“نصف حر.. نصف سجين”: حين تتحول أحكام المراقبة والتدابير الاحترازية إلى عقوبات سياسية

hgj

الشاويش: أنت هنا من أمته (منذ متى)، كنت فين الليلة دي؟

ماهر (يقوم بدوره الفنان عادل إمام): مفيش، من المراقبة على هنا على طول

الشاويش: الحكومة شايفه إنك خطر وهتطبق عليك المراقبة المظبوطة (المضبوطة)

ماهر: يعني إيه؟ هبات في قسم الشرطة كل ليلة

الشاويش: أهو اد الميري، لازم تتواجد من 6 مساءًا لـ6 صباحًا في القسم

ماهر: بكرا (غدًا) يعني

الشاويش: من الليلة يا ماهر دي أوامر، وأنا عبد المأمور

(مشهد من فيلم المشبوه للمخرج سمير سيف إنتاج عام 1981)

في مستهل عام 1945 كانت مصر على أعتاب أحداث تاريخية كبيرة، ففي 24 فبراير/ شباط عقد البرلمان المصري جلسته الشهيرة بقيادة رئيس الوزراء حينها أحمد ماهر باشا بإعلان الحرب على دول المحور (ألمانيا وإيطاليا واليابان)، وبينما توجه أحمد باشا ماهر إلى مجلس الشيوخ أُطلق عليه النار وقُتل في الحال، كما في نفس العام انضمت مصر إلى الأمم المتحدة وتم تشريع قانون المراقبة البوليسية.

بهذا القانون القديم الذي يرجع تاريخه لعهد الملك فاروق الأول، ينتظر نشطاء ومعارضون سياسيون مصريون بعد خروجهم من السجن نمطًا جديدًا من الانتهاكات، يستهدف تقييد حرياتهم ومحاصرة تحركاتهم ومشاركتهم السياسية، وضمان إبقائها تحت عين وبصر اﻷجهزة الأمنية. وذلك عن طريق إلزامهم بتنفيذ عقوبة الوضع تحت مراقبة البوليس، والمنصوص عليها بقانون 99 لسنة 1945.

لفترة طويلة ظل تطبيق هذه العقوبة يتم في الأغلب على الجنائيين حتى بدأ التوسع في التطبيق السياسي لعقوبة المراقبة عبر إدراجها ضمن الأحكام الصادرة في قضايا التظاهر والتجمهر والبلطجة بعد 2013 وإلزام المحكوم عليهم بتنفيذ عقوبة المراقبة الشرطية فترة لا تتجاوز 5 سنوات عقب إنهائهم مدة السجن، وهي العقوبة التي طالت عددًا من المعارضين من تيارات سياسية مختلفة.

المراقبة الأمنية.. عقوبة فوق العقوبة

في أواخر الأسبوع الماضي، استحوذ خبرا الإفراج عن الصحفي هشام جعفر، المحبوس احتياطيًا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2015، بتدابير احترازية، وانتهاء فترة حبس الناشط علاء عبد الفتاح وبدء إجراءات إخلاء سبيله، على تفاعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، وانتعشت آمال التمني في أن يتمكنا من تعويضا ما فاتهما خلال سنوات السجن، لكن هذه الآمال سرعان ما تحولت إلى سجن جديد، فآثار فترة الاحتجاز ستظل ماثلة أمام أعين كل منهما في أيامه خارج السجن.   

بال النظام المصري لم يطمئن لشاب مسكون بقضايا الناس، فكان لا بد أن يقيده بحرية مشروطة

طليقًا لكن بحرية منقوصة، خرج الناشط السياسي والمدون المصري المعروف علاء عبدالفتاح، فجر أمس الجمعة، إلى بلاد لا تشبه تلك التي غادرها سجينًا قبل 5 سنوات، بعد إدانته بالتظاهر دون ترخيص احتجاجًا على محاكامات عسكرية لمدنيين أثناء مناقشة مسودة الدستور الحالي للبلاد، لكن بال النظام المصري لم يطمئن لشاب مسكون بقضايا الناس، فكان لا بد أن يقيده بحرية مشروطة.  

