شنت طائرات الاحتلال الإسرائيلي هجومًا مكثفًا، مساء الثلاثاء 25 شباط/ فبراير، استهدف مواقع عسكرية في محيط العاصمة السورية دمشق، فيما حلقت المروحيات الحربية على مسافات منخفضة في العديد من المناطق بمحافظتي درعا والسويداء جنوب سوريا، علاوة على استهداف الفرقة الأولى في مدينة الكسوة بريف دمشق الجنوبي ومطار إزرع بريف درعا بأربع غارات متتالية، أودت بحياة أربعة أشخاص بحسب منصات حقوقية.
وبالتزامن مع تلك الضربات الجوية، توغلت القوات البرية الإسرائيلية في ريف القنيطرة الشمالي ودرعا حيث دخلت بعض الثكنات العسكرية المهجورة هناك قبل أن تبدأ بالانسحاب لاحقًا، هذا في الوقت الذي كثفت فيه قوات الاحتلال من استهدافها لمواقع على الحدود السورية اللبنانية، تحديدًا عند منطقة جنتا على تخول سلسلة جبال لبنان الشرقية، مما أودى بحياة شخصين وإصابة أخرين، وفق ما ذكرت “الوكالة الوطنية للإعلام” في لبنان.
ومنذ مطلع العام الجاري 2025 استهدف جيش الاحتلال الأراضي السورية 16 مرة، 14 منها في صورة غارات جوية، وهجومان بريان، أسفرت جميعها عن تدمير 21 هدفًا، تدميرًا كليًا أو جزئيًا، ما بين مستودعات للأسلحة والذخائر ونقاط تمركز عسكري، ما أدى إلى استشهاد اثنين من العسكريين، واثنين مجهولي الهوية، بالإضافة لإصابة شخص، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.
يأتي التصعيد الإسرائيلي الأخير، والذي جاء في أعقاب فترة هدوء نسبي، بعد ساعات قليلة من انتهاء فعاليات الحوار الوطني السوري، الذي دعت إليه الإدارة السورية الجديدة، لتبادل الرؤى حول مستقبل سوريا ما بعد الأسد، ووضع الأسس والمرتكزات التي من المحتمل أن تستند عليها الدولة مستقبلًا.. فهل هناك من علاقة بين هذا التصعيد ومخرجات المؤتمر السوري؟
“إسرائيل” ومخطط الجنوب المعزول
برر جيش الاحتلال عملياته الأخيرة في الداخل السوري بأن وجود القوات العسكرية وخزائن السلاح في الجزء الجنوبي من سوريا يشكل تهديدًا للكيان وأن تل أبيب ستواصل العمل لإزالة أي تهديد ضد مواطنيها، بحسب زعم المؤسسة العسكرية، فيما قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن حكومته لن تسمح بتحول جنوب سوريا إلى ما يشبه جنوب لبنان، حسب تعبيره.
وأضاف أن الجيش هاجم أهدافًا عسكرية في جنوب سوريا بما في ذلك مقرات ومنشآت تحتوي على أسلحة، متعهدًا بوقف ما سماها محاولات قوات الجيش السوري والمنظمات الإرهابية للتموقع في المنطقة الأمنية جنوب سوريا، معتبرًا أن تلك الاعتداءات جزء من السياسة الجديدة لنزع السلاح في جنوب سوريا.
وكان رئيس وزراء الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، قد أثار الجدل مجددًا، بتصريحاته المستفزة الذي طالب فيها بجعل جنوب سوريا “منطقة منزوعة السلاح بالكامل”، مؤكدًا أن تل أبيب لن تسمح لقوات الإدارة الجديدة بالانتشار جنوب العاصمة دمشق، حيث شدد في خطابه الذي ألقاه أمام دفعة جديدة من الضباط في حولون جنوب تل أبيب، الأحد 23/2/2025، على عدم السماح للجيش السوري الجديد بدخول المنطقة جنوب العاصمة، وأضاف “نطالب بالنزع التام للسلاح من جنوب سوريا، في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء”، منوها على أنه “لن نتسامح مع أي تهديد للطائفة الدرزية في جنوب سوريا”.
