بعد عقود من النهج القائم على سيطرة مركزية لنظام الأسد على مفاصل الاقتصاد السوري، قد يفتح إسقاطه أبوابًا كبيرة من المستجدات في الساحة الاقتصادية بالبلاد، لا سيما بعد سنوات من التدهور الذي وصل في أيام الأسد الأخيرة إلى حافة الانهيار.
كان نظام الأسد يفرض ضوابط صارمة جدًّا على سوق الواردات والصادرات، ويُطالب التجار بالحصول على تصاريح وأذونات وضوابط خاصة للاستيراد، بينها إيداع الليرة السورية في المصرف المركزي مقابل الحصول على دولارات، الأمر الذي يغلق السوق ويؤطرها بمصالح المتنفذين المرتبطين بالنظام، ويتسبّب في تأخيرات ويؤدي إلى نقص السلع الأساسية وارتفاع أسعارها.
وفي إشارة صريحة إلى التوجهات الاقتصادية الجديدة، قال باسل الحموي رئيس غرفة تجارة دمشق، إن الحكومة السورية الجديدة أبلغت رجال أعمال أنها بصدد تبنّي نموذج السوق الحر، ودمج سوريا مع الاقتصاد العالمي، الأمر الذي تلقّاه رجال أعمال بالترحيب والتفاؤل في أن يكون الاقتصاد مفتوحًا للاستثمارات، بعد عقود من الخنق وتحكم النظام التام به من خلال مجموعة من رجال الأعمال المقربين من الأسد.
وجاءت تصريحات الحموي بعد اجتماع عقدته الغرفة مع وفد حكومي برئاسة وزير الاقتصاد في حكومة الإنقاذ السورية باسل عبد العزيز، الذي أبلغ الحموي بأن النظام الذي كان معمولًا به في الجمارك سيتوقف، وهو ما يلبّي مطلبًا رئيسيًا للتجار ورجال الصناعة. وأضاف: “كل إنسان مسجّل في الغرفة، يمكن يستورد السلعة التي يريدها ويطرحها في الأسواق ضمن نظام محدد”.
ما هو اقتصاد السوق الحر؟
ويُعرف اقتصاد السوق الحر بأنه نظام اقتصادي يقوم على حرية العرض والطلب في تحديد أسعار السلع دون تدخل مباشر من الحكومة، فهو بالتالي واحد من نماذج الاقتصاد الرأسمالي، الذي تتم فيه عمليات الاستيراد والتصدير والتجارة بناءً على طلبات وتفضيلات المستهلكين.
ويقوم اقتصاد السوق الحر عادةً على مبدأ “السوق يسعّر نفسه بنفسه”، وفقًا للخبير والمحلل الاقتصادي فراس شعبو، وهذا ما يخلق منافسة اقتصادية بين الشركات والتجار، ورفع مستوى “الابتكار” في تقديم المنتجات وتقديمها بأسعار وعروض بغرض جني أرباح أكثر، ما يعود بالفائدة بشكل طردي على المستهلكين، الذين يجدون أنفسهم في مثل هذا النظام الاقتصادي أمام خيارات متعددة وكثيرة.
كما يؤدي اعتماد مبدأ اقتصاد السوق الحر، حسب ما قاله شعبو لـ”نون بوست”، إلى جعل البلاد سوقًا خصبة للاستثمارات الداخلية والخارجية، إضافة إلى تحقيق “كفاءة اقتصادية” تدفع التجار والشركات إلى رفع جودة الخدمات والسلع بأسعار تنافسية.
وسجّل الناتج المحلي الإجمالي السوري تراجعًا كبيرًا، من 62 مليار دولار في عام 2010 إلى 8 مليارات فقط في عام 2023، بحسب الأمين العام المساعد للأمم المتحدة ومدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية الدكتور عبد الله الدردري، الذي أوضح لصحيفة “الشرق الأوسط” أن الأمم المتحدة أعطت البرنامج الضوء الأخضر لبدء التواصل مع الحكومة المؤقتة السورية الجديدة، تعزيزًا للعمل الإنساني وبدء مسار التعافي لإعادة تفعيل الاقتصاد السوري.
