المصاهرة السياسية.. أداة ردع مشترك وتثبيت لموازين القوى بين الدول

190627-sykes-missing-princess-tease_ivvri9

تغيّر السياسة كل شيء في حياتنا، فهي تدخل في مضمون الأشياء ليصبح الأمر مغايراً لطبيعته من حيث المبدأ والأهداف والنتائج وحتى في طقوسه. والزواج، الذي سنركز على الحديث عنه في هذا التقرير، ليس بعيداً عن هذه الظاهرة، فمنذ القدم كانت المصاهرة السياسية حاضرة بكثرة، ومطروقة بين العائلات الحاكمة للدول، حتى أنها أصبحت أمرًا متبعًا لحلّ الكثير من المشاكل بين الدول وترسيخ الحكم للعائلات أو العشائر الحاكمة.

ويمتد هذا النوع من الزواج، منذ أيام النبي سليمان حينما تزوج بلقيس ملكة سبأ، مروراً بالعصور الإسلامية المختلفة وصولاً إلى يومنا هذا مع وجود فوارق في الأهداف والتداعيات، يحكمها الوضع السياسي والسياق الثقافي والتاريخي. وبالطبع فإن المصاهرة السياسية تلف العالم لفاً من أقصاه إلى أقصاه وتطرح أمثلة كثيرة توضح ذلك، مثل زيجات البيت الملكي البريطاني. ويذكر لنا التاريخ أمثلةً كثيرة عن الزواج السياسي وكيف كان يتم تتويجًا لاتفاقيات بين الملوك متخطين إرادة الفتاة، فتحمل الأخيرة إلى عريسها لتحقيق مآرب الحكم والسلطة، ولا يُعلم ما إذا كانت ستنتهي هذه المصاهرة بالطلاق نتيجة لخلاف سياسي أو حرب أو أي توتر يصيب العلاقات التي تحكمها مصالح متغيرة.

أهداف الزواج السياسي

ومن الواضح أن من أهم الأسباب التي تدفع السياسيين للقيام بهذا النوع من المصاهرة، هو كونها إحدى السبل للاعتراف بشرعية الحكم والسلطة من أحد الأطراف المكافئة له من حيث النفوذ والتأثير، وبالتالي خلق حالة من التوازن السياسي وتأكيد التحالفات في الحروب الكبيرة. ومن بين الأسباب أيضًا كون هذا النوع من الزواج طريقة لإنهاء خلافات بين دول وغسل آثار الحروب بين قوى متصارعة، مما يجعل المصاهرة السياسية أداةً للردع المشترك، إضافة لارتباطه ارتباطاً وثيقاً بالمال والثراء.

وعودةً على مصطلح “الردع المشترك”، فإن الزواج السياسي لا يقتصر على الأنظمة الحاكمة بشكلها الحديث المعروف للجميع، لكنها أداة تطبق كذلك داخل المجتمع القائم على التوازنات العائلية أو العشائرية أو القبائلية، فتصبح المصاهرة مدعاة لحسابات قبل الإقدام على أي فعل من قبيلة تجاه أخرى أو عشيرة بخصوص الثانية عدا عن كونها أداة للترابط وإحلال التوازن ودمج الثروة.

في هذا التقرير نستعرض أبرز الزيجات السياسية التي حصلت في العالم الإسلامي بالتاريخ القديم والمعاصر، والتي أدى بعضها لإيقاف حروب وبعضها لتقوية دول ولكنها تجتمع بأصلها بتقوية سلطة الحكام من الطرفين، لتصبح عملية تقوية الضعيف ويزداد القوي قوة على حساب زوجين من الممكن انتهاء علاقتهما بسبب تغيّر خريطة التحالفات.

