع لندن. فوسط مدينة لندن، تم تغليف الحافلات برسائل تتهم بن سلمان بأنه مجرم حرب، فيما نشر مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي وسوما لإبلاغ رسالة إلى ولي العهد مفادها أنه “غير مرحب به”.
https://twitter.com/DrAlakbarov/status/971158480622178305/
في هذا الإطار، قام بعض الناشطون الحقوقيون، على غرار المنتمين إلى “آفاز” وهي منظمة حقوقية عالمية، بوضع شاحنة أمام البرلمان، وبجانبها شخصان يمثلان دور محمد بن سلمان وتيريزا ماي، وكانوا ينزلون أكياسا تبدو وكأنها تحتوي على جثث أطفال. كما كانت على الشاحنة رسالة مفادها أن رئيسة الوزراء البريطانية يجب أن تطلب من ولي العهد “إيقاف القتل وبدأ محادثات سلام”.
نشطاء من مجموعة “آفاز” نظموا احتجاجا خارج البرلمان يتزامن مع زيارة ولي العهد السعودي إلى لندن، في السابع من آذار/ مارس.
إلى جانب ذلك، نبهت مؤسسة أنقذوا الأطفال، وهي مؤسسة خيرية مقرها في لندن، إلى معاناة أطفال اليمن، عبر وضع تمثال صغير خارج مبنى البرلمان، لطفل يقف وسط الأنقاض وينظر إلى السماء. وفي الأثناء، برمجت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا وقفة احتجاجية خارج مبنى الحكومة، ينتظر أن يبدأ على الساعة الخامسة مساء بالتوقيت المحلي.
https://twitter.com/bethhowgate/status/971354829376446464/
لا يزال من غير الواضح من هو الطرف الفائز بمعركة العلاقات العامة، باستثناء وكالات الدعاية. وقد تعرضت الرسائل المروجة للسعودية لردود فعل مستهزئة، حيث ذكر البعض إلى أن “اللافتات الدعائية بدت مناسبة أكثر للترويج للنوادي التافهة التي يرتادها الرجال”، مشيرين إلى أن دعايات الإنترنت المساندة لمحمد بن سلمان ظهرت إلى جانب مقالات أخرى تكشف الفساد في السعودية.
https://twitter.com/jamesjonestv/status/971280093292171264/
لقد ظهرت العديد من اللافتات الدعائية المرحبة بولي العهد، على طول الطريق السريعة الرابطة بين مطار هيثرو ووسط لندن، وهو ما يشير إلى أن الجمهور المستهدف من وضعها هو ولي العهد ذاته. ولكن يبدو أنه كان للاحتجاجات خارج مبنى البرلمان صدى داخل الأوساط الحكومية. فخلال الظهور الأسبوعي لرئيسة الوزراء في البرلمان مساء يوم الأربعاء، انتقد زعيم المعارضة جيريمي كوربين سجل المملكة السعودية في مجال حقوق الإنسان، متهما تيريزا ماي بالتواطؤ مع ما يعتقد أنها جرائم حرب في اليمن.
https://twitter.com/EdConwaySky/status/970944350074089472
على خلفية هذا الادعاء، ردت ماي قائلة “إن الرابط الذي يجمعنا مع المملكة العربية السعودية تاريخي، وهو مهم جدا، وربما يكون قد أنقذ أرواح مئات الناس في هذا البلد”. فيما رد عليها أعضاء البرلمان بصيحات الاستهجان. ولاحقا، أوردت ماي أنها سوف تطرح مسألة حقوق الإنسان أثناء لقاءها مع ولي العهد، وأنها تحدثت معه حول المخاوف الإنسانية في اليمن خلال زيارتها إلى الرياض في شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي.
يبدو أن هذه المفارقات القائمة حول العلاقة مع المملكة العربية السعودية، تضع تيريزا ماي في موقف سياسي محرج
بناء على ذلك، يبدو أن هذه المفارقات القائمة حول العلاقة مع المملكة العربية السعودية، تضع تيريزا ماي في موقف سياسي محرج. وفي الوقت الحالي، تبحث بريطانيا عن شركاء تجاريين كبار، بالتزامن مع استعدادها لمغادرة الاتحاد الأوروبي، ولعل توسيع علاقاتها الاقتصادية مع المملكة العربية السعودية سيساعدها على تحقيق أهدافها. كما أن البلدين يخططان لإنشاء مجلس شراكة إستراتيجية، سوف يشرف على استثمار السعودية لمبالغ تصل إلى 139 مليار دولار، خلال السنوات العشر القادمة، بحسب ما أوردته شبكة “البي بي سي” الإخبارية.
على نحو مماثل، تعد هذه الزيارة مهمة أيضا لولي العهد السعودي، الذي يبحث عن الاستثمارات الخارجية كجزء من “رؤية2030“، وهي خطة طموحة لإصلاح بلاده. وهناك أيضا آمال بأن تُطرح أسهم شركة النفط الحكومية أرامكو في بورصة لندن. كما يعتزم محمد بن سلمان زيارة الولايات المتحدة، موطن بورصة نيويورك للأوراق المالية، في زيارة ستركز على الاستثمار، والتي من المنتظر أن تبدأ بتاريخ 19 آذار/ مارس.
المصدر: واشنطن بوست