الجانب المؤلم لحياة أبطال الرياضة بعد خفوت نجمهم

كثيرًا ما يُقال إن نجوم الرياضة يموتون مرتين، المرة الأولى عند التقاعد حينما تنطفئ أضواء الشهرة وتتجاهلهم عناوين الصحف، ليبقى الفراغ وحده في استقبالهم بعد سنوات طويلة من النجاحات الطنانة واستحقاق الألقاب وتحطيم الأرقام القياسية والوصول إلى أكبر عدد من الانتصارات، وذلك مقابل العديد من التضحيات الشخصية، فماذا يفعل هؤلاء الرياضيون عندما تهدأ هتافات المشجعين وينتهي كل هذا المجد؟
ما الذي ينتظر نجوم الرياضة بعد التقاعد؟
حين يقدم الرياضيون المحترفون أداءً أو لعبة بآلاف أو ملايين الدولارات، ويرتدون قمصانًا مزينة بأسمائهم وعلاماتهم التجارية، ويأتي وقت التقاعد، فإنهم يواجهون العديد من التحديات المادية والعاطفية، لا سيما لو أُجبِر بعضهم على خوض هذه التجربة في سن مبكرة جدًا، فقد بينت دراسة قديمة لعام 2010، أن 41% من المتقاعدين أُوقِفوا عن العمل في وقتٍ مبكر عما كانوا يتوقعون، لثلاثة أسباب: تدهور الحالة الصحية أو الحاجة إلى رعاية أحد أفراد الأسرة أو بسبب إغلاق الشركة الممولة.
ربما لا تركز كاميرات الإعلام على هذا الجانب، وفي المقابل تجذب أعيننا وأذهاننا إلى الجانب المشرق المليء بالامتيازات والحياة الصاخبة المليئة بالنجاحات، لكن لكل مهنة رياضية تاريخ انتهاء صلاحية ولكل لعبة آخر، وقد يكون استيعاب هذه الحقيقة أمرًا صعبًا لكن لا مفر منه، فالألم الناجم عن انتهاء هذه التجربة، ليس بسبب فقدان المهنة بقدر ما هو ناتج عن فقدان الهوية أو الذات.
ونظرًا لذلك، لا يمكن تجاهل عملية التخطيط للتقاعد ولا حتى بالنسبة لأكثر الرياضيين مهارةً، فهناك جانب مظلم للتقاعد يشمل الاكتئاب والإدمان وحتى الانتحار، فالمسائل المالية والضغوط النفسية التي تنتظرهم تتطلب منهم إدارة أفضل للوقت ولعاداتهم اليومية، وذلك عكس ما يتم تصويره عادةً في كثير من الأحيان على أن التقاعد هو الوقت المثالي للسير لمسافات طويلة على الشاطئ أو حضور المناسبات العائلية والقراءة.
تؤكد لاعبة الجمباز الأولمبي شانون ميلر حتمية هذه الحقيقة، فتقول: “لم أكن أعرف كيف أكون شخصًا عاديًا”، إذ كانت قبل التقاعد تتناول 6 وجبات يوميًا لأنها كانت تحرقها في صالة الألعاب الرياضية، وبمجرد أن تقاعدت، بدأت في قضاء الكثير من الوقت أمام التلفاز إلى أن لاحظت أنها ترتدي ملابس بمقاييس كبيرة، أضعاف مما كانت عليه من قبل، والمشكلة ليست بشكلها الخارجي، وإنما بعدم قدرتها على الانتقال إلى المرحلة الجديدة.
ما يحدث مع الرياضيين أنهم ينسون من هم، فقد وقعوا في أفخاخ التدريب الطويل والمباريات والمنافسات المتتالية، حتى نسوا من يكونون دون هذه الممارسات
فإذا أردنا تصور أسلوب حياتها السابق، فسنرى شخصًا يحاول أن يتنافس مع ذاته وإمكاناته وكل خلية في جسده وعاطفته ليهزم خصمه ويحقق أكبر فوز ممكن، وحين يتوقف كل شيء فجأة، ولا يعد هناك أي تدريبات أو استعدادات أو مباريات بعد انقضاء عقد أو عقدين على هذا الحال، يبدو الأمر وكأنها تلقت صفعة على الوجه، لتقف وتقول: “ماذا الآن؟ ماذا بعد؟”، لتدرك أن ذلك الفصل من حياتها انتهى.
