على مدى يومين اجتمع سوريون في العاصمة دمشق للمشاركة في مؤتمر الحوار الوطني السوري الذي تشهده البلاد لأول مرة من حيث حجم المشاركة والتنوع منذ عقود، ما جعلها خطوة تعد الأولى من نوعها على المستوى السوري، في سياق وضع حجر الأساس لبناء سوريا الجديدة بيد أبناءها وبما يلبي تطلعاتهم.
وعلى الرغم من أعداد وتنوع خلفيات المشاركين، إلا أن آليات انعقاد مؤتمر الحوار الوطني وسرعة الإجراءات التنظيمية والتقنية والدعوات حظيت بانتقادات واسعة من السوريين، بينما أثارت المخرجات والتوصيات التي وصفت بـ “الفضفاضة” خلال البيان الختامي ردودًا متباينة من السوريين المشاركين أو غير المشاركين في المؤتمر.
ويجد سوريون مؤتمر الحوار خطوة حقيقية تهدف إلى إرساء الاستقرار في سوريا، بمشاركة أكبر قدر ممكن من السوريين، على اختلافات توجهاتهم وتنوعهم الفكري والعقدي والاجتماعي والسياسي، ما ينم عن وعي السلطة في تقدير حجم المرحلة وتوحيد صف السوريين، بينما اعتبرها البعض خطوة لمنح السلطة صبغة شرعية.
في 12 فبراير/شباط الماضي، أصدرت الرئاسة في الجمهورية العربية السورية، قرارًا يقضي بتشكيل لجنة تحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني السوري، مكونة من 7 شخصيات بينهم سيدتان من محافظات مختلفة، هم كل من حسن الدغيم، وماهر علوش، محمد مستت، مصطفى الموسى، يوسف الهجر، هند قبوات، هدى أتاسي.
ومنذ تأسيس اللجنة التحضيرية حتى انعقاد المؤتمر نظم 30 لقاءًا مع المجتمعات المحلية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية شارك فيها أكثر من 4 آلاف رجل وامرأة في محافظات دمشق، حلب، السويداء، درعا، حمص، طرطوس، اللاذقية، إدلب، دير الزور لمناقشة القضايا المتعلقة في مؤتمر الحوار الوطني، دون القدرة على الوصول إلى محافظتي الرقة والحسكة بسبب وقوعها تحت سيطرة “قسد”.
واستمعت اللجنة التحضيرية لأكثر من 2200 مداخلة حوارية من المشاركين في الجلسات التي نظمتها في محافظات سورية متفرقة، بينما تلقت نحو 700 مشاركة مكتوبة تحتوي على رؤى تعكس تطلعات السوريين، حسب خطاب رئيس اللجنة التحضيرية، ماهر علوش.
بينما شارك أكثر ستة آلاف شخص في رابط يتيح الفرصة أمام مختلف الشرائح الاجتماعية السورية في الداخل والخارج للمشاركة محاور المؤتمر الوطني السوري، عبر المعرفات الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي.
مؤتمر الحوار الوطني السوري
اختُتمت فعاليات مؤتمر الحوار الوطني السوري مساء الثلاثاء، 25 فبراير/شباط، في يومه الثاني، بحضور نحو 570 مشاركًا من أصل 600 شخصية مدعوة، حيث استمرت جلسات المؤتمر من الساعة التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً، وذلك عقب لقاء تعارفي عُقد للمؤتمرين في فندق داما روز بتاريخ 24 فبراير/شباط.
وشهد المؤتمر تنوعًا في خلفيات المشاركين، إذ جمع ممثلين عن مختلف المكونات العرقية السورية، إلى جانب شخصيات سياسية، وحقوقية، وقانونية، واقتصادية، واجتماعية، وإعلامية، فضلاً عن رجال دين، ووجهاء عشائر، وناشطين في المجتمع المدني، بالإضافة إلى فنانين وصحافيين، وإسلاميين، وليبراليين، ما أضفى على المؤتمر طابعًا شاملاً يعكس التعددية داخل المجتمع السوري.