اُعتقل عبد الفتاح في نوفمبر/كانون الثاني عام 2013 بتهمة التحريض على التظاهر ضد الدستور أمام مجلس الشورى، وأصدرت محكمة جنايات القاهرة حكمًا ضده بالسجن لمدة 5 سنوات، لكنه سيداوم يوميًا ولخمس سنوات أخرى على زيارة أقسام الشرطة أو المبيت فيها، فتلك حال الحرية وقد ارتدت في مصر – بالنسبة له ولغيره من الكثيرين المفرج عنهم – سجنًا يمتد خارج الزنازين والأسوار.  

لحظة إخلاء سبيل الناشط علاء عبدالفتاح

خَبِر علاء الشهير بـ”التنين البمبي”، وهو سليل أسرة سياسية مناضلة لأجل الحريات، السجن مرات عديدة، لكن اعتقاله الأخير كان في أوج صراع ثورة يناير مع الجيش، وقد فطن شبابها للخديعة التي حيكت، كما كان اعتقاله الأخير الأطول والأقسى، وقد حال دون رؤية والده وهو ينازع المرض قبل أن يُسمح له استثناءًا بوداعه جثمانًا مُسجًّى في أغسطس/آب 2014.

غادر علاء زنزانته، وعاد إلى أهله وبه نبص حياة، لكن وجوهًا أخرى كثيرة ضاعت في غياهب السجون، وأُثقلب بأحكام التأبيد حتى صارت النجاة من محنة السجن في مصر معجزة كبرى، خاصة بعدما تزايدت القضايا المقترنة أحكامها بنظام المراقبة المساوية لحكم السجن في أغلب الأحكام.

التدابير الاحترازية.. الحرية المشروطة

بالتزامن مع الإفراج عن علاء عبدالفتاح، قررت محكمة جنايات القاهرة، برئاسة المستشار حسين قنديل، إخلاء سبيل الصحفي والباحث هشام جعفر، مدير مؤسسة “مدى” للتنمية الإعلامية (غير حكومية/ مقرها القاهرة)، بتدابير احترازية قضائية وأمنية على ذمة التحقيقات في القضية رقم 720 لسنة 2015 حصر أمن دولة، والمتهم فيها بالانضمام إلى جماعة محظورة أُسست على خلاف القانون وتلقي رشوة دولية.  

باتت التدابير الاحترازية  تُمارس بحق النشطاء السياسين في العام الأخير بشكل ملحوظ، على خلاف الأعوام السابقة التي كانت عقوبة التدابير الاحترازية يندُر تضمينها في الأحكام القضائية

كانت أجهزة الأمن قد اقتحمت مقر مؤسسة المدى للتنمية الإعلامية في أكتوب/تشرين الأول 2015، وألقت القبض على جعفر (53 عامًا)، الذي عمل سابقًا رئيساً لتحرير شبكة “إسلام أون لاين” و”أون إسلام”، وكان جعفر قد حاول الترشح لانتخابات نقابة الصحفيين الأخيرة لكن أوراق ترشحه رفضت بسبب مواد قانونية تتطلب تسليمه الأوراق بنفسه.

وتتمثل التدابير الاحترازية في مراجعة المتهم (تسليم نفسه) لقسم الشرطة الذي يسكن في دائرته يوميًا أو بشكل دوري، أو عدم مغادرته المنزل ومتابعته فيه بواسطة فرد أمن من قسم الشرطة، بالإضافة لمنعه من السفر.   

في الأعوام الأخيرة، تحولت التدابير الاحترازية وفترات المراقبة إلى عقوبات سياسية، إذ أنها باتت تُمارس بحق النشطاء السياسين في العام الأخير بشكل ملحوظ، على خلاف الأعوام السابقة التي كانت عقوبة التدابير الاحترازية يندُر تضمينها في الأحكام القضائية.  

كانت المُصورة الصحفية إسراء الطويل أول حالة لمعتقل سياسي يواجه عقوبة “التدابير الاحترازية”؛ بعدما قررت محكمة جنايات القاهرة، في ديسمبر/ كانون الأول عام 2015، إخلاء سبيلها على ذمة التحقيقات التي تجري معها بمعرفة النيابة في قضية “اللجان الالكترونية والإعلامية للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان”، مع اتخاذ تدبير احترازي، يُلزمها بعدم مُغادرة مسكنها، إلا لتلقي العلاج فقط، وذلك تحت حراسة مشددة”.