وأشار الدردري إلى أن معدل الفقر ارتفع من نحو 12% عام 2010 إلى أكثر من 90%، فيما بات معدل الفقر الغذائي يتجاوز 65% من السكان، مؤكدًا أن “أمام سوريا مرحلة صعبة”، في ظل التحديات الاقتصادية الكبيرة التي خلّفها الرئيس المخلوع بشار الأسد، مع انهيار شبه كامل للبنية التحتية الاقتصادية وتدمير آلاف المنازل وتشريد الملايين.
كما أن الأسد أضاف إلى سياسة الفساد الاقتصادي خلال 24 عامًا من حكمه، أنه ترك البلاد دون أي خزينة من القطع الأجنبي، بحسب ما كشفه تقرير لصحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية، التي قالت إن الرئيس المخلوع “نقل 250 مليون دولار على متن طائرات إلى روسيا خلال عامي 2018 و2019″، فيما أكد رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد البشير، أن حكومته لا تملك أي عملة أجنبية، وأن ما تبقّى في الخزينة هو “الليرة السورية التي لا تساوي شيئًا”.
وأمام هذه التحديات ورغبة السوريين في تجاوز الانهيار الاقتصادي، قال رئيس غرفة تجارة دمشق باسل الحموي، إنه يتلقى مكالمات مستمرة من رجال الأعمال السوريين في الخارج، الذين يريدون معرفة كيف ستتعامل الحكومة الجديدة مع التجارة، ولفت إلى أنه طالبهم بالعودة إلى بلدهم، في ظل وجود احتياجات استثمارية هائلة لإعادة الإعمار وتعزيز الصناعة والخدمات.
إيجابيات لا تخلو من سلبيات
غير أن هذه الصورة الإيجابية لاقتصاد السوق الحر ليس خاليًا من السلبيات، ويوضح الدكتور شعبو أن من أبرز سيّئات الاقتصاد الحر هو “الاحتكار” و”عدم المساواة”، إذ ينتقل التحكم بالأسعار من سيطرة الحكومة المباشرة، إلى سطوة أصحاب الثروات الطائلة على حساب صغار التجار والمستثمرين.
ولهذا، يتابع الخبير الاقتصادي، لا يمكن نجاح هذا النظام الاقتصادي بمبدأ الحرية المطلقة للسوق، “فلا بدَّ من تدخل حكومي جزئي ومحدود، من أجل منع الاحتكار وضمان العدالة الاستثمارية، ومراقبة جودة المنتجات وحماية حقوق المستهلك”.
وإذا كان اقتصاد السوق الحر يحمل بعض السلبيات عالميًا، فإن تطبيقه في دولة مثل سوريا خرجت حديثًا من حالة انهيار اقتصادي وتدخل اليوم نظامًا سياسيًا جديدًا، يحتاج إلى مدة زمنية لتستعيد مؤسسات الدولة قوتها، وتكون قادرة على ضبط إيقاع السوق وحماية مبدأ التنافسية، بحسب شعبو.
ورغم المؤشرات الأولية الإيجابية لتطبيق هذا النمط الاقتصادي في سوريا، يوضح المحلل الاقتصادي أن الحكومة السورية الجديدة تحتاج إلى “ضوابط” ترافق عدم تدخلها في السوق، “على الأقل خلال السنوات الخمس القادمة”، لتكون عندها القوة اللازمة لحماية المستهلكين والملكية والمنافسة المتوازنة، هذا بالإضافة إلى ضرورة وجود بنية تحتية وخدمية لازمة، ليكون الدخول في هذا النمط الاقتصادي إيجابيًا ونافعًا.
ويرى خبراء الاقتصاد أن استقرار الاقتصاد وفتحه أمر بالغ الأهمية، لتشجيع الاستثمارات الجديدة المطلوبة بشدة، مع العودة المحتملة لملايين اللاجئين السوريين، بما في ذلك العديد من الطبقة المتوسطة، ونقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول مالي إقليمي كبير (طلب عدم الكشف عن هويته) قوله إن “سوريا لديها جالية كبيرة متعلمة وثرية نسبيًا في الخارج، والتي سترغب في إعادة بناء البلاد. وقد تنمو أعدادها بمعدلات مضاعفة لسنوات”.