3 عوامل أججت خطاب الكراهية ضد دروز سوريا قبل أن يعززها الأسد

غياب المعرفة الحقيقية حول الجماعات الإثنية تولد صورة نمطية مغلفة بالكراهية، يصعب تغييرها..

بعد الانقلابات العسكرية المتتالية على السلطة في سوريا، ظهر إلى السطح بُعد جديد لتعزيز الانقسامات في المجتمع السوري، فعززت السلطات سياسة “المكون ونقيضه”، بمعنى صراعات ثنائية بين مكونات سورية متجاورة يوجد بينها حساسيات قديمة، تحمل طابعًا دينيًا أو عشائريًا وثأريًا أو طابعًا قوميًا وعرقيًا.

نتيجة لهذه السياسة، ازداد خطاب الكراهية في نفوس مختلف المكونات السورية تجاه بعضها البعض، وأسفر عن بعض الأحداث المؤسفة بعد نجاح السلطة السياسية في تفكيك البنية الوطنية إلى حد كبير.

وأسهم غياب المعرفة الحقيقة عن الجماعات الإثنية في زيادة هذا الخطاب، الأمر الذي ولد صورة نمطية مغلفة بالكراهية يصعب تغييرها، خاصة أن سوريا تضم عددًا كبيرًا من المذاهب والطوائف الدينية والقوميات والأعراق المختلفة، في تنوع نادر بمنطقة الشرق الأوسط، تعيش فيما بينها حالة من التشكيك وعدم الثقة عززتها “الشللية الطائفية” أو “المناطقية”، التي أوجدت لها بيئة خصبة للنمو مع بعض الأنظمة السياسية المتلاحقة في سوريا بعد الاستقلال.

ونستعرض في التقرير الثالث من ملف “بني معروف”، الذي نسلط الضوء فيه على مجتمع الدروز في سوريا، بعض العوامل التي عززت من خطاب الكراهية وخلقت حساسيات تجاه طائفة الموحدين.

يعرف عن المجتمع الدرزي تمسكه بكل المناقب العربية الأصيلة، حيث يشكل الدفاع عن الأرض والعرض ركنًا مقدسًا لدى الغالبية العظمى من أبناء الطائفة، ويتسم هذا الدفاع بمبدأ عدم الاعتداء والاكتفاء بالدفاع عن النفس، وهو ما تجلى بوضوح خلال هجمات تنظيم “داعش” على قرى وبلدات ريف السويداء في 25 يوليو/تموز 2018، عندما توحدت القوى والمجموعات المحلية في السويداء لمواجهة الخطر الخارجي.

ومن السمات الأخلاقية المميزة للمجتمع الدرزي هي نصرة من يلجأ إليهم وحمايته، إذ يعتبر الضيف في العرف الدرزي مقدسًا، ومُصانًا وله الأولوية في العُرف، فإطعامه ومساعدته وتأمينه فريضة أدبية، وكان ذلك سببًا في لجوء العديد من المطلوبين والفارين، قديمًا وحديثًا، إلى مناطق الدروز طلبًا للحماية.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك، لجوء قائد الثورة ضد الفرنسيين في الشمال السوري، إبراهيم هنانو، إلى جبل الدروز قبل تأمين خروجه إلى الأردن، وكذلك قضية أدهم خنجر، الذي لجأ إلى الدروز بعد محاولة اغتياله للجنرال الفرنسي غورو، كما حاول الناشط العلوي، أيمن فارس، التوجه إلى السويداء، العام الماضي، بعد ظهوره في مقطع فيديو ينتقد بشار الأسد لكن تم اعتقاله قبل وصوله.

ورغم هذه القيم، يظل هناك بعض الشك والقلق لدى الآخرين ممن لم يتعاملوا مع الدروز أو يزوروا مناطقهم، أو سمعوا عن حوادث فردية تخالف تقاليدهم، وتعود هذه الشكوك إلى 3 عوامل أساسية:

العامل الديني

يعتبر العامل الديني أحد العوامل الأساسية التي ساهمت في انغلاق المجتمع الدرزي على نفسه، فقد واجه الدروز فتاوى تكفيرية وصفتهم بالكفار والخوارج، ما رسخ صورة سلبية عنهم في أوساط دينية مختلفة، تتبنى مبدأ “إذا لم تكن على ديني فأنت كافر”.

تعود جذور هذا العداء إلى القرن الـ11 الميلادي، عندما انفصلت “دعوة التوحيد” الدرزية عن المنظومة الدينية الفاطمية بعد خرق الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله لعادات توريث الخلافة.

أسس الحاكم بأمر الله تعاليم دينية جديدة عبر دعاته الـ5، جمعت بين مقاربات الكتب السماوية والعلوم الدنيوية والفلسفة السائدة آنذاك، ونُشرت الدعوة في بلدان عربية وآسيوية عديدة، وكان أكبر مريديها في بلاد الشام من عرب الجنوب وعرب الشمال (قيسيين ويمانيين) وهم الدروز اليوم.