على العكس ممن سبقهم من الحكام المسلمين فقد تم أول زواج سياسي في الدولة العثمانية، ولكن من غير دينه، فقد كانت العروس مسيحية، حيث تزوج  السلطان العثماني الثاني غازي أورهان  من بنت أمير بلدة بيزنطية قريبة لبورصة

تاريخياً

ربما تكون المصاهرة بين السلطان السلجوقي طغرل بك والخليفة العباسي القائم بأمر الله في عام 455هـ/1063م، من أبرز الزيجات السياسية في التاريخ الإسلامي، حيث أن الخليفة القائم الذي رغم ضعفه حينها كان له شرعيته الكبيرة بين المسلمين فقد استخدم قوة السلاجقة بدحر البويهيين من بغداد وإعادته لكرسيه، حينها حصل طغرل بك على حكم أراضي يريدها باعتراف الخليفة، وبعد ذلك طلب طغرل بك الزواج من ابنة القائم بأمر الله، وحصل على ذلك بعد رفض الأخير كونها تخالف العادات، واكتسب سلطان السلاجقة الشرعية الكبيرة على إثر ذلك الزواج.

وتبرز عصمة الدين خاتون، التي تزوجت من نور الدين محمود ابن نور الدين زنكي حاكم حلب في وقتها، فكان هذا الزواج يهدف لوحدة الأمة ورأب الصدع بين دمشق وحلب لمواجهة عدوّها وتحرير المقدسات الإسلامية. فكان هذا الزواج بمثابة خطوة على طريق تحرير بيت المقدس من الصليبين حينها، وحين وفاة نور الدين محمود تزوجت عصمة من صلاح الدين الأيوبي بعد مجيئه من مصر وسيطرته على دمشق فكانت معينةً له في قضايا السياسية والحكم، وهو ما سهّل من الاعتراف به وبأحقيته في حكم الشام، وبزواجها من الأيوبي كانت خاتون وسيلة لتوحيد مصر ودمشق.

ونتيجة لشهرة الدولة العباسية بالزواج السياسي فقد ألّفت الكاتبة وفاء محمد كتابًا عن الزواج السياسي في عهد الدولة العباسية، وهو دراسة بحثية اختصت بالمصاهرة السياسية في تلك الحقبة، وتوضح الكاتبة من خلال الدراسة، دور الزيجات وتأثيرها على السياسة العباسية.

أدت العلاقة بين مؤسس الدولة السعودية الأولى محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي ناصره في تأسيس المملكة، إلى تأسيس مسار الدولة السعودية الحالية. وبعد وفاتهما لم تتوقف الشراكة بين عوائلهم، بل تم تحويلها إلى علاقة مؤسساتية مستمرة

وفي الدولة العثمانية كان أول زواج سياسي في عهد السلطان العثماني الثاني غازي أورهان،  وقد تزوج من غير دينه، وتحديداً من بنت أمير بلدة بيزنطية قريبة من بورصة. ووُصف زواجه بأنه أول زواج سياسي في تاريخ الدولة العثمانية، وأصبحت المصاهرة على هذه الشاكلة من “السياسات الناعمة للسلاطين العثمانيين لتوطيد علاقتهم مع الدول المجاورة للدولة العثمانية وعلى خطى أورهان غازي قام السلطان بايازيد بالتزوج من بنت الملك الصربي وتزوج السلطان يووزن سليم من بنت ملك القرم”.

في العصر الحديث

استمرت عادة المصاهرة السياسية حتى عصرنا هذا بوتيرة أكبر، مع تغير الشكل والسياق ومدى الوضوح، فكما ذكرنا في الأمثلة التاريخية فإن الزيجات تلك أثرت بشكل إيجابي في نهضة الأمة وتحرّرها وبناء الدول وتحريرها، وكذلك في ربط مصائر دول ببعضها وبناء تاريخ مشترك أثرت فيه هذه العلاقات. وهذا ما ينعكس أيضاً على عصرنا الحالي، بيد أن هدفه يبدو شخصيًا بحتًا كونه مرتبط بمنظومات حكم فاسدة تسعى لترسيخ الحكم الواحد ولربط الأنظمة المستبدة ومصالحها بأواصر دم وعائلة يصعب تفكيكها.

ويتنوع شكل المصاهرة السياسة هنا، فهناك تزاوج سياسي-سياسي وآخر سياسي-اقتصادي، لضمان مزج السيطرة السياسية بالثروة، لأهداف بعيدة عن المصلحة العامة للشعب أو الدولة كمؤسسة سياسية قائمة لخدمة الناس.

