“إن مصر تعتبر الأقل في الأسعار، والمواطن المصري يستطيع أن يعيش بـ 5 جنيهات(0.3 دولار) في اليوم”.. فجًر هذا التصريح الصادر عن المستشار بهاء أبوشقة، رئيس حزب الوفد المصري (معارض) براكين الغضب داخل نفوس الملايين من المصريين الذين وجهوا سهام نقدهم لرئيس أقدم حزب سياسي في مصر حاليًا.
أبو شقة خلال كلمته في لقاء المراسلين المصريين والأجانب، بمقر حزبه أول أمس الخميس، قال إن سعر كوب القهوة أو الشاي في فرنسا وإنجلترا يعادل 180 جنيهًا مصريًا (10دولار)، بينما سعره ثلاثة جنيهات فقط (0.17 دولار) في مصر، متابعًا: الأسعار في مصر ليست مرتفعة مقارنة بالأسعار في دول عربية أخرى.
لم يكن هذا التصريح الذي يتجاهل الواقع الفعلي جملة وتفصيلا هو الأول من نوعه، ففي الرابع والعشرين من سبتمبر الماضي قال نقيب الصحفيين المصريين عبدالمحسن سلامة : “فى مصر تقدر تاكل بـ 5 جنيه، ومصر تعتبر من أرخص بلاد العالم، ولذلك مصر من أكثر الدول فى العالم مرشحة لجذب الاستثمارات الخارجية”
سلامة خلال مؤتمر نظمته الهيئة القبطية الأمريكية لرموز الجالية المصرية فى نيويورك ونيوجيرسى، بأمريكا على هامش مشاركة السيسي في الدورة الـ 73 للأمم المتحدة أشار إلى أن “الإصلاح الاقتصادى الذى قامت به مصر كان قاسيا لكنه ضرورى والحمد لله مصر تتعافى من آثاره ويكفى توافر العملة الصعبة وكذلك حجم الإنجازات»
تصريحان لم يفصل بينهما سوى 19يومًا فقط، غير أنهما أثارا العديد من التساؤلات، أولا حول سر الجنيهات الخمسة التي تمسك بها كل طرف في تصريحه وما تعنيه من دلالات في ظل الواقع الاقتصادي المتردي الذي أودى بما يقرب من 30 مليون مصري إلى ما دون خط الفقر.
أما التساؤل الثاني وهو الأكثر خطورة فيتعلق بالجهة التي يمثلها صاحبا التصريحين، فالأول هو الحزب المعارض الأكبر في مصر والذي من المفترض أن ينتصر للغلابة ومحدودي الدخل، والثاني نقابة الصحفيين التي كانت على مر التاريخ منبرًا للدفاع عن المصريين ودعمهم للحصول على حقوقهم المسلوبة من قبل الحكومات والأنظمة، وكان دَرَجها (السلالم) حتى وقت قريب ملاذ المقهورين والمتعبين في شتى المجالات.
غياب عن الواقع
لا أحد يعلم على وجه الدقة لماذا اختار أبو شقة وسلامة مبلغ الخمسة جنيهات على وجه التحديد، غير أنه في الواقع أن هذه الفئة هي الأقل في العملة المصرية بعد الجنيه، وفي ذلك رسالة حرص كلاهما على توصيلها بإمكانية العيش في مصر بأقل القليل.
دلالة أخرى تضمنتها تلك التصريحات كونها صدرت أمام إما مراسلين وإعلاميين أجانب كما هو الحال مع رئيس حزب الوفد أو رموز الجالية المصرية في الولايات المتحدة كما هو الحال مع نقيب الصحفيين، وهو ما يشي إلى صورة محددة يسعى كلاهما إلى تصديرها للخارج تتعارض وبشكل واضح مع الواقع الفعلي للشعب المصري.
أبو شقة وإن تراجع عن تصريحاته فيما بعد بزعم أنه كان “يمزح” غير أن وقع ما قاله كان له أسوأ الأثر على نفوس الملايين من الفقراء ومحدودي الدخل، ممن استقر في وجدانهم أنه لا أحد في هذا البلد ينظر إليهم على الإطلاق، في ظل السياسات المتبعة التي تهدف إلى زيادة الفقراء فقرًا والأغناء غنى، وسط تراجع الأمل في تحسن الأوضاع مستقبلا رغم استراتيجيات التسويف المتبعة من الحكومة.