وقرأت عضو لجنة المؤتمر هدى الأتاسي البيان الختامي الذي تضمنت مخرجات نهائية تمثل عهدًا وميثاقًا وطنيًا تلتزم به كافة القوى الفاعلة ويعد خطوة أساسية في مسيرة بناء الدولة السورية الجديدة.
وتضمّن البيان الختامي للمؤتمر 18 بندًا، ركزت على قضايا جوهرية تتعلق بوحدة وسيادة سوريا، وإعادة بناء الدولة على أسس القانون والمؤسسات. وشملت البنود التأكيد على الحفاظ على وحدة الجمهورية العربية السورية، وإدانة التوغل الإسرائيلي، وحصر السلاح بيد الدولة، إضافةً إلى الإسراع في إعلان دستوري مؤقت لسد الفراغ الدستوري، وتشكيل مجلس تشريعي مؤقت، إلى جانب إعداد مسودة دستور دائم يحقق التوازن بين السلطات.
كما شدد البيان على تعزيز الحرية كقيمة عليا، واحترام حقوق الإنسان، ودعم دور المرأة في كافة المجالات، إضافةً إلى ترسيخ مبدأ المواطنة ونبذ جميع أشكال التمييز، وتعزيز التعايش السلمي بين مكونات الشعب السوري، وشملت البنود أيضًا تحقيق العدالة الانتقالية عبر محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، لضمان استعادة الحقوق وتعزيز الثقة في النظام القضائي.
وفي الجانب السياسي والاقتصادي، أكد البيان على تحقيق التنمية السياسية عبر ضمان مشاركة جميع فئات المجتمع، وإطلاق عجلة التنمية الاقتصادية من خلال تطوير قطاعات الزراعة والصناعة، كما شدد على الدعوة إلى رفع العقوبات الدولية المفروضة على سوريا، نظرًا لتأثيرها المباشر على الوضع الإنساني والاقتصادي، إضافةً إلى إصلاح المؤسسات العامة وإعادة هيكلتها لمكافحة الفساد وزيادة الكفاءة.
وأبرز البيان أيضًا ضرورة إشراك مؤسسات المجتمع المدني في دعم عملية إعادة الإعمار، وتطوير النظام التعليمي عبر إصلاح المناهج وضمان التعليم النوعي، مع التركيز على التعليم المهني وربطه بالتكنولوجيا الحديثة، إلى جانب تعزيز ثقافة الحوار داخل المجتمع السوري كمبدأ أساسي لبناء مستقبل قائم على التفاهم والتعايش.
وكان الرئيس السوري، أحمد الشرع، شدد خلال كلمته في افتتاح مؤتمر الحوار الوطني، على وحدة الأراضي السورية حيث قال: “سوريا لا تقبل القسمة فهي كل متكامل وقوتها في وحدتها”، مؤكدًا على ضرورة حصر السلاح في يد الدولة.
وأشار إلى أن سوريا بحاجة إلى قرارات جريئة تعالج مشاكلها وعلاجها حقيقيًا لو كانت مؤلمة وصادمة، معتبرًا أن “السلم الأهلي واجب على أبناء الوطن جميعًا، وأن الدعوات المشبوهة التي تستدعي حالة الخطر لطوائف ما، وتعرض نفسها الحامية المنقذة.. دعوات فارغة لا تنطلي على الوعي السوري”.
بينما وضع وزير الخارجية والمغتربين، أسعد الشيباني، خلال كلمته في المؤتمر، محددات السياسة الخارجية لإدارة دمشق، حيث تضمنت، التوازن والانفتاح من خلال تطوير العلاقات مع الدول التي تحترم سيادة سوريا، والتمسك بالثوابت الوطنية للحفاظ على مصالح الشعب السوري دون الخضوع لأي إملاءات وضغوط خارجية.
إضافةً إلى، تعزيز التعاون الإقليمي والدولي من خلال التعاون مع شركاء سوريا في المنطقة بالقضايا الأمنية والسياسية والاقتصادية، والعمل على إعادة الإعمار ورفع العقوبات، عبر فتح آفاق الاستثمار والتعاون في مختلف المجالات مع الدول الراغبة في إعادة إعمار سوريا.