تصعيد بعد هدوء نسبي
بعد ساعات قليلة من تحرير دمشق وسقوط نظام الأسد نفذت “إسرائيل” أكبر عملية قصف جوي على سوريا في تاريخ الصراع بين البلدين، حيث تجاوز الغارات الجوية التي شنتها طائرات الاحتلال 500 غارة، دمرت خلالها الجزء الأكبر من الأسطول الجوي والبحري السوري، وأطاحت بأنظمة الدفاع الجوي ومخازن الصواريخ، حيث استهدف في غضون دقائق معدودة أكثر من 60 موقعا عسكريًا سوريًا، بل وصلت طائراتها إلى محيط العاصمة دمشق.
استغلت تل أبيب حينها الفراغ السياسي الذي كانت تعاني منه سوريا، لتوسيع نطاق تموضعها في الجنوب، في محاولة لخلق تموضع جديد تعمق به امتدادها الأمني في الداخل السوري، كان المبرر وقتها القلق من السلطة الجديدة في البلاد، ذات السمت الإسلامي، والمدعومة شعبيًا، وذلك بعد سقوط نظام الأسد الذي لم يطلق رصاصة واحدة على الكيان المحتل منذ اتفاق فض الاشتباك عام 1974، فكانت رسالة المحتل للإدارة السورية الجديدة واضحة ومباشرة.
حاولت السلطة السورية الجديدة التعاطي مع المشهد بنوع من الحكمة والحنكة، فاتكأت على الدبلوماسية الهادئة كجدار صلب تتحطم عليه كل محاولات الاستفزاز لجرها نحو جبهات تصعيد جديدة لم تكن مستعدة لها بعد، حيث بعث القائد الجديد للبلاد، أحمد الشرع، برسالة طمأنة مباشرة حين أعلن بشكل واضح أن سوريا الجديدة ليست بصدد الخوض في أي صراع مع “إسرائيل”.
وفي مقابلة له مع صحيفة “التايمز” البريطانية، منتصف ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أي بعد قرابة أسبوع واحد فقط من هروب بشار الأسد، قال الشرع إنه لن يسمح باستخدام سوريا كنقطة انطلاق لشن هجمات ضد “إسرائيل” أو أي دولة أخرى، مطالباً تل أبيب بالانسحاب من المواقع السورية التي دخلتها، وتابع :”كان مبرر إسرائيل هو وجود حزب الله والمليشيات الإيرانية والآن اختفى هذا المبرر، وسيتعين على إسرائيل التي سيطرت على منطقة عازلة بعد سقوط الأسد الأسبوع الماضي، الانسحاب”.
أحمد الشرع لـ "التايمز": الأراضي السورية لن تستخدم للهجوم على إسرائيل #العربية_عاجل
— العربية عاجل (@AlArabiya_Brk) December 16, 2024
حاول الشرع من خلال تلك المقابلة وغيرها طمأنة جيران سوريا بلا استثناء، ممن كانوا يتوجسون خيفة من الهوية الإسلامية والخلفية الإيديولوجية للإدارة السورية الجديدة، والقلق من أن تتحول البلاد إلى منصة لتهديد جيرانها، مؤكدًا على أن اهتمامه الرئيسي مرحليًا هو استقرار سوريا، داعياً الغرب إلى رفع العقوبات المفروضة على سوريا خلال حكم الأسد.
وفي منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي، بدأت القيادة السورية الجديدة، بعد ترسيخ أركانها نسبيًا، في الانخراط بشكل تدريجي في ملف الاحتلال الإسرائيلي للجولان والخروقات الإسرائيلية جنوبًا، ففي مؤتمر صحفي له مع وزير الخارجية القطري، محمد بن عبدالرحمن آل ثاني في دمشق، فند الشرع المبررات التي تسوقها “إسرائيل” لتبرير انتهاكاتها في الجنوب واختراق المنطقة العازلة والسيطرة عليها.
وأشار الرئيس السوري إلى أن تقدم “إسرائيل” في المنطقة العازلة “كان عذره تواجد الميليشيات الإيرانية وحزب الله”، مضيفًا أنه “بعد تحرير دمشق ليس لهم (الميليشيات الإيرانية) تواجد، فهناك ذرائع تذرع بها الإسرائيلي للتقدم على المنطقة العازلة”، مؤكدًا استعداد بلاده لاستقبال قوات من الأمم المتحدة في المنطقة العازلة المشتركة مع “إسرائيل”.
يبدو أن الانخراط التدريجي للقيادة السورية في الساحة الجنوبية، وتصاعد خطاب الامتعاض والتنديد إزاء الخروقات الإسرائيلية، والتخلي عن لغة الصمت وابتلاع الانتهاكات كما كان في البدايات الأولى لسقوط نظام الأسد، أثار حفيظة الكيان المحتل الذي ما عاد يتعامل مع رسائل الطمأنة الواردة من دمشق بجدية، ما دفعه للتصعيد المنضبط نسبيًا.
ومع ردود الفعل القوية، سياسيًا وشعبيًا، إزاء تصريحات نتنياهو الاستفزازية بشأن تحويل جنوب سوريا لمنطقة منزوعة السلاح، بدأ المؤشر الإسرائيلي إزاء الإدارة السورية الجديدة يتخذ منحى آخر، حيث الهجوم الشرس والانتقادات التي وصلت حد اتهام الحكومة السورية بأنها جماعة إرهابية إسلامية من إدلب استولت على دمشق بالقوة كما جاء على لسان وزير خارجية الاحتلال ونقلته القناة 12 العبرية.
ثم جاء الحوار الوطني الذي دعت له السلطة السورية وعٌقد في قصر الشعب بدمشق، الثلاثاء 25 فبراير/شباط الجاري، وشارك فيه ممثلون عن مختلف الأطياف السياسية والاجتماعية السورية، ليلقي بظلاله على المشهد، خاصة بعد البيان الختامي الصادر عنه والذي يعد تحولا ملموسًا في تعاطي الإدارة السورية الجديدة مع الانتهاكات الإسرائيلية جنوب البلاد.
https://x.com/abazeid89/status/1894386880730353801
مؤتمر الحوار الوطني.. رسائل واضحة
حمل البيان الختامي لمؤتمر الحوار الوطني السوري الكثير من الرسائل المتعلقة بملامح المرحلة القادمة، حيث استعرض العديد من المرتكزات التي من المتوقع أن تستند عليها سوريا الجديدة، على رأسها المطالبة بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية، والتأكيد على وحدة أراضي البلاد ورفض تجزئتها.
وشدد المشاركون في الحوار كما جاء في البيان الذي تلته عضو اللجنة التحضيرية هدى الأتاسي على “إدانة التوغل الإسرائيلي في الأراضي السورية، ورفض التصريحات الاستفزازية لرئيس الوزراء الإسرائيلي، ودعوة المجتمع الدولي إلى الضغط لوقف العدوان والانتهاكات”.
المؤتمر ومخرجاته اعتُبر ردًا رسميًا – من القيادة العليا للبلاد وأطيافها السياسية المختلفة- على تصريحات نتنياهو العنصرية، وهي الرسالة التي دعمها السوريون في محافظات السويداء ودرعا والقنيطرة، والتي شهدت تظاهرات حاشدة لرفض تلك التصريحات والتأكيد على وحدة الأراضي السورية ولحمة الشعب بشتى طوائفه.
