وقعت المملكة المغربية والاتحاد الأوروبي بالأحرف الأولى، الثلاثاء الماضي، اتفاق الصيد البحري الجديد بين الجانبين، وذلك بعد خمس جولات من المفاوضات استمرت بضعة أشهر، اتفاق جديد يحمل في طياته فوائد اقتصادية مهمة للمملكة، كما أنه يمثّل وفقًا للمغاربة انتصارًا سياسيًا لدولتهم على حساب جبهة البوليساريو الانفصالية.
مكاسب اقتصادية
هذه الاتفاقية الجديدة نصّت على رفع العائد الإجمالي لها، حيث سترتفع في غضون الأربع سنوات المقبلة من 37 إلى 42 مليون يورو سنويًا، مقابل 40 مليون يورو في الاتفاقية السابقة، كما يُضاف إلى ذلك المبالغ التي يدفعها مالكو السفن على مدى تدريجي من 11.1 إلى 12.7 مليون يورو، على أساس أن تتم زيادة كميات الصيد المرصودة من 85 ألف طن إلى 100 ألف طن سنويًا من الأسماك الصغيرة السطحية، إضافة إلى 7000 طن سنويًا من أسماك أعماق البحر.
ارتفاع العائدات المالية للاتفاقية
هذا الاتفاق سيسمح لـ128 سفينة صيد أوروبية (80% منها إسبانية) ترفع علم أكثر من عشر دول (إسبانيا والبرتغال وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وليتوانيا ولاتفيا وهولندا وإيرلندا وبولونيا) بالوصول إلى المياه الأطلسية للمغرب، حيث تمّت تقوية المتطلبات التقنية، كما تضمن الاتفاق زيادة في عدد البحارة المغاربة على متن السفن.
وكان المغرب والاتحاد الأوروبي قد اختتما، يوم الجمعة الماضي، الجولة الخامسة من المفاوضات لتجديد اتفاقية الصيد البحري، بعدما كانت المفاوضات قد بدأت في 19 من أبريل/نيسان الماضي في الرباط، وباتت هذه الشراكة اليوم تحتفل بذكراها الثلاثين.
وأشارت المفوضية الأوروبية في الرباط إلى أن الجولة الخامسة من المفاوضات التي عقدت الأسبوع الماضي، سمحت بالاتفاق على جميع الأحكام والتحسينات في النصوص القانونية وكذلك رفع منافع السكان المحليين في المناطق المعنية.
هذا الانتصار السياسي يعود إلى اعتبار الاتفاق الجديد منطقة الصحراء المتنازع بشأنها مع جبهة البوليساريو، جزء من السيادة المغربية
وكانت اتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي قد انتهت في الـ14 من يوليو/تموز الحاليّ بعد أن استمرت لمدة أربع سنوات، ومنذ ليلة انتهاء سريان الاتفاقية غادرت سفن الصيد التابعة للاتحاد المياه المغربية.
يعتبر الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول للمملكة المغربية، حيث تمثل صادرات المملكة إليه 77% من مجمل صادراتها، كما تربطها عدة اتفاقيات كبيرة مع الاتحاد في مجالي الزراعة والصناعة، إضافة إلى اتفاق للتبادل الحر، ويبلغ حجم استثمارات الاتحاد الأوروبي القائمة حاليًّا في المغرب نحو 2.1 مليار يورو.
انتصار سياسي
إضافة لما تحقق من الناحية الاقتصادية، فقد انتزع المغرب انتصارًا سياسيًا مهمًا، حيث خرجت الرباط منتصرة من اتفاق الصيد الجديد الذي تم توقيعه في العاصمة الرباط، في حين تلقت طموحات جبهة البوليساريو الانفصالية، ضربة لمشروعها الرامي إلى منع استغلال بر وبحر المنطقة الجنوبية للمغرب باعتبارها منطقة متنازعًا عليها.
هذا الانتصار السياسي، يعود إلى اعتبار الاتفاق الجديد منطقة الصحراء المتنازع عليها مع جبهة البوليساريو الانفصالية، جزء من السيادة المغربية، ما خلف غضبًا لدى الجبهة الانفصالية، ويمثّل ذلك عودة إلى الاتفاقات السابقة بين الرباط وبروكسيل بعد توقف للاتفاقية بسبب قرار للمحكمة الأوروبية.
