محمود عبد العزيز.. حكاية فنان أدهش الشعب السوداني

فراقك يوم بعذبنا
بُعادك آه بيتعبنا
وكيفن مدة ما نشوفك
كيفن يعني ما نلاقيك
وعاد يا غالي لما تروح
أنت وراك تروح الروح
وبمشي معاك وأبقى وراك
أبقى وراك عشان أحميك
تَغنى بهذه الأبيات من العامية السودانية فنان مبدع بمعنى الكلمة، حجز لنفسه مكانة رفيعة بين عمالقة الفن السوداني رغم أنه توفي في ريعان شبابه، تميز بالتواضع والبساطة الشديدة وتُروى عن إنسانيته وحبه للضعفاء قصص أشبه بالروايات الخيالية، إذ كانت حياته بتفاصيلها عنوانًا واضحًا للإنسان البسيط غير المتكلف وهذا بنظر الكثيرين سر نجاح محمود عبد العزيز وتربعه على عرش الأغنية السودانية خاصةً وسط جيل الشباب.
لذلك، لم يكن يوم الخميس 17 من يناير/كانون الثاني عام 2013 يومًا شتويًا عاديًا في السودان، فقد نزل خبر رحيله كالصدمة على عشاقه الذين يعرفون باسم (الحواتة) اشتقاقًا من لقب (الحوت) الذي كان يطلق على الفنان الراحل بالإضافة إلى ألقابٍ أخرى مثل (الجان) و(الأسطورة).
فور إعلان خبر وفاة محمود بمستشفى ابن الهيثم في العاصمة الأردنية عمان حيث كان يتلقى علاجه هناك، تدافع المئات من معجبي الفقيد إلى منزله بحي المزاد في الخرطوم بحري، وتم نقل عدد منهم إلى مستشفى حاج الصافي في حالة غياب عن الوعي بسبب البكاء الهستيري والصدمة التي لم يتحملوها.
في مطار الخرطوم كان المشهد أكثر مأساويةً، فقد هبطت الطائرة الخاصة التي تحمل جثمان فنان الشباب الأول بصعوبة على مدرج المطار بسبب التدافع الجماهيري غير المسبوق واقتحام أعداد كبيرة من المحبين للـ(Runway) واضطرت الشرطة يومها لاستخدام الغاز المسيل للدموع من أجل تفريق الجموع الهادرة التي رفضت إخلاء المدرج مما تسبب في تعطل حركة الملاحة الجوية لقرابة 3 ساعات.
لفت الأنظار بسرعة بديهته وحفظه للكلمات والعبارات التي يسمعها وهو ما زال ابن عامين
العام الذي سبق رحيل محمود فُجع فيه السودانيون بفقدان الداعية الإسلامي الورع محمد سيد حاج ومحمد إبراهيم نقد زعيم الحزب الشيوعي السوداني، فضلًا عن الشاعر الكبير المعارض محمد الحسن سالم حميد نجم الشعر الشعبي، لكن فاجعة رحيل الحوت لم تكن أقل من هؤلاء النجوم بل ربما كانت أعمق عند جيل الشباب.
النشأة والطفولة
ولد الراحل محمود عبد العزيز يوم الإثنين 16 من أكتوبر/تشرين الأول 1967 بعد 3 أعوام من ثورة أكتوبر 1964 في حي المزاد العريق بمدينة الخرطوم بحري، وعاش طفولةً عادية مثل أقرانه فهو ابن أسرة بسيطة يحفها حنان ورعاية جده الحاج محمد طاهر والجدة نفيسة وأمه السيدة فايزة وأبوه الحاج محمود.
لفت الأنظار بسرعة بديهته وحفظه للكلمات والعبارات التي يسمعها وهو ما زال ابن عامين، أحب التمثيل منذ الصغر وكانت مشاركته في أداء مسرحية (أمي العزيزة) بتليفزيون السودان أول ما لفت الأنظار إليه في أواخر السبعينيات.