دعا ذلك عددًا من المنظمات الحقوقية منها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان والجبهة المصرية لحقوق الإنسان والمفوضية المصرية للحقوق والحريات إلى إصدار بيان مشترك طالبوا فيه السلطات المصرية بوقف استخدام عقوبة المراقبة الشرطية والتدابير الاحترازية بالإفراج غير المشروط عن الخاضعين لها.

وبحسب البيان، فإن هذه الإجراءات تُقيد حريات من تطبق عليهم وتضعهم تحت أعين وبصر الأجهزة الأمنية المختلفة، وهو ما يمكن اعتباره امتدادًا لسياسات السلطات المصرية الممنهجة لتطويق حرية الرأي والتعبير، كما تعرب المنظمات عن كامل تضامنها مع الخاضعين لتلك العقوبات والإجراءات التعسفية.  

رغم أن “القضايا السياسية” والمعارضة لا ينطبق عليها أي من قانون “العقوبات الشرطية” إلا أن القضاة في مصر الذين تتهمهم المنظمات الحقوقية الدولية بإصدار أحكام مسيسة، أسرفوا في استخدامها ضد المعارضين السياسيين

يأتي هذا بالتزامن مع الوقت الذي يتوسع فيه القضاء المصري في استبدال الحبس الاحتياطي لنشطاء وصحفيين وحقوقيين بالتدابير الاحترازية، بعد توجيه اتهامات فضفاضة لهم مثل: الانضمام لجماعة أسست على خلاف أحكام القانون ونشر أخبار دون سند أو دليل قاطع، ويظهر ذلك جليًا خلال الشهور السابقة حيث أخضعت السلطات عشرات من المتهمين في قضايا سياسية للتدابير الاحترازية، أبرزهم المحامي الحقوقي عزت غنيم والمتهم في القضية 441 لسنة 2018 حصر أمن دولة عليا، والنشطاء جمال عبد الفتاح وحسن حسين المتهمين في القضية 482 لسنة 2018 حصر أمن دولة، ومنسق حركة 6 أبريل عمرو علي المتهم في قضية تحالف دعم الشرعية.

سجن بعد السجن

تندرج عقوبة المراقبة الشرطية من الناحية القانونية تحت باب قانون “العقوبات التبعية”، والذي ينص في المادة 28 على أن “كل من يحكم عليه بالأشغال الشاقة أو السجن لجناية مخلة بأمن الحكومة أو تزييف نقود أو سرقة أو قتل يجب وضعه بعد انقضاء مدة عقوبته تحت مراقبة البوليس مدة مساوية لمدة عقوبته بدون أن تزيد مدة المراقبة على خمس سنين، ومع ذلك يجوز للقاضي أن يخفض مدة المراقبة أو أن يقضي بعدمها جملة”.

لكن رغم أن “القضايا السياسية” والمعارضة لا ينطبق عليها أي من قانون “العقوبات الشرطية” إلا أن القضاة في مصر الذين تتهمهم المنظمات الحقوقية الدولية بإصدار أحكام مسيسة، أسرفوا في استخدامها ضد المعارضين السياسيين.  

إلقاء عبء تنفيذ عقوبة المراقبة على وزارة الداخلية يؤدي إلى تغليب النظرة الأمنية على طريقة تنفيذ العقوبة، ناهيك عن الإجراءات التعسفية التي تنتهك الحقوق الشخصية

 في الأصل كان رجل شرطة يمر على المراقب في بيته مع دفتر المراقبة ليسجل حضور المتهم، لكن الآن صار العكس هو الواقع، حيث يذهب المحكوم عادة  إلى قسم الشرطة ويبيت إلى صباح اليوم التالي، وتختص المباحث الجنائية بتحديد المكان الذي يقضي فيه المحكوم مدة المراقبة، في بيته أو في أحد الأقسام أو المراكز الشرطية.

وفي رأي حليم حنيش، المحامي في المفوضية المصرية للحقوق والحريات، فالتدابير الاحترازية هي بديل للحبس الاحتياطي، حسبما أشارت المادة 201 في قانون الإجراءات الجنائية، التي لا تحدد نهاية لهذا الإجراء، وفي حالات أخرى تكون عقوبة تكميلية لعقوبة السجن الأصلية، تنتهي بعد عدد محدد من السنوات يُحددها الحُكم الصادر من القاضي. 

