حكام الجزائر يستنجدون بالإسلاميين لمغازلة المحتجين الغاضبين

طيلة العقود السابقة التي عقبت تأسيس البرلمان الجزائري، لم نرى يومًا إسلاميًا يترأس هذه المؤسسة التشريعية التي لها تأثير كبير على رسم ملامح السياسات العامة في البلاد، إلى أن جاء يوم العاشر من يوليو/ تموز 2019، الذي ترأس فيه إسلامي برلمان الجزائري بتزكية من نواب السلطة نفسهم، فأي دلالات ورسائل يحملها هذا الحدث الاستثنائي في هذا البلد العربي الذي يعيش على وقع حراك شعبي متواصل منذ أكثر من خمسة أشهر؟
شخصية إسلامية معارضة على رأس البرلمان
مساء أول أمس الأربعاء، انتخب النواب الجزائريون، النائب الإسلامي المعارض سليمان شنين رئيسًا للمجلس الشعبي الوطني الجزائري (البرلمان) خلفًا للنائب عن جبهة التحرير الوطني معاذ بوشارب الذي اضطر للاستقالة في 2 يوليو/تموز بعد ضغوط مارسها عليه نواب في البرلمان وكذلك المحتجون في الشارع، حيث كان أحد الباءات الثلاث التي لدى المتظاهرين شبه إجماع على ضرورة رحيلها، وهم إلى جانب بوشارب: الرئيس الانتقالي عبد القادر بن صالح، ورئيس الوزراء نور الدين بدوي.
وتم اختيار شنين (54 عاما) بالتزكية بتأييد أحزاب من الأغلبية والمعارضة بعدما سحب حزبا جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي ذوي الأغلبية البرلمانية مرشحيهما الستة لرئاسة المجلس. وهذه هي المرة الأولى في تاريخ البرلمان الجزائري التي يصل فيها نائب عن حزب معارض إلى رئاسة المجلس، حيث دائمًا ما تؤول رئاسة المجلس الشعبي الوطني، لشخصيات بارزة في حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم بعد تزكية من رئاسة الجمهورية.
يعتبر سليمان شنين الذي خطف الأضواء في الجزائر، أحد مؤسسي حركة البناء الوطني في العام 2013
ذكر المجلس أن نوابه انتخبوا “مرشح الاتحاد من أجل النهضة والعدالة والبناء ليتولى رئاسة المجلس الشعبي الوطني وذلك عن طريق التصويت برفع الأيدي في جلسة علنية”. كما أوضح أن انتخاب شنين تم بالتزكية “بعدما قررت المجموعات البرلمانية التي شاركت في العملية الانتخابية سحب مرشحيها الستة وتزكيته بالإجماع“، ليكون شنين بهذا ثالث رئيس يتعاقب على المجلس الشعبي الوطني منذ تشريعيات 2017، بعد كل من سعيد بوجحة ومعاذ بوشارب.
وأضاف بيان البرلمان الجزائري أن الكتل التي زكت شينين هي “حزب جبهة التحرير الوطني” و”التجمع الوطني الديمقراطي” و”كتلة الأحرار” و”تجمع أمل الجزائر” و”الاتحاد من أجل النهضة والعدالة والبناء” و”جبهة المستقبل” و”الحركة الشعبية الجزائرية” و”حزب العمال”، ونواب دون انتماء، فيما قاطع الجلسة نواب كتلة حركة مجتمع السلم وكتلة جبهة القوى الاشتراكية وحزب التجمع من أجل الديمقراطية والثقافة.
تعرف على شنين
تقول حركة البناء الوطني في مادة إعلامية نشرتها على موقعها بفيسبوك إن شنين شارك في الحراك المستمر في الجزائر منذ 22 فبراير/شباط الماضي، وإنه شارك في مسيرات بالعاصمة ومدينة ورقلة (جنوبي البلاد) التي ينحدر منها، وأنه معارض كبير للنظام.
أما عن نشاطه الحزبي، فينتمي شنين الذي ترعرع في حركة مجتمع السلم (أكبر حزب إسلامي في البلاد) في زمن مؤسسها الراحل الشيخ محفوظ نحناح إلى حركة البناء الوطني، وهي جزء من تحالف النهضة والعدالة والبناء الذي يضم نواب ثلاثة أحزاب ذات توجه إسلامي تمتلك 15 نائبا فقط من بين 462 يحصيهم المجلس.