والتحق محمود في الثمانينيات بمركز شباب بحري وهناك كان لقاؤه برفقاء الدرب عبد الله كردفاني وعبد الواحد البدوي، إذ بدأ معركته منطلقًا بصوته الجهور الحاد فأخذ يؤدي بعض الوصلات الغنائية مع الفنان صلاح بن البادية وكانت فرقة الأخير الموسيقية أول فرقة تصاحب محمود عبد العزيز وظهر الراحل من خلالها كمطربٍ لا تهمه المادة، فقد كان يغني في الحفلات العامة والمناسبات الخاصة كما طاف العديد من مدن السودان منها مدينة الأُبيّض التي عاش فيها عدة سنوات وهناك فُتحت له الأبواب على مصراعيها وتبنته فرقة “فنون كردفان” التي كان يقودها يوسف القديل.
كانت أغنيات الراحل الكبير علامة تجارية بحد ذاتها، فما إن يصدر له ألبوم جديد إلا وتسمعه في كل مكان
الألبوم الأول: خلي بالك
في عام 1994 أصدرت له شركة حصاد ألبوم “خلي بالِك” الذي احتوى على خمسة أعمال خاصة دفعة واحدة، فوجئ النقاد بالإقبال الكثيف الذي وجده الألبوم في سوق الكاسيت السوداني ولعل محمود نفسه لم يكن يتوقع أن يحصد هذا النجاح، فأصدر في العام التالي ثاني ألبوماته “سكت الرباب” الذي سُجل في موسكو بمشاركة فرقة روسية أشادت بصوت محمود وأكدت أنه صوت نادر عالميًا وأنه يمتلك حنجرة مثل الآلة يمكن أنت تنتقل لأي درجة صوتية بكل سهولة واحتوى “سكت الرباب” على 6 أغنيات من بينها 4 أعمال خاصة و2 مسموعة.
في العام ذاته، أصدرت له شركة البدوي ألبوم “يا عمر” الذي احتوى على 5 أعمال خاصة وعملين مسموعين، وهذا الألبوم رسخ أغاني محمود في آذان المستمعين وأجبر كل الفنانين على تأجيل ألبوماتهم وعدم المجازفة بإصدار كاسيت بالتزامن مع محمود عبد العزيز لأن ألبومات الأخير تكتسح كل الأسواق فور صدورها.
الحزن في غناء الحوت
سيطر الحزن والشجن على حيز كبير من أغنيات محمود عبد العزيز فقد تأثر في وقت مبكر برحيل شقيقه وعانى من خلافات زوجية وأسرية كما عانى من المرض في السنوات الأخيرة قبل وفاته، وانعكس ذلك على فنه فكانت (الفات زمان) من أجمل أغنياته وأكثرها انتشارًا وترديدًا لدى معجبيه:
ﻣﻜﺘوب علي ﺳﻔﺮ ﺍﻟﺸﺠﻮﻥ
ﺷﻮﻕ ﺍﻟﺤﻨﻴﻦ ﻭﻟﻮﻋﺔ ﺣﺰﻳﻦ
ﻣﻜﺘﻮﻣﺔ ﻓي أﻋﻤﺎﻗي أنا
ﻣﺤﺒﻮﺳﺔ ﻓي ﺩﻣﻮﻉ ﺍﻟﻌﻴﻮﻥ
ﻟﻤﺘﻴﻦ وراك ﺳﻔﺮ الشقاء
ﻗﻮﻟﻲ ﻣﺘﻴﻦ ﻟي ﻣﺘﻴﻦ ﻳﻜﻮﻥ
ﻛﺄﻧي ﻣﺪﻳﻮﻥ ﻟﻠﻌﺬﺍﺏ
ﻭﺃﺩﻓﻊ ﺳﻨﻴﻦ ﻣﻦ ﻋﻤﺮي ﺩﻳﻦ
كما خصص الراحل العديد من الأغنيات للحديث عن الوداع والرحيل يتجلى ذلك في رائعته (نور العيون) التي يقول فيها:
الوداع.. نشوة الروح.. الوداع
ما دام هوانا بعد سنينه المُرة ضاع
أنا من زمان حاسس معاك بي دي النهاية
شاعر بأنك ما فهمتي من البداية
ومشيت معاك درب الأسى
بشكيكي لي نجم المساء
رغم إنى بعدك بقبل الهم والضياع
الوداع.. نشوة الروح الوداع
مهما يكون ذكراك باقية وما بتهون
يا منبع الإخلاص ويا نور العيون
صار محمود علامة متفردة وموضوعًا للتقليد في لبسه وتسريحة شعره وطريقة حلاقة ذقنه، واخترع مع معجبيه تحية (الحواتة) يضع فيها المعجبون الساعد على الساعد، بوضع ناهض إلى أعلى مع قبض الأصابع ما عدا السبابة.