ووفقًا لهذه العقوبة، يلتزم المُراقَب بالتواجد في محل الإقامة/المراقبة داخل قسم الشرطة -في أغلب الأحوال- من السادسة مساءً وحتى السادسة صباحًا، وهو ما يسلب المُراقَب غالبية يومه، فإضافة لاحتجازه طوال الليل، يؤدي التعسف السائد في تنفيذ العقوبة لتقييد نشاطه وحركته في المجتمع نهارًا.                                         

ويؤثر الرفض المتكرر في إعطاء إذون التأخير أو الغياب أو المراقبة في البيت، على عدم قيام المُراقَب بمسئوليته تجاه أسرته ويقيد حقه في العمل، ويقف أمام إمكانية سفره وتنقله داخل البلاد، ويساهم في تقليص فرصته في التعلم والتطوير، وهو الأمر الذي يعود بالسلب على إعادة اندماجه في المجتمع، مما يمكن اعتباره تطبيقًا غير عادل لعقوبة لا تواكب التزاماتها التغيرات المعاصرة.

التطور التاريخي لقانون الوضع تحت المراقبة في مصر –  المصدر:  الجبهة المصرية لحقوق الإنسان

من عيوب عقوبة “المراقبة” هي أنها تتم بدون متابعة قضائية، وإنما تتم بواسطة ضباط الشرطة، مما يؤدي إلى سهولة الضغط على المتهم من قبل بعض رجال الشرطة لتحويلهم إلى مرشدين أو مخبرين تحت طائلة التهديد بمخالفة شروط المراقبة، وهو ما قد تؤدي إلى لجوئهم  إلى تلفيق القضايا للأبرياء.   

ومن مخاطر المراقبة أيضًا إجبار بعض المحكومين بها على أداء أعمال النظافة وغيرها من الوظائف الشبيهة داخل المراكز الشرطية، وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي حادث تعرض الناشط السياسي بحركة “6 أبريل” “أحمد ماهر” للإهانة من ضباط شرطة القسم الذي يقضي فيه المراقبة وإجباره على مسح سلالم القسم.

بحسب نص “المادة 29“، فإن مخالفة المحكوم عليه الأحكام المقررة فى القوانين المختصة بتلك المراقبة تستوجب الحكم على مرتكبها بالحبس مدة لا تزيد على سنة واحدة، أمَّا إدانة المحكوم عليه في قضية أخرى، يتم تحويل مدة المراقبة إلى سجن، على سبيل المثال، إذا ارتكب  شخص جريمة جديدة عقوبتها الحبس 10 أعوام، وكان عليه حكم مراقبة 5 أعوام، فإنه سوف يقضي في تلك الحالة 15 عامًا خلف القضبان.

وفي العموم تهدف المراقبة الشرطية لأمرين رئيسين؛ ففي مقابل الحيلولة دون عودة المراقب للنشاط الإجرامى إلا أنها في الوقت ذاته، تعمل على مساعدته على اتباع سلوك المواطن العادي، وهي الرؤية التي تخالفها السياسية العقابية في مصر،

بالإضافة لاجبارها المراقبين علي التواجد في قسم الشرطة دوريًا لعدد من الأيام أسبوعيًا، يؤدي التعسف في تنفيذ التدابير لتقييد نشاطه وحركته في المجتمع نهارًا وفي أغلب أيام الأسبوع

وبحسب تقرير أصدرته الجبهة المصرية لحقوق الإنسان حول عقوبة المراقبة الشرطية فى مصر باعتبارها نمط جديد من الانتهاكات يتعرض له معارضين مصريين على خلفية نشاطهم السياسى، فإن إلقاء عبء تنفيذ عقوبة المراقبة على وزارة الداخلية يؤدي إلى تغليب النظرة الأمنية على طريقة تنفيذ العقوبة، ناهيك عن الإجراءات التعسفية التي تنتهك الحقوق الشخصية

كما تسلب عقوبة المراقبة الشرطية ومثلها التدابير الاحترازية العديد من الحقوق الشخصية للمتهم؛ فبالإضافة لاجبارها المراقبين علي التواجد في قسم الشرطة دوريًا لعدد من الأيام أسبوعيًا، يؤدي التعسف في تنفيذ التدابير لتقييد نشاطه وحركته في المجتمع نهارًا وفي أغلب أيام الأسبوع، وهو ما يؤثر على صعوبة قيام المُراقَب بمسؤولياته الاجتماعية تجاه أسرته ويقيد حقه في العمل، ويقف أمام إمكانية سفره وتنقله داخل البلاد، كما يساهم في تقليص فرصته في التعلم والتطوير. وهو الأمر الذي يعود بالسلب على إعادة اندماجه في المجتمع، مما يمكن اعتباره تطبيقًا غير عادل لعقوبة لا تواكب التزاماتها التغيرات المعاصرة.     