يعتبر هذا السياسي الذي خطف الأضواء في الجزائر، أحد مؤسسي حركة البناء الوطني في العام 2013، وكان حتى انتخابه رئيسًا للمجلس الشعبي الوطني ورئيسا للمجلس السياسي للحركة، ورئيسا لكتلة الاتحاد من أجل النهضة والعدالة والبناء.
ويصنف تحالف البناء، العدالة والنهضة الإسلامي ضمن تيارات المعارضة المعتدلة لنظام الحكم في الجزائر، حيث سبق له أن عارض أغلب مشاريع القوانين التي قدمتها الحكومة زمن حكم الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة للتصويت على مستوى الغرفة الأولى للبرلمان.
إلى جانب نشاطه السياسي، يدير شنين الذي دخل البرلمان عقب انتخابات مايو/أيار 2017، صحيفة محلية يومية تحمل اسم “الرائد”، كما يملك مركز دراسات بالتسمية نفسها، وهو عضو في رابطة “برلمانيون من أجل القدس“، وأحد مؤسسي الاتحاد العام الطلابي الحر.
بدأ شنين مساره السياسي منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، داخل حركة مجتمع السلم، إلا أنه كان ضمن القياديين الذين انسحبوا من الحزب عام 2008، احتجاجًا على فوز الرئيس السابق أبوجرة سلطاني، بولاية ثانية.
عام 2009، كان ضمن القياديين الذين حضروا رفقة الوزير الأسبق عبد المجيد مناصرة، حزبًا إسلاميًا جديدًا للم شمل المنسحبين من الحركة الأم “مجتمع السلم” تحت اسم “حركة التغيير“.لكن التنظيم الجديد عرف انشقاقات أخرى، حيث انسحب منه سليمان شنين، وقياديون آخرون، وأسسوا عام 2013 حركة البناء الوطني.
هبة السلطة
يرى العديد من الجزائريين أن تزكية نائب إسلامي لتولي منصب رئاسة البرلمان من قبل نواب الأغلبية، بمثابة “الصدقة”، حتى أن حركة مجتمع السلم الإسلامية وصفت هذا الأمر بـ”الهِبة” التي منحتها السلطة عبر أغلبية نيابية يرفضها الشعب الجزائري.
وأوضحت الحركة في بيان لمجموعتها النيابية أن “الرئيس الجديد (شنين) رئيس أمر واقع مثل من سبقه، ولا تمثل تزكيته حالة ديمقراطية إذ هو نتاج هِبة منحتها بقرار فوقي أغلبية برلمانية مزورة ومرفوضة من الشعب الجزائري”، مؤكّدة أن مقاطعتها جلسة الانتخاب”جاء تنفيذا لقرار سابق من مجلس الشورى (الحركة) بالتناغم مع مطالب الحراك الشعبي وتفند ما أشيع بأنها انسحبت من جلسة التزكية وتؤكد أن نوابها لم يحضروا مطلقا”.
ويرى عدد مهم من الجزائريين أن نظام الحكم الحالي، يسعى من خلال عديد القرارات إلى مغازلة الشعب وكسب وده
يعتقد العديد من الجزائريين أن السلطة قامت بهذا الأمر عمدًا، خاصة وأن المرشحين السبعة التابعين لأحزاب الموالاة قد قاموا بسحب ترشحهم في آخر لحظة وفسح المجال لمرشح المعارضة لترؤس البرلمان، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ البلاد.
ويرى هؤلاء أن النظام يعلم يقينًا أن لا فائدة من البرلمان حاليًا، فهو آيل للزوال في وقت قريب، لذلك فهي سعت إلى أن تظهر في ثوب المتنازل عن رئاسة الهيئة التشريعية لفائدة شخص من المعارضة والمحب للوطن الراغب في استقراره.
مغازلة المحتجين
فضلًا عن كونها “هبة” من السلطة كما وصفها حزب مجتمع الإسلامي، يرى العديد من الجزائريين أن ما حصل في البرلمان مؤخرًا يمثّل حلقة من حلقات مغازلة حكام البلاد الفعليين للمحتجين الذين خرجوا ضدّهم منذ فبراير/شباط الماضي.
يعلم حكام البلاد رفض الجزائريين لأي وجه محسوب على النظام لذلك عموا على منح منصب رئاسة البرلمان لشخصية معارضة والحال أن الرئيس لوحده لا يمكن له عمل شيء دون كتلة قوية تسانده، ويرفض الجزائريون بشدة تولي أشخاص محسوبة على نظام الرئيس المستقيل وشاركت في التسويق السياسي له طيلة الولايات الانتخابية الماضية، المناصب في المؤسسات الدستورية الكبرى.