البيان الختامي لمؤتمر الحوار الوطني السوري#مؤتمر_الحوار_الوطني_السوري pic.twitter.com/hEWIRF2FS1
— مؤتمر الحوار الوطني السوري (@syriandc) February 25, 2025
وتصاعد الزخم الشعبي الرافض لأوهام نتنياهو مع إعلان اتحاد النقابات والاتحادات المهنية في السويداء (ويشمل نقابة المهندسين، والمحامين، والأطباء، وأطباء الأسنان، والمعلمين، والصيادلة، والمهندسين الزراعيين، والأطباء البيطريين، والمهن الصحية، واتحاد العمال، والفلاحين، والحرفيين، والكتّاب العرب، والصحفيين، ونقابة الفنانين التشكيليين، والمهن المالية والمحاسبة، وغرفة التجارة والصناعة، وجمعية المخترعين السورية وجمعية الآليات الثقيلة) رفضه القاطع لتلك التصريحات، وذلك في بيان دعا فيه أيضًا لوقفات احتجاجية في ساحة الكرامة وسط المدينة تنديدًا بالخروقات الإسرائيلية في الجنوب.
ورفض الاتحاد في بيانه رفضًا قاطعًا تصريحات نتنياهو بشأن الادعاء بحماية الدروز من سكان الجنوب السوري، مؤكدًا أن: “أبناء جبل العرب هم مواطنون سوريون أصلًا، وجزء لا يتجزأ من النسيج السوري والهم الوطني”، لافتا أن مثل تلك المحاولات التي تستهدف الوقيعة وإحداث الفتنة بين السوريين لن تؤت ثمارها.
الضغط على الإدارة السورية
منذ الإطاحة بالنظام البائد وتولي السلطة الجديدة المسؤولية في البلاد ويمارس الكيان المحتل ضغوطًا قاسية عليها، أقرب للابتزاز، مستغلًا الوضع المرتبك، لدفع الإدارة الحاكمة، التي لم تثبت أقدامها بعد في ظل التحديات العظام التي تواجهها بعد حالة الفراغ التي خلفها رحيل الأسد وتفكيك مؤسسات الدولة، لتقديم التنازلات وإبداء المزيد من المرونة من أجل فرض تموضع جديد للمشهد في الساحة الجنوبية يضمن بها ألا تشكل تلك الجبهة أي تهديد للداخل الإسرائيلي.
ومارس الاحتلال خلال تلك الفترة العديد من صور الضغط على الإدارة السورية الجديدة كان أبرزها وضعها في مأزق سياسي وأخلاقي حرج، بعد تغول الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي السورية واحتلال المنطقة العازلة والسيطرة على قمة جبل الشيخ، إضافة إلى توسيع نطاق عملياته العسكرية في القنيطرة وريف دمشق، في انتهاك صارخ لاتفاقية فض الاشتباك الموقعة في جينيف علم 1974.
ويسعى نتنياهو وحكومته من خلال هذا الضغط المتصاعد، المُعبر عنه في صورة انتقادات وخروقات وانتهاكات بالجملة، اختبار القيادة السورية الجديدة واستنزاف ما لديها من دبلوماسية الصمت المؤقت، وفي المقابل إيصال رسائل واضحة ردًا على البيان الختامي لمؤتمر الحوار الوطني الذي طالب بضرورة الانسحاب من المنطقة العازلة والتزام الكيان الإسرائيلي باتفاقية فض الاشتباك.
وبعيدًا عن سياسة الهروب للأمام التي ينتهجها نتنياهو بالتصعيد على الجبهة السورية بعد الفشل الواضح على الساحة الغزية، واختلاقه لأزمة جديدة تسحب معها الأضواء وتمنح الائتلاف الحكومي المزيد من البقاء على قيد الحياة، إلا أن هذا التغول يفرض تحديات استثنائية على القيادة السورية الجديدة، المطالبة بأن تتخلى ولو نسبيًا عن سياسة الدبلوماسية الناعمة في التعاطي مع مثل تلك الخروقات التي تمس السيادة والاستقلال الوطني السوري.. فهل تنجح في أول اختبار حقيقي لها؟