انتقام ما بعد قضاء الأحكام

ما سبق استعراضه يؤكد أن معاناة من نوع آخر تنتظر الناشط علاء عبد الفتاح بعد خروجه من سجنه، وهي المعاناة التي يعيشها بالفعل عدد من النشطاء ومئات من المفرج عنهم، وتتمثل في العقوبة التى تجعلهم مع المخلي سبيلهم بالتدابير الاحترازية عرضة لانتهاكات أخري، تنتهك حقهم في الحياة العادية، وتعوق حقوقهم في العمل أو التحرك أو مواصلة دراستهم، ناهيك عن تقييد حقهم في التعبير عن الرأي.  

أحمد ماهر: “اترفدت من شغل كتير بسبب أني أحمد ماهر؛ الفيش بتاعي مكتوب فيه الجريمة والحُكم، أصحاب الشغل بيخافوا يشغلوني، حياتي وحياة أهلى اتأثرت كتير بسبب ظروف السجن”

من أشهر القضايا التي اقترنت بأحكام المراقبة قضية “أحداث مسجد الفتح” التي حكم فيها على بعض المتهمين بـ”5 سنوات سجن” يقابلها “5 سنوات مراقبة”، كما تضمَّن الحكم الصادر الشهر الماضي في قضية “اعتصام رابعة” وضع جميع المدانين المعاقبين بالسجن لفترات مختلفة، تحت المراقبة الشرطية لمدة 5 سنوات بعد خروجهم من السجن، ومن هؤلاء المصور الصحفي محمود أبوزيد الشهير بـ”شوكان”، الذي اُحتجز في 14 أغسطس/آب عام 2013 أثناء التقاطه صورا لقيام قوات الأمن بفض الاعتصام الذي قُتل خلاله المئات من مؤيدي محمد مرسي. 

“الجبهة المصرية لحقوق الإنسان” سلطت الضوء، في فيلم نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي، على المعاناة التي تنتظر المفرج عنهم سواء بعفو رئاسي او بعد انقضاء مدة حبسهم ، وذلك استنادًا إلى رصد معاناة من سبقوهم، حيث كان أحمد ماهر ومحمد عادل وأحمد دومة من أوائل الذين حُكم عليهم بالمراقبة لأسباب سياسية.

في يناير/كانون الثاني عام 2017، خرج  من الحبس الناشط السياسي أحمد ماهر مؤسس حركة “6 أبريل”،  بعد أن أنهى عقوبة الحبس لمدة 3 سنوات بتهمتي خرق قانون التظاهر والتعدي على قوات الأمن المكلفة بتأمين محكمة عابدين، وفوجيء أصدقاء ماهر أنه لا يزال عليه قضاء فترة مراقبة مدتها 3 سنوات، عليه خلالها أن يبيت يوميًا في قسم الشرطة التابع له، منذ المغرب إلى صباح اليوم التاني. 

لم يكن ماهر يتوقع أن يُطبق موضوع المراقبة كما يراه في الأفلام، فمن وجهة نظره، تنطبق هذه العقوبة تتطبق على “حرامية الشقق والنشالين أو تجَّار مُخدرات على أساس هؤلاء يمارسون جريمتهم ليلاً”، لكنه اكتشف بعد مرور سنتين على قضاء فترة المراقبة، كم الصعوبات والمشقة، على خلاف أوهامه الأولى حول كونها إجراءات روتينية لن تؤثر على حياته، كما كان يعتقد.