خلال القرنين الـ13 و14 الميلاديين، انتشرت فتاوى تكفيرية ضد من اعتنق “دعوة التوحيد”، أبرزها فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي وصف الدروز بأنهم “زنادقة مرتدون لا تقبل توبتهم”، قائلًا “كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون، بل من شكّ في كفرهم فهو كافر مثلهم لا هم بمنزلة أهل الكتاب ولا المشركين، بل هم الكفرة الضالون، فلا يباح أكل طعامهم، وتسبى نساؤهم وتؤخذ أموالهم فإنهم زنادقة مرتدون لا تقبل توبتهم، بل يقتلون أينما ثقفوا ويلعنون كما وصفوا، ولا يجوز استخدامهم للحراسة والبوابة والحفاظ، ويجب قتل علمائهم وصلحائهم لئلا يُضلوا غيرهم، ويحرم النوم معهم في بيوتهم ورفقتهم والمشي معهم وتشييع جنائزهم إذا علم موتها، ويحرم على ولاة أمور المسلمين إضاعة ما أمر الله من إقامة الحدود عليهم بأي شيء يراه المقيم لا المقام عليه، والله المستعان وعليه التكلان”.

ساهمت هذه الفتاوى في تعزيز حالة التوجس والكراهية ضد الدروز، ما دفعهم إلى التحصن في الجبال واتخاذ مبدأ الدفاع عن النفس كشعار لهم.

 

في القرن الـ15، ظهرت حركة دينية في الجبال اللبنانية بقيادة الأمير جمال الدين عبد الله التنوخي، الذي سعى إلى ربط تعاليم الديانة الدرزية بالإسلام عبر بناء المساجد وإقامة خطبة الجمعة، بهدف تأصيل الديانة الدرزية القانونية الحقيقية المرتبطة بالإسلام وحماية المجتمع الدرزي.

وفي العقود الأخيرة، صدرت فتاوى من شيوخ الأزهر الشريف في عامي 1959 و1983 بعدم تكفير الدروز، كما أكد بيان مؤتمر القمة الإسلامية الاستثنائي في السعودية عام 2005 على “مكافحة التطرف المتستر بالدين والمذهب، وعدم تكفير أتباع المذاهب الإسلامية”.

ومع ذلك، استمر خطاب التكفير والكراهية في بعض الحالات بالتجسد في أفعال عنيفة. فقد تعرض دروز جبل السماق في إدلب لمذبحة عام 2015 على يد جبهة النصرة، التي أجبرتهم على تغيير معتقداتهم واتباع المنهج السلفي.

كما أظهرت مقاطع فيديو لعناصر تنظيم “داعش” خلال هجومهم على السويداء في صيف 2018 ووصفهم الدروز بأنهم “طائفة نتنة”، ما يشير إلى استغلال الكراهية الدينية من مشغلي التنظيم لتحقيق أهداف سياسية.

العامل الجغرافي

العامل الثاني يرتبط بالجغرافيا، فقد ساهم استقرار الدروز في الجبل في خلق حساسيات مع جيرانهم في سهل حوران وبعض عشائر البدو الرحل، الذين كانوا يأتون إلى الجبل في فصل الربيع لرعاية مواشيهم دون الاستقرار فيه، ما يدل على أن معظم بيوت جبل حوران كانت مهجورة ولا ينقصها سوى الأبواب، ويؤكد أن هذه الحساسيات مردها إلى الصراع على الأرض واختلاف في المذهب.

أثبت الدروز قوتهم ومقاومتهم للسلطات الحاكمة وحققوا انتصارات مهمة ضد القوات المصرية في القرن الـ19، واستطاعوا مقاومة عدة حملات عثمانية كانت تهدف إلى تجنيدهم وسحب سلاحهم وإجبارهم على دفع الضرائب، وهذا ما عزز لدى المحيط فكرة (الخارجين عن القانون والكفار الدروز).

ولعب بعض المفكرين السوريين دورًا كبيرًا في خلق كراهية ضد الدروز، منهم المفكر محمد كرد علي الذي كان نشر ضمن مجلته “المقتبس” عام 1910 مقال بعنوان “جبل الدروز وفتنهم“، حيث وصف ما أسماه “إقليمهم” بأنه “الإقليم الوحيد في سوريا بأسرها الذي أزمنت فيه الفوضى وأحب أهله عيش السلب والنهب والقتل يؤذون من خالفهم”. وقدم الكثير من الاتهامات ضد الدروز واغتصابهم لأراضي ليست لهم من دون التطرق لأدلة تؤكد هذه الاتهامات فأضاف في نفس المقال: “حتى الأطفال الرضع فكانوا يفسخونهم قطعتين”!

ساهمت الاتهامات والافتراءات التي وُجّهت إلى الدروز في تعزيز صورة سلبية عنهم في سوريا، ما أرسى مشاعر الكراهية وعدم الثقة تجاههم، لا سيما في مناطق حوران ودمشق. ومع ذلك، وبفضل الدور الوطني الذي لعبه الدروز، بما في ذلك مشاركتهم في الثورة العربية الكبرى عام 1916 وقيادتهم للثورة السورية الكبرى عام 1925، إضافةً إلى علاقاتهم التجارية الأخلاقية مع حي الميدان في دمشق، تغيرت نظرة الدمشقيين لهم. فقد تحولوا من مصدر خوف واتهامهم بالجرائم وقطع الطرق إلى أبطال في السياسة الوطنية.

العامل السياسي

في أثناء الثورة السورية الكبرى، تزايد التفاعل بين الدروز وبقية المكونات السورية، وظهرت علاقات وطنية قوية معهم، خصوصًا مع حزب الشعب بقيادة عبد الرحمن الشهبندر، ومع قادة الثورة في المناطق الشمالية والساحلية وحماة وغوطة دمشق، وعززت تصريحات سلطان باشا الأطرش هذه العلاقة الوطنية، حيث دعا إلى تحرير كامل سوريا ورفض الانقسام.

خلال فترة الانقلابات العسكرية، تدهورت العلاقات بين الدروز والسلطات السياسية، خاصة خلال ولاية الرئيس أديب الشيشكلي عام 1953، الذي أرسل قواته لاقتحام مدينة السويداء مدعيًا وجود مؤامرة ضده. ولتعزيز هذا الادعاء، اتهم الدروز بالعمالة لصالح “إسرائيل” وعرض أسلحة استولى عليها الجيش السوري من الجبهة مع “إسرائيل”، مدعيًا أنها وُجدت في جبل السويداء.

تعود تهمة العمالة لـ”إسرائيل” إلى عام 1948، عندما قرر دروز فلسطين البقاء في أراضيهم بعد ظهور الكيان الصهيوني، الذي فرض عليهم، كما على جميع العرب هناك، شروطًا مثل التجنيس والتجنيد.

في سياق تعزيز خطاب الكراهية ضد الدروز، استخدمت الأنظمة العسكرية تهمة العمالة لـ”إسرائيل” كوسيلة للتشهير. وقد استغل حافظ الأسد وصلاح جديد هذه التهمة بعد محاولة انقلاب الضابط سليم حاطوم، حيث انتقموا من الضباط والسياسيين الدروز بتوقيفهم وإبعادهم عن السلطة.

بعد حرب يونيو/حزيران 1967، نشر النظام إشاعات تفيد بأن الدروز أرشدوا الطائرات الإسرائيلية لضرب أهداف سوريّة، رغم عدم تأكيد هذه الرواية بشكل رسمي. وللحقيقة، أظهر مقطع فيديو نشره صحفي إسرائيلي في عام 2020 وجود قطع عسكرية سورية وآليات على الجبهة مع “إسرائيل” بقيت دون تحريك، ما يشير إلى وجود أوامر عليا بعدم القتال والانسحاب من الجولان والقنيطرة.

أدت الشائعات التي أطلقها النظام إلى تعزيز خطاب الكراهية ضد الدروز، حيث تحولت التهم الجديدة مثل الخيانة والعمالة إلى سلاح ضدهم، بعد أن كانت تهمة الكفر هي الأكثر شيوعًا.

يشير منصور سلطان الأطرش في كتابه “الجيل المدان” إلى أن هذه التهمة انتشرت بسرعة من جنوب البلاد إلى شمالها وصدّقها العديد من السوريين، حتى إن بعض العائلات الدرزية غادرت حي المجتهد في دمشق، وعادت عائلات أخرى إلى الجبل بعد أن أصبحت الاتهامات بالخيانة شائعة.

كما ظهرت مشكلات عديدة في حي التضامن الدمشقي، الذي يضم دروزًا وفلسطينيين. وقد وصلت تأثيرات هذه الشائعات إلى عامة الناس، حيث قام أحد العسكريين في قطنا بريف دمشق بإطلاق النار على عبد الكريم الحلبي، الذي كان يذهب للسؤال عن مصير ابنه، وعندما علم العسكري بأنه درزي، لم يتردد في قتله.

ختامًا، تعرض الدروز على مر تاريخهم الطويل لخطاب كراهية استند إلى الاختلافات المذهبية والطائفية والتوزيع الجغرافي. لاحقًا، تعزز هذا الخطاب لأغراض سياسية تهدف إلى تفكيك الروابط بين مكونات المجتمع السوري وتغييب أي دور وطني لهذه المكونات، وكانت هذه السياسة تهدف إلى تعزيز الانقسام والصراع داخل المجتمع السوري وإبقائه في حالة من التشتت والتخبط، موجهًا بحسب النزعات الدينية أو القومية أو العرقية، لضمان بقاء السلطة مركزة في يد مجموعة صغيرة ذات طابع عصبي.