سبق للمملكة المغربية أن قرّرت وقف اتصالاتها مع الاتحاد الأوروبي
وأقر مجلس وزراء الشؤون الخارجية للبلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، الإثنين، ببروكسل، قراره بملاءمة اتفاق الشراكة والاتفاق الفلاحي مع المملكة بشكل يدمج، صراحة الصحراء المغربية، ضمن مجالات الصيد.
وجاء هذا الاتفاق، في الوقت الذي تسعى فيه جبهة البوليساريو إلى استثناء المياه التي تقول إنها تابعة لها من هذه الاتفاقية باعتبار أن الصحراء تحت سيطرتها وتعود إليها، حسب قولهم، فيما تعتبر المملكة الصحراء الغربية جزءًا لا يتجزأ من أراضيها.
ويعطي هذا الاتفاق للمغرب الأحقية والشرعية في تدبير موارد الصحراء المتنازع عليها، باعتباره الجهة المخولة حصرًا التفاوض باسم المنطقة، وفقًا لعدد من الخبراء المغاربة، الأمر الذي ترفضه الجبهة الانفصالية بشدّة، وتصر الرباط على أحقيتها في إقليم الصحراء، وتقترح كحل حكمًا ذاتيًا موسعًا تحت سيادتها، بينما تطالب “البوليساريو” بتنظيم استفتاء لتقرير مصير الإقليم.
تجاوز أزمة صامتة بين الطرفين
تجديد الاتفاق بين الطرفين، كان كفيلاً بنزع فتيل أزمة صامتة بين الرباط وبروكسيل دامت أشهر عدّة، نتيجة قرار المحكمة الأوروبية بتجنيب منطقة الصحراء (متنازع عليها) من أعمال الصيد، الأمر خلف حينها توترًا في العلاقات بين الجانبين، وتهديد المغرب بقطع العلاقات مع الأوروبيين.
ونهاية فبراير الماضي، أصدرت محكمة العدل الأوروبية، قرارًا نهائيًا يعتبر أن اتفاق الصيد البحري بين الاتحاد الأوروبي والمغرب لا ينطبق على الصحراء الغربية، وجاء قرار المحكمة الأوروبية الأخير بناءً على طلب من محكمة بريطانية، تنظر في شكوى بشأن اتفاق الصيد البحري مقدمة من منظمة تدعو إلى الاعتراف بحق تقرير المصير في الصحراء الغربية.
قرر المغرب قبل ثلاث سنوات وقف جميع الاتصالات الرسمية مع الاتحاد الأوروبي
هذا القرار يتماشى مع ما سبق أن أعلنته المحكمة التي دعت في ديسمبر/كانون الأول 2016، إلى استثناء الصحراء من اتفاق للتبادل الحر مع المغرب، واعتبرت المحكمة أن المغرب لا يمكنه ممارسة سيادته “إلا على المياه المحيطة بأراضيه والتابعة لبحره أو منطقته الاقتصادية الخالصة”.
وفي 17 من يناير/كانون الثاني الماضي، دعا المحامي العام الأوروبي ميلشيور واتليت، وهو أحد تسعة مستشارين يقدمون الرأي القانوني للمحكمة الأوروبية، إلى إلغاء الاتفاقية لأنها تتضمن إقليم الصحراء، وكلف وزراء الفلاحة والصيد البحري في دول الاتحاد الأوروبي الـ28، الإثنين الماضي، المفوضية الأوروبية بالتفاوض بشأن تجديد اتفاقية الصيد من جانب دول الاتحاد في المياه الإقليمة المغربية.
وسبق للمملكة المغربية أن قرّرت وقف اتصالاتها مع الاتحاد الأوروبي، رفضًا لقرار المحكمة الأوروبية في ديسمبر 2015، الخاص بإلغاء اتفاق التبادل التجاري الحر لمنتجات الزراعة والصيد، بدعوى شموله منتجات مناطق الصحراء المتنازع عليها بين المغرب وجبهة البوليساريو، حيث قرّر العاهل المغربي محمد السادس في الـ25 من فبراير 2015، وقف جميع الاتصالات الرسمية مع مختلف مرافق الاتحاد.