“كان المكان حوالي متر في مترين تحت السُّلم، مع وجود كاميرا في الداخل أخرى في الخارج”، يقول ماهر متحدثًا عن مكان احتجازه، ويستعيد وقائع أحد الأيام التي مرت عليه داخل القسم “في أحد ليالي شهر رمضان اضطررت للتأخر عن موعد المراقبة أقل من نصف ساعة بسبب مرض والدتي، لأكتشف بعد وصولي أن الضابط كتب محضرًا يتهمني فيه بالهرب من المُراقبة، وأدخل في قضية جديدة اضطررت على إثرها بالبقاء في الزنزانة حتى تم إحالتي للمُحاكمة التي أخلت سبيلي، وأقرت ببرائتي من التهمة، بعد ثبوت صحة أسباب تأخري عن بدء موعد المُراقبة عشرين دقيقة”.

وفي حديث صحفي آخر لموقع “المنصة“، يقول ماهر “اترفدت من شغل كتير بسبب أني أحمد ماهر؛ الفيش بتاعي مكتوب فيه الجريمة والحُكم، أصحاب الشغل بيخافوا يشغلوني، حياتي وحياة أهلى اتأثرت كتير بسبب ظروف السجن، الي انقطعت عن الوظيفة ومصدر الدخل لثلاث سنوات متصلة، وبعد كده فترة المُراقبة كملت علي”.   

في سبتمبر/أيلول 2016، قررت الدائرة 21 جنايات إرهاب القاهرة إخلاء سبيل الفرة الساخرة بتدابير احترازية، تضمنت منهم تسليم أنفسهم لقسم الشرطة التابعين له لمدة يومين فى الأسبوع بمعدل 3 ساعات فى اليوم

تنتهك هذه العقوبات حق المفرج عنهم في الحياة العادية، فقليلة هي الحريات المتاحة لهم في تحركاتهم، إذ يُدرج اسمهم في قوائم الممنوعين من السفر، ولا يمكن لهم السفر خارج البلاد، ولكن أحيانًا يسمح لهم بالسفر خارج المحافظة المقيم فيها في حال وافقت المباحث لظروف إنسانية، كما تلازمهم هذه العقوبات في كُل الوظائف التي يتقدمون قدم لها سواء في في شركات القطاع الخاصو العام. 

في ديسمبر/كانون الأول 2013، قضت محكمة مصرية بحبس عادل وناشطين سياسيين آخرين، هما أحمد ماهر وأحمد دومة، لمدة 3 سنوات، ليخرج في يناير/كانون الثاني عام 2017، بعدما أنهى عادل فترة مدة عقوبة بالسجن 3 سنوات و33 يومًا، لكن القرار لم يخل من تغريم كل منهم 50 ألف جنيه، والمراقبة لمدة مماثلة.     

أعضاء فرقة أطفال الشوارع الساخرة

وفي تصاعد المناخ المعادي لحرية الإبداع والتعبير في مصر عبر الملاحقة والقبض المتكرر على المبدعين والكتَّاب، حتى وصل إلى درجة مناهضة الضحك بالقبض على فرقة “أطفال الشوارع” في 9 مايو 2016، ووُجهت إليهم تُهم تندرج تحت بنود “قانون الإرهاب”، في محاولة تستهدف منع الضحك وما يتبعها من حرية التعبير الفني بشكل خاص والتعبير عن الرأي بشكل عام في مصر.  

بعد 5 أشهر، وتحديدًا في سبتمبر/أيلول 2016، قررت الدائرة 21 جنايات إرهاب القاهرة إخلاء سبيل الفرة الساخرة بتدابير احترازية، تضمنت منهم تسليم أنفسهم لقسم الشرطة التابعين له لمدة يومين فى الأسبوع بمعدل 3 ساعات فى اليوم، إلى أن أُلغيت هذه التدابير المتخذة بحقهم بعد أكثر من عام، وهكذا أصبح وضع المدافعين عن حقوق الإنسان في مصر، إذ يُحاكمون بقانون من العهد الملكي في القرن الـ21.

وفي مصر التي خرج إليها اليوم علاء رئيس استقوى وسيعدل الدستور ليبقى حاكمًا للأبد، وفيها قضاء ينصب المشانق يصدر الأحكام الجائرة، وبها جزر مصرية وُهبت لغير أهلها، وأصوات خائفة تتحدث همسًا “اطمن أنت مش لوحدك”، وتكتب سرًا أو علنًا عن أسماء المختفين والهاربين إلى المنافي.