خلال مسيرته الفنية العامرة غنى محمود للحب والسلام والحرية والأم
وكانت أغنيات الراحل الكبير علامة تجارية بحد ذاتها، فما إن يصدر له ألبوم جديد إلا وتسمعه في كل مكان، في الكافيهات والمركبات العامة والحفلات الخاصة والأسواق، ولعل الكثيرين يذكرون أن موديل سيارة التويوتا للعام 1998 الذي افتتن به الناس أُطلقوا عليه لقب (لهيب الشوق) تأثرًا بألبوم صدر لمحمود عبد العزيز وتزامن مع ظهور السيارة، وتُعد أغنية لهيب الشوق من أكثر أغاني الحوت مشاهدةً على اليوتيوب حيث وصل عدد من شاهدوها إلى أكثر من مليونين بينهم الآلاف من دول الجوار خاصة جنوب السودان وتشاد وإثيوبيا وإريتريا.
خلال مسيرته الفنية العامرة غنى محمود للحب والسلام والحرية والأمل، لم يمنعه عداء الحكومة السودانية واستهدافها لشخصه في تسعينيات القرن الماضي من اتخاذ مواقف وطنية كان أبرزها تفاعله مع استرداد القوات المسلحة لمدينة هجليج من قبضة الحركة الشعبية في جنوب السودان فكان يردد: هو موطني حتمًا سأفنى هاهنا.
125 أغنية خاصة
ما بين الفترة من 1994 و2007، أنتج الحوت 24 ألبومًا غنائيًا له فيها 125 أغنية خاصة و74 أغنية “مسموعة” أي تعود لغيره من الفنانين الكبار، وطبع ألبوم “يا زول يا طيب” نصف مليون نسخة، وكانت أسطواناته تسلط طريقها إلى دول الجوار الإفريقي وتوجد لنفسها مكانةً رفيعة رغم حاجز اللغة.
يفضل جمهور محمود عبد العزيز الابتعاد عن التنظيمات السياسة واعتزال الحكومة والمعارضة معًا فقد رفضت مجموعتا محمود في القلب وأقمار الضواحي الزج بالحواتة في أي تشكيل سياسي التزامًا منهم بإرث الراحل ولقناعتهم بأن السياسة تفرق ولا تجمع.
الـ17 من يناير من كل عام، يبقى منصةً فريدة تجمع جمهور أسطورة الغناء السوداني، تجسد المعنى المعبر عن حقيقة الوفاء، وصدق الانتماء، فعلاقة محمود عبد العزيز بجمهوره أدهشت العالم حيًا وميتًا فأين يكمن سر هذا الانتماء والتعلق والمحبة التي لا تنتهي رغم مضي 5 سنوات على رحيله، فما زال الحزن قائمًا والدموع لم تجف بعد وكأن خبر وفاته قد أذيع للتو وليس في 2013، فهل يكمن السر في صوته القوي المتفرد أم الأغنيات المتميزة أم شخصيته البسيطة الآسرة؟