مقولة إن مصر من أرخص بلاد العالم، قد تكون صحيحة إذا كان متوسط الرواتب في مصر هو متوسط الرواتب نفسه في دول الخليج مثلا بعشرات الآلاف من الجنيهات وليس بـ1200جنيه
الكاتب الصحفي عماد صبحي في مقاله المنشور بصحيفة “فيتو” تحت عنوان (جنيهات نقيب الصحفيين الخمسة) استنكر تصريحات سلامة مستهلا حديثه بأن “نقيبنا الكاتب الصحفي عبد المحسن سلامة، رئيس مجلس إدارة “الأهرام”يبدوا أنه لم يرسل منذ فترة طويلة أي “أوفيس بوي” من مكتبه ليشتري له سندوتشين فول وطعمية وكيس طرشي ليتناول وجبة الإفطار مثل باقي عمال مؤسسته الغلابة، ولم يقف منذ فترة على عربات فول المستوقد التي تملأ شوارع مصر في الصباح ليعرف أن الخمسة جنيهات في مصر لم تعد تكفي لشراء سندوتش واحد فول أو طعمية، ولا يعرف أن أقل مبلغ أصبحت تدفعه على عربات فول شوارع مصر هو 20 جنيها”
صبحي دعا نقيب الصحفيين المصريين إلى إجراء حسبة بسيطة على افتراض صحة كلامه جدلا بأن خمسة جنيهات تكفي لتناول وجبة في مصر، قائلا : رب أسرة مكونة من 5 أفراد يأكل 3 وجبات فول وطعمية فقط و”برضو” بـ5 جنيهات كما قال بـ15 جنيها ولا يأكل لحوما ولا أسماك مضروبا في عدد أفراد أسرته الخمسة مضروبا في عدد أيام الشهر 30 يوما لن تكفيه يا سيادة النقيب 2250 جنيها ليعيش على الفول والطعمية فقط طوال الشهر في دولة يتحدثون عن 1200 جنيه حد أدنى لرواتب موظفيها”
وتابع: “أما عن مقولة نقيبنا إن مصر من أرخص بلاد العالم، قد تكون صحيحة إذا كان متوسط الرواتب في مصر هو متوسط الرواتب نفسه في دول الخليج مثلا بعشرات الآلاف من الجنيهات وليس بـ1200جنيه، لكن يا سيدي قارن سعر كيلو اللحمة في أمريكا التي تزورها أو السعودية أو الإمارات أو أي دولة الآن بسعر نفس الكيلو في مصر ثم اضرب السعر في 18 جنيها لتكون المقارنة حقيقية وصادقة”.
وقد تفوق بهاء أبو شقة على عبد المحسن سلامة. عبد المحسن قال إن خمسة جنيهات تكفي لطقة، فنافسه أبو شقة بقوله بل تكفي طقتين؛ غدا وعشا!
وأزيد عليهم بل تكفي فطار وغدا وعشاء ويفيض منها ثلاثة جنيهات لأنها خمسة جنيهات مباركة!— سليم عزوز (@selimazouz1) October 12, 2018
شهدت الأوضاع المعيشية في مصر تراجعًا غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة لاسيما مع دخول قرار تعويم الجنيه حيذ التنفيذ قبل عامين والرضوخ لشروط صندوق النقد الدولي التي ساهمت في إرهاق كاهل محدودي الدخل بالمزيد من الأعباء.
بات مفهوم المعارضة لدى القطاع الأكبر من المصريين مفهوما مجرد المضمون، خارج نطاق التغطية، معارضة مع إيقاف التنفيذ، فيما استقر في يقين الكثيرين أن القوى والأحزاب والكيانات السياسية المعارضة في مصر تم استئناسها بصورة باتت فيها بعض تلك التيارات ملكية أكثر الملك ذاته.
بلغت نسبة المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر 27,8%، ، فيما يقع 30 مليون مواطن تحت خط الفقر وفق الإحصائيات الرسمية للعام الماضي، وأن متوسط دخل الأسرة المصرية يبلغ 45 ألف جنيه سنويًّا، بينما متوسط دخلهم الشهري 3750 جنيهًا، فيما ارتفعت معدلات البطالة إلى 12.5% فضلا عن نسب التضخم المتأرجحة خلال السنوات الأخيرة، وفقًا لتقارير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.