ويرى عدد مهم من الجزائريين أن نظام الحكم الحالي، يسعى من خلال عديد القرارات إلى مغازلة الشعب وكسب وده، حتى يتحكم في الحراك ويأمن من كلّ التحولات التي يمكن أن تطرأ في البلاد، خاصة في ظلّ إصرار الجزائريين على تحقيق كلّ مطالبهم التي خرجوا من أجلها إلى الشوارع.
وتعيش الجزائر هذه الأيام فراغًا دستوريًا بعد انتهاء المرحلة الانتقالية التي نصّت عليها المادة 102 من الدستور التي تحدد صلاحيات الرئيس المؤقت في حال استقالة رئيس الجمهورية، وذلك بعد ثلاثة أشهر من تولي عبد القادر بن صالح الرئاسة الانتقالية للبلاد، من دون انتخاب رئيس جديد للبلاد.
تحوّلات كبرى في المؤسسات
في مقابل ذلك يرى، الصحفي الجزائري رياض معزوزي أن “انتخاب سليمان شنين رئيسًا للربلمان خلفًا لمعاذ بوشارب من أكبر مفاجآت الجزائر ما بعد الحراك، وهو جزء من التحول في المؤسسات التي تشهد زلزالًا عنيفًا من التغييرات والمتابعات القضائية بعد سقوط النظام البوتفليقي السابق”.
وأوضح معزوزي في تصريح لنون بوست أن “أحزاب الموالاة في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كانت تجانب الانتحار، فجبهة التحرير الوطني وغريمها التجمع الوطني الديمقراطي متيقنان بأن مكانتهما في الشارع تراوح ما دون الصفر، وبالتالي فأي رئيس للبرلمان يمثلهما سيقابل بالرفض القاطع من الشارع.”
أضاف الصحفي الجزائري، “هذه الأحزاب تعرف مؤخرا انقساما رهيبا في صفوفها، خاصة حزب التجمع الوطني الديمقراطي بعد حبس رئيس الحزب أحمد أو يحيى، وبالتالي بات عامل الأغلبية في الغرفة السفلى للبرلمان متهلهلا إلى حد ما.”
وعن انسحاب مرشحي الأغلبية من سباق قيادة البرلمان لفائدة شنين، أكّد رياض معزوزي أن توجيهات من الجهات العليا جاءت إلى هؤلاء بأن ألزموا الصفوف الخلفية، وهي توجهات نزلت عليهم كالصاعقة وفق قوله. وتعتبر هذه المرة الأولى التي تتمكن فيها المعارضة السياسية من الحصول على أرفع منصب في الدولة بعد رئيس الدولة ومجلس الأمة.
يصرّ الجزائريون على تلبية كلّ مطالبهم
هذا الأمر يعني وفق محدّثنا، وجود تدخل بعض الأطراف في توجيه أعضاء البرلمان المنتخبين أو المترشحين لرسم خارطة طريق جديدة للمرحلة الراهنة، وتابع، “أرى بأن رئاسة الجمهورية وخلفها المؤسسة العسكرية، تريدان التأكيد بأن الحراك يرسم لنفسه مستقبل الجزائر بتعيين شخصيات مقبولة، خاصة وأن شنين يعد من الشخصيات المعروفة بمقاطعتها الشرسة للنظام السابق والمعروفة بمداخلاتها الساخنة في كل جلسات البرلمان”.
وكانت “حركة البناء الوطني” التي ينتمي إليها رئيس البرلمان الجديد، قد وصفت في بيان لها أمس الخميس، انتخاب نائبها سليمان شنين لرئاسة البرلمان، بـ”الثورة الحقيقية التي تؤسس لجزائر جديدة”، معتبرة أنّ “هذه الخطوة هي بداية انفراج حقيقي للأزمة، ونقل لمطالب الحراك من ساحات النضال والتظاهر، إلى ساحات السلطة والمؤسسات”.
كما التزمت الحركة التخندق مع الشعب، والدفاع عن مطالب الحراك الشعبي الواقعية والموضوعية، فضلًا عن الالتزام بالحلول الدستورية التي تستجيب لتلك التطلعات الشعبية”. وجددت الحركة التزامها “الانخراط في أي مسعى خيّر مع كل الجزائريين دون استثناء، لتحقيق المصلحة العليا للوطن، والمحافظة على الثوابت التي رشحتها لتكون في هذا الاستحقاق التاريخي”.