وهذا ما يحدث مع الرياضيين، ينسون من هم، فقد وقعوا في أفخاخ التدريب الطويل والمباريات والمنافسات المتتالية، حتى نسوا من يكونون دون هذه الممارسات، إذ يفسر لنا عالم النفس الرياضي بجامعة ميتشيغان الحكومية سكوت جولدمان، قائلًا: “مقدار الوقت والجهد والطاقة الذي يبذله الرياضي في تدريباته يتجاوز أي شيء آخر قام به طوال حياته”، وبالتالي يصبح مفهومه عن ذاته محصورًا بهذه الرياضة وتدريباتها ومواعيدها ونظامها الغذائي، وأي إخفاق أو نجاح يخص مسيرته الرياضية فهو يعرفه كشخص وليس كرياضي وهنا تبدأ أزمة فقدان الهوية.
المشكلة لا تكمن بحب الرياضة والشغف بها، وإنما بالتفاني وربط الأداء الرياضي بالتقدير الذاتي، فلا بد من توازن مناسب ومحسوب تجنبًا لهذه الأزمة
تصف نجمة كرة السلة المعتزلة شاميك هولسكلاو، في جامعة تينيسي هذه التجربة في فيلمها الوثائقي “العقل/اللعبة”، فتقول: “أمر صعب عندما ينتقل الرياضيون إلى هذه المرحلة، لقد اعتدتُ الاندفاع وهتافات المشجعين والسفر الدائم، وعندما تبدأ الأمور في التباطؤ ولا تحصل على دفعة الأدرينالين ولا تضيء الشعلة التنافسية، تبدأ بإقناع عقلك بأن تلك لم تعد هويتك”.
جدير بالذكر أن المشكلة لا تكمن بحب الرياضة والشغف بها، وإنما بالتفاني وربط الأداء الرياضي بالتقدير الذاتي، فلا بد من توازن مناسب ومحسوب تجنبًا لهذه الأزمة، فهناك قصص لا حصر لها عن اكتئاب الرياضيين، وقد يكون أشهرها قصة لاعب كرة السلة الشهير مايكل جوردان الذي قرر التقاعد 3 مرات خلال حياته وتراجع في كل مرة بسبب الفراغ الذي غزا حياته الشخصية والمهنية بعد تقاعده.
في المقابل، لا تنطبق هذه الحالة على جميع الرياضيين، فهناك استثناءات مثل نجمة التنس مارتينا نافراتيلوفا التي نجحت في العثور على شغف خارج الملعب والبطولات الكبرى وكان لا يزال بإمكانها تلبية رغباتها التنافسية من خلال ألعاب جديدة ودون مقارنة أدائها الحاليّ بالطريقة التي اعتادت اللعب بها عندما كانت أصغر سنًا، والسبب في انتقالها بهذه السلاسة بعيدًا عن دائرة الضوء والحشود أنها لم تحدد ذاتها من خلال لعبة التنس فقط.
خسائر صحية مؤلمة.. هل كان الأمر يستحق كل هذا العناء؟
إذا نظرنا من بعيد على حياة الرياضيين، نرى مجموعة من الأشخاص الذين تدور حياتهم حول رياضة معينة ويفكرون فيما يأكلونه في جميع الأوقات ويحاولون الموازنة بين ساعات الراحة والتمرين بشكل صحيح ودقيق، ونادرًا ما نتذكر أنه في سن معينة، غالبًا سن الـ33، تضعف قدراتهم وينخفض أداءهم وتصبح احتمالية إصابتهم أكبر وأكثر إيلامًا وإيذاءً مما نعتقد، فكلما طال عمر هذه المهنة، أصبحت نهايتها أصعب.