وفي الأنظمة التي تحكم البلدان العربية عدة أمثلة من هذه المصاهرة، ربما تكون في الدولة الواحدة لعل من أهمها زواج رئيس النظام السوري بشار الأسد من أسماء الأخرس، والذي يعتبر زواجاً سياسياً داخلياً في الدولة الواحدة. إذ تعتبر أسماء الأخرس من عائلة غنية في سوريا غير أنها من المسلمين السنة، وهذا ما اعتبره الكثير أن الأسد كونه علوي فهو يستميل بزواجه هذا قلوب الشعب ذو الغالبية السنية، فيما تزوجت بشرى الأسد أخت الرئيس السوري من أحد ضباط الأمن والذي أصبح رئيسًا للمخابرات في ما بعد في سوريا وهو آصف شوكت الذي قُتل خلال أحداث الثورة السورية.

أما في السعودية فقد أدت العلاقة بين مؤسس الدولة السعودية الأولى محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي ناصره في تأسيس المملكة، إلى تأسيس مسار الدولة السعودية الحالية. وبعد وفاتهما لم تتوقف الشراكة بين عوائلهم، بل تم تحويلها إلى علاقة مؤسساتية مستمرة. إلى ذلك قام الملك المؤسس للدولة السعودية الثالثة والحالية وهو عبد العزيز آل سعود، بإحياء الحلف التاريخي بين سعود وعبد الوهاب عبر المصاهرة بين آل سعود وآل الشيخ (عائلة الشيخ محمد بن عب الوهاب)، حيث تزوج الملك عبدالعزيز من ابنة الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ، الذي كان يعد شيخ علماء المذهب الوهابي حينها.

لم يكن مع الملك عبد العزيز في حربه على آل رشيد الذين اطلق حربه ضدهم برعاية الانكليز، من الرجال المقاتلين سوى 60 رجلًا، ومن هنا جاءت فكرة الزواج من أكثر من امرأة، وزيادة القرب والألفة بينه وبين مختلف القبائل والأمراء والشيوخ ووجهاء المجتمع، وفق ما ذكرته صحيفة “الرياض” السعودية، نقلًا عن صحيفة “الديلي إكسبريس” الإنجليزية، فكان عبد العزيز يتزوج ويطلق حتى بلغ عدد زوجات الـ 30 وينجب منهن 36 ابناً هم الذين يحكمون المملكة الآن.
 

وفي ذات السياق، تزوج الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حاكم دبي، من الأميرة هيا ابنة ملك الأردن الراحل، الحسين بن طلال، وأخت الملك عبدالله بن الحسين غير الشقيقة، تزوجا في عام 2004 ومحمد يكبر هيا بـ 25 عاماً، وهذا الزواج يعتبر الزواج الأكثر إثارة للاهتمام، حيث لم تحصل أي مراسم أو زفاف، فيما تتحدث بعض الصحف الآن بأنباء غير مؤكدة عن مشاكل بين الزوجين.
 

وفي عام 2011 تزوج نجل ملك البحرين، خالد بن حمد ال خليفة، ابنة العاهل السعودي الراحل سحاب بنت عبد الله بن عبد العزيز. وينظر لعلاقة النسب الجديدة بين العائلتين على أنها تعزيز للعلاقات التي “اختبرت في التعاون لقمع المظاهرات المطالبة بالديمقراطية في البحرين”.

 

وتعتبر الأمثلة كثيرة بهذا النوع من الزواج في بلداننا وعالمنا، ليبقى السؤال هل تعتبر هذ المصاهرة فعل لا أخلاقي يستخدم الأواصر الأسرية لخدمة المصالح السياسية والمادية ويرسخ الاستبداد وتحكم الطبقة الحاكمة بقوانين اللعبة وبناء شبكة من العلاقات المحكمة الإغلاق بحيث تجعل من أي عملية تغيير مكلفة جدًا إن لم تكن شبه مستحيلة؟