عمليه غسيل مكثفه لمحو آثار تصريحات رئيس حزب الوفد بهاء الدين ابو شقه بأن الخمسه جنيهات كافيه للأفطار والغذاء والعشاء للمواطن المصرى..طبعا هذا التصريح الغير واعى صب الغضب من جموع الشعب على أبو شقه الذى يترأس أيضا اللجنه التشريعيه بمجلس النواب..الطريف ان القيادات تقول كان هزار! pic.twitter.com/qILzFLF6mh
— حمدي حماده..صحفى مصرى..وعضو بنقابه الصحفيين .. (@hamdyhamada1000) October 13, 2018
من الواضح أن كل من رئيس حزب الوفد، الذي طالما أعلن دعمه وتأييده لقرارات الحكومة الحالية، ونقيب الصحفيين المدعوم من النظام والمنفذ لسياساته داخل النقابة وخارجها، حرصا من خلال تلك التصريحات على إيصال صورة محددة للخارج تفيد باستقرار الأوضاع في مصر ونجاح خطط الإصلاح وتفنيد الاتهامات الموجهة بفشل السياسات الحالية رغم الأرقام والإحصائيات الصادرة عن جهات رسمية والتي تفيد بتراجع المستوى المعيشي للمواطنين بصورة غير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث.
معدلات الفقر في مصر تجاوز النسب العالمية خلال العقود الأخيرة
المعارضة.. علامة استفهام
بات مفهوم المعارضة لدى القطاع الأكبر من المصريين مفهوما مجرد المضمون، خارج نطاق التغطية، معارضة مع إيقاف التنفيذ، فيما استقر في يقين الكثيرين أن القوى والأحزاب والكيانات السياسية المعارضة في مصر تم استئناسها بصورة باتت فيها بعض تلك التيارات ملكية أكثر الملك ذاته.
غياب الرؤية ونقص الإمكانيات وتضييق الخناق والخوف من الملاحقات والتودد للنظام بغية الحصول على نصيب من “التورتة” على قائمة الأسباب وراء غياب الدور المنوط بالمعارضة في ظل واقع سياسي ملبد بالغيوم، ومن ثم لم يكن مستغربًا أن تصدر مثل هذه التصريحات من شخص يمثل أقدم حزب سياسي في مصر في الوقت الراهن.
جاءت السنوات الخمس الأخيرة لتزيد الطين بلة، وتحول ما تبقى من أصوات معارضة ربما كان يعول عليها البعض في تحريك المياه الراكدة إلى أبواق تسبح بحمد النظام وتدافع عن سياسات الحكومة
في مصر تكتسي المعارضة بطابع خاص، طابع فرضته الطبيعة الجيوبوليتيكية للدولة، التي فرضت قدرا من الهالة والهيبة على السلطة المركزية الحاكمة ، وأضعفت إلى حد بعيد من أي قوة مناوئة لها، بحيث بدت أي ملمح من ملامح المعارضة وكأنها انتقاص من هيبة الدولة وليس نظامها السياسي فحسب.
بهاء أبوشقة: "المواطن المصري يقدر يعيش بـ5 جنيه في اليوم"
يامتر كيلو البطاطس ب 10 جينه— مي عزام (@mayazzam_) October 12, 2018
وعليه تعاني المعارضة السياسية في مصر حاليا من مأزق مزدوج، طرفه الأول يتمثل في حال الجمود الفكري والحركي الذي يسيطر على طبيعة الأحزاب السياسية المعارضة، والطرف الثاني ممثلا في زيادة الضغط السلطوي والالتفاف على مطالب المعارضة، بشكل جعل من العلاقة بين الطرفين علاقة تبعية أكثر من كونها علاقة أنداد.
ثم جاءت السنوات الخمس الأخيرة لتزيد الطين بلة، وتحول ما تبقى من أصوات معارضة ربما كان يعول عليها البعض في تحريك المياه الراكدة إلى أبواق تسبح بحمد النظام وتدافع عن سياسات الحكومة أكثر من الحكومة نفسها، ليجد المواطن المصري نفسه بين مطرقة نظام يضيق الخناق عليه باسم الإصلاح وسندان معارضة شكلية تحمل الصاجات وتضرب الدفوف للفوز بفتات المكاسب السياسية والاقتصادية.