فكما تحدثنا سابقًا، فإن خروج الرياضيين عن روتينهم وعاداتهم القديمة وفقدانهم العضلات وتعاملهم مع زيادة الوزن والكسل والفوضى في جدولهم اليومي، ليس أمرًا بسيطًا ويقود إلى نتائج غير مبشرة، فقد أظهر استطلاع جديد للرأي أن أكثر من نصف الرياضيين المحترفين السابقين لديهم مخاوف بشأن صحتهم العقلية أو العاطفية منذ تقاعدهم. كما وجدت دراسة أجراها اتحاد لاعبي كرة القدم في العالم أن 39% من المحترفين السابقين يعانون من مشاكل الصحة العقلية، وأفاد 32% منهم أنهم طوروا عادات غير صحية.
فاز كولمان بلقب “السيد أولمبيا” 8 مرات متتالية وحينما توقف عن المنافسة بعد بضع سنوات بدأ يعاني من إصابات مزمنة في أسفل ظهره والوركين اللذين تم استبدالهما لاحقًا
لكن لسوء الحظ، هناك المزيد من الأخبار غير السارة، أبرزها ما عرضه لنا بطل كمال الأجسام روني كولمان، في فيلمه الوثائقي الذي يتحدث فيه عن تأثير هذه الرياضة التي مارسها لـ10 أعوام على صحته وكيف حقق “الملك” – كما يُلقب – 8 انتصارات أولمبية، فنحدق في المشاهد التي تركز على عضلات كولمان الضخمة والمثالية وتعرض لنا ذروات نجاحه في البطولات الدولية وأوصاف أصدقائه وزملائه له، “الرجل غير الطبيعي الذي لا يمكن استيعاب مظهره أو مضاهته”، فلقد كان قويًا وضخمًا ولن يأتي أحد مثله، فإن كان كولمان كذلك بالفعل، فلماذا يمشي حاليًّا على عكازين؟
فاز كولمان بلقب “السيد أولمبيا” 8 مرات متتالية وحينما توقف عن المنافسة بعد بضع سنوات بدأ يعاني من إصابات مزمنة في أسفل ظهره والوركين اللذين تم استبدالهما لاحقًا، وفي إحدى المقابلات الصحفية اعترف كولمان بخوفه من عدم القدرة على المشي مجددًا، ومع ذلك انتهى بخوض 10 عمليات جراحية، كل عملية كلفت ما بين 300 ألف إلى 500 ألف دولار أمريكي.
يوضح اختصاصي طبي في الفيلم الوثائقي، أن إصرار كولمان على حمل أوزان ثقيلة جدًا، زاد الضغط على جسمه ولم يتقبل قدرات جسمه التي تستوعب حدًا معينًا من الأثقال والأوزان والتدريبات، ولذلك انتهى به الأمر محتجزًا في المستشفيات بين الأطباء والأدوية.
الأمر نفسه ينطبق على حالة الملاكم الشهير محمد علي كلاي الذي احترف هذه الرياضة لسنوات عديدة إلى أن لاحظ المراقبون علامات التدهور العصبي عليه الذي انتهى بإصابته بمرض باركنسون، ومع ذلك لم يتمكن علماء الأعصاب من التأكيد بشكل قاطع ما إذا كان للملاكمة علاقة بإصابته بالرعاش ولكنهم قالوا إن تلقي الصدمات والضربات على الرأس تزيد من احتمالية الإصابة، حيث قال الرئيس التنفيذي لمؤسسة مايكل جيه فوكس لأبحاث باركنسون، تود شير: “من الصعب للغاية الإشارة في أي حالة فردية تقريبًا إلى أسباب مرض باركنسون، لكن هناك بيانات مقنعة إلى حد كبير مفادها أن إصابة الرأس يمكن أن تزيد من خطر الإصابة بالمرض”.
في المقابل قال طبيب آخر، جون تروجانوفسكي، اختصاصي أعصاب في جامعة بنسلفانيا، إنه من المحتمل جدًا أن تكون الإصابة بمرض باركنسون، نتيجته الملاكمة والإصابات المتكررة في الدماغ التي تمهد الطريق للانتكاس العصبي المبكر، ما يعني أن الصورة الذهبية التي تروج لها وسائل الإعلام عن حياة نجوم الرياضة ليست باللمعان الذي نتصوره، فلكل حقيقة وجهان ولكل نجاح ثمن يدفعه الأبطال في النهاية.