تحالفات متناحرة في العراق.. فماذا سينتج منها؟

1526836925754055700_379487_highres

الانتخابات البرلمانية في العراق التي جرت في (12) من الشهر الجاري امتازت بالعزوف الشعبي الواضح وبالذات في مدن الجنوب، ورغم هذه المشاركة الضعيفة فإن مفوضية الانتخابات- التي أثير الكثير من اللغط حول أدائها الهش- أعلنت نتائج الانتخابات بعد (أسبوع كامل) على الرغم من وجود أجهزة العد والفرز التي كلفت ميزانية الدولة العراقية أكثر من (100) مليون دولار، والتي قيل أنها ستظهر النتائج خلال ساعات.

عموماً انتهت الانتخابات، وكانت كتلة التيار الصدري ( التابعة لمقتدى الصدر) ومن تحالف معها هي المفاجئة الكبرى بعد حصولهم على (54) مقعداً وتلاها تحالف الفتح بزعامة هادي العمري أمين عام منظمة بدر بـ(47) مقعداً، ثم كتلة رئيس الحكومة الحالية حيدر العبادي بـ(43) مقعداً، وينبغي التذكير أن التيار الصدري لم يفز بهذا العدد من المقاعد إلا بعد التحالف مع أطراف مدنية أخرى، بما فيها الحزب الشيوعي العراقي.

اليوم وبعد ظهور النتائج غير الرسمية للانتخابات بدأت الجولات المكوكية بين القوى الفائزة لتشكيل تحالف قادر على تخطي عتبة الـ (165) مقعداً من مجموع 328 مقعداً – لتشكيل الحكومة العراقية القادمة!

القراءة الدقيقة للمشهد السياسي القائم في العراق اليوم تؤكد أنه لا أحد يمكنه التنبؤ بشكل الحكومة القادمة؛ وذلك لسبب بسيط ودقيق، وهو أن القرار العراقي غير حر؛ وعليه تبقى الاملاءات الخارجية والمصالح الأمنية والإستراتيجيات الغريبة للقوى الأجنبية الفاعلة في المشهد العراقي هي المتحكم الأبرز في شكل الحكومة القادمة؛ ولذلك ستبقى مثل هذه الحكومات غير الحرة غير ملبية لطموحات المواطنين والوطن؛ وعليه يبقى الحديث عن التحالفات المستقبلية القادرة على تشكيل حكومة بغداد المقبلة، مجرد توقعات قابلة للصحة والخطأ، وبالمجمل يمكن النظر لشكل التحالفات المتوقعة لترتيب الحكومة على النحو الآتي:

مقتدى الصدر ليس أياد علاوي؛ وعليه يمكن أن يقلب التيار الصدري الطاولة على الجميع – إن تم استبعداه من تشكيل الحكومة

التحالف الأول المتوقع: إعادة إحياء التحالف ( أو الائتلاف) الوطني الشيعي، وهذا التحالف يضم قوائم الصدر والعامري والعبادي والمالكي والحكمة، والشخصيات والكيانات الأخرى المنتمية للتحالف، وهذا بتقديري سيكون أقوى التحالفات، وحينها يمكنهم أن يذهبوا إلى حكومة الأغلبية السياسية التي تحدث عنها نوري المالكي نائب رئيس الجمهورية بأريحية كبيرة؛ وهذا لا يمكن أن يكون إلا بقرار إيراني صرف، وعلى أعلى المستويات، واليوم – ربما- طهران لا تمتلك القدرة الكافية للتأثير على كافة الأطرف الشيعية كما كان بعد العام 2003؛ لتغير الكثير من المعطيات على أرض الواقع.

التحالف الثاني المتوقع، يضم التيار الصدري والعبادي والعامري والحكمة – يبقى بحاجة لمقعدين فقط-، وهذا التحالف يكفي لتشكيل الحكومة، لكن المشكلة في هذا التحالف أن الصدر يشترط على العبادي أن يعلن استقالته من حزب الدعوة، وهذا الشرط لا يوافق عليه العبادي وبهذا فإن هذا التحالف أظنه سيولد ميتاً!

وهذا التحالف يمكن أن يكتب له النجاح إن تخلى الصدر عن شروطه المتعلقة بالمالكي، والتي لم يذكرها التيار الصدري بصورة رسمية وإنما هي في الغالب تسريبات من أطراف مقربة من الطرفين!

 التحالف الثالث المتوقع، سيكون بعيداً عن التيار الصدري، ويمكن أن يكون بين العبادي والمالكي والعامري والحكمة وصادقون (عصائب أهل الحق)، والحزب الديمقراطي الكردستاني- إن ضمن مكاسب حقيقية للكرد من حزب الدعوة الحاكم- ، وهذا التحالف يمكن أن يكون الأقوى، ويمتلك القدرة على تشكيل الحكومة، لكن ربما الإشكالية الكبرى هنا أن التيار الصدري لن يقبل بغير تشكيل الحكومة، أو تشكيل حكومة وفقاً لتوافق ما يتم بحضوره، وعليه قضية استبعاد التيار الصدري من الحكومة قضية معقدة، وربما يمكن أن تدخل البلاد في نفق مظلم.

الحكومة العراقية القادمة ستتشكل بصورة تضمن مصالح إيران أولاً، وأمريكا ثانياً، وبخلافه فإن البلاد ستسير إلى دائرة الحرب الأهلية

لأن الكتلة الأكبر التي فسرتها المحكمة الاتحادية – في انتخابات العام 2010- بأنها التي تتشكل بعد نتائج الانتخابات، وتم حينها حرمان أياد علاوي من تشكيل الحكومة، أقول بالمختصر إن مقتدى الصدر ليس أياد علاوي؛ وعليه يمكن أن يقلب التيار الصدري الطاولة على الجميع – إن تم استبعداه من تشكيل الحكومة- وهذا ما لا تريده إيران والولايات المتحدة على اعتبار أن مصالحهما في بقاء الهدوء النسبي في المشهد العراقي، ولذلك يمكن أن يعيد التاريخ نفسه في بغداد، ونشهد توافقاً بين طهران وواشنطن تماما كما حصل في العام 2014، واتفقا على إزاحة نوري المالكي بحيدر العبادي حينها.

أما التحالفات الأخرى (الكردية والسنية) فهي في الغالب لا تمتلك مقاعد كثيرة، أو بينها تناحر واضح؛ وكذلك لأن الكثير من هذه القوى لديها اتفاقات علنية وسرية مع القوى الفاعلة، وبالذات مع حيدر العبادي وهادي العامري، وبالمحصلة لا يمكن النظر إليها على أنها يمكن أن تشكل تحالفاً ما.

وبالمجمل وبعيداً عن شكل التحالف المرتقب القادر على تشكيل الحكومة يمكن اختزال الكلام بأن الحكومة العراقية القادمة ستتشكل بصورة تضمن مصالح إيران أولاً، وأمريكا ثانياً، وبخلافه فإن البلاد ستسير إلى دائرة الحرب الأهلية التي تحدث عنها نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي؛ وحينها سيعود العراق إلى مراحل الفوضى العارمة في عموم المحافظات؛ وبالذات مع وفرة السلاح غير القانوني لدى أطراف فاعلة في الساحة.

أخيراً، وبعيداً عن كل التوقعات فإن كل الاحتمالات قائمة، ويبقى اللاعب الإقليمي والدولي هما الفيصل في شكل ونوع الحكومة العراقية المقبلة!