فعاليات المؤتمر بدأت بنقاش ستة محاور رئيسية، ضمن ورشات عمل منفصلة تناولت، العدالة الانتقالية، البناء الدستوري، الإصلاح المؤسسي، الحريات العامة والحياة السياسية، المبادئ الاقتصادية العامة، دور منظمات المجتمع المدني في بناء وتأسيس الدولة السورية.
انطباعات إيجابية.. والتنفيذ مسؤولية الدولة
رغم اتفاق السوريين الذين شاركوا في مؤتمر الحوار الوطني على أهمية الحوار ودوره في بناء سوريا الجديدة، إلا أن المخرجات التي حددها البيان الختامي كانت محطة نظر العديدين كونها تحدد آليات واضحة احتوت على محاور إضافية إلى جانب عناوين الفعاليات الستة، معتبرين أنها خطوات تحتاج آليات تنفيذ واضحة تتحمل مسؤوليتها الإدارة السورية.
واعتبر إسماعيل الرج، أحد المشاركين في ورشة عمل الحريات الشخصية والحياة السياسية، أن مؤتمر الحوار الوطني مهم لأنه جمع بين مختلف أطياف الشعب السوري، كان من الصعب أن يجتمعوا، كما طرح العديد من المواضيع الشائكة التي تهم السوريين بمختلف مكوناتهم.
وعبر خلال حديثه لـ “نون بوست”، عن تفاؤله في مخرجات البيان الختامي للمؤتمر، قائلًا: “إن مؤتمر الحوار الوطني يلبي تطلعات السوريين، ويعد اتفاقًا ضمنيًا بين المشاركين لسوريا موحدة وحديثة تصون كرامة الإنسان وتضمن حرية التعبير”. مضيفًا، أن جميع السوريون اتفقوا على تجاوز كل التحديات لبناء سوريا المستقبل كما تلبي تطلعات شعبها.

كما يرى محافظ حلب السابق، المهندس يحيى نعناع، وأحد المشاركين في ورشة الإصلاح المؤسساتي، أن مؤتمر الحوار الوطني مهم جدًا، ووضع تصورات لسوريا المستقبل، بناءً على تطلعات الشعب السوري.
وقال خلال حديثه لـ “نون بوست”: “إن مؤتمر الحوار الوطني ناجح وأتاح الفرصة أمام مختلف الشرائح الاجتماعية السورية للمشاركة في حوار مفتوح ومتكامل في جوانب متعددة، بحيث تكون المؤسسات أفضل وتواكب العصر”. وأضاف، أن مخرجات المؤتمر الوطني يمكن أن يبنى عليه لبناء سوريا الجديدة.
ويتفق الباحث، مهند الكاطع، وأحد المشاركين في مؤتمر الحوار الوطني، بأهمية المؤتمر مهم كونه خطوة سبقها حوار على مستوى واسع في المحافظات السورية وأخذ مداخلات وملاحظات المشاركين على محمل الجد من قبل اللجنة التحضيرية.
وقال خلال حديثه لـ “نون بوست”: “إن المؤتمر بمثابة ورش عمل حول ملفات متعددة وليس بديلًا عن حوار وطني أعمق وأطول لدستور دائم، لأن هناك من يخلط بين المؤتمر وما قد يصدر عنه من إعلان دستوري بالحد الأعلى”.
وأضاف، أن التوصيات التي قدمها المؤتمرون كلها تصب في صالح السوريين، لكن الأخذ بها وتطبيقها من مسؤولية الدولة، والبيان الختامي يعبر عن المشتركات العامة بين الحضور على الأساسيات.
وتابع، أن القوى التي سيطرت عسكريًا على الدولة كانت تستطيع القيام بإعلان دستوري من الأسبوع الأول لاستلام السلطة دون الرجوع لأحد، لكنها بذلت جهدًا لإقامة نواة حوار حقيقي بين أبناء الشعب السوري، دون تتدخل من خلال جمع شخصيات وطنية وثورية ونخب وكفاءات، ليكون مؤتمرًا جادًا في ضوء الأهداف المعلنة.
كما يرى الباحث في مركز جسور للدراسات، بسام السليمان، أن مؤتمر الحوار الوطني مهم لأنه حوار وطني بامتياز وتجربة جديدة أتاحت الفرصة أمام السوريين بمختلف مكوناتهم للمشاركة في مؤتمر حواري شفاف.
وقال خلال حديثه لـ “نون بوست”: “إن مؤتمر الحوار الوطني تعرض لأخطاء تقنية وهو أمر طبيعي لأنه لم يسبق للسوريين أن ينشطوا في مثل هذه التجربة منذ عقود، وهو مسار استراتيجي جيد لكن بشرط، أن يكون له ترميم، بحيث تقوم لجان فرعية على متابعة الحوار لأن الحوار يجب أن يكون مسارًا متكاملًا”.
وأضاف أن بعض مخرجات البيان الختامي ليست مرتبطة بالحوار الوطني مثل الإعلان الدستوري، والمجلس التشريعي، لكن عمومًا تلبي تطلعات السوريين. موضحا أن الكرة في ملعب الإدارة السورية التي من المفروض أن تكون قادرة على تطبيقها، بعدما أبدت إيجابية للتطبيق، لافتًا إلى أن سوريا بلد خرج من حرب وتحتاج إلى سلطة قوية تضمن دعم ومشاركة جميع السوريين.
كسب صبغة شرعية
في ضوء التطورات السياسية والضغوط الدولية التي تتعرض لها الإدارة السورية لاتخاذ إجراءات حقيقية في تشكيل حكومة تمثل مختلف المكونات السورية، مقابل اتخاذ إجراءات ملموسة في رفع العقوبات الأجنبية وتقديم الدعم السياسي والاقتصادي لمرحلة إعادة إعمار سوريا، تظهر ملامح مساعي دمشق في الحصول على صبغة شرعية عبر مؤتمر الحوار الوطني لتقديمه للمجتمع الدولي.
ويبدو أن الاستعجال بالمؤتمر الوطني يهدف لحصول دمشق على صبغة شرعية لسلطتها في سوريا بسرعة، في إطار الضغوط الدولية، فضلًا عن الحاجة إلى الذهاب بها إلى الجامعة العربية بعدما تلقى الرئيس السوري، أحمد الشرع، دعوة من نظيره المصري، عبدالفتاح السيسي، لحضور القمة العربية الطارئة التي تنعقد في الرابع من مارس/أذار المقبل، في عاصمة الجمهورية العربية المصرية، القاهرة.
وفي سياق منفصل، حظي مؤتمر الحوار الوطني، ترحيبًا ومباركة من مجلس التعاون الخليجي، والمملكة العربية السعودية، ودولة قطر، ودولة الكويت، ومن المفترض أن يجري الرئيس السوري جولة على عدد من البلدان العربية من بينها الأردن، وقطر خلال الأيام المقبلة.
كما بدت مخرجات البيان الختامي لمؤتمر الحوار الوطني فضفاضة إلى حد ما، كونها لم تأت بجديد، وإنما كانت امتدادًا لمؤتمر النصر، بعدما كرر رئيس اللجنة التحضيرية، ماهر علوش، وهدى الأتاسي، خلال خطاباتهما أن مؤتمر الحوار استكمالًا لمؤتمر النصر، ما يشير إلى بحث الإدارة السورية عن شرعية مدنية شعبية، بعد حصولها على شرعية عسكرية من الفصائل السورية خلال مؤتمر النصر.
ويرى الباحث في مركز الحوار السوري، أحمد القربي، وأحد المشاركين في فعاليات مؤتمر الحوار، أن الزمان وأعداد الحضور غير كافية لبناء توافقات بين السوريين، لأنه من المفروض أن يبني مؤتمر الحوار الوطني توافقات في قضايا شائكة تؤسس لمستقبل سوريا، وليس وضع محددات لعمل السلطة خلال المرحلة الانتقالية، ما أدى إلى حرق مؤتمر الحوار الوطني في سبيل إصباغ شرعية للسلطة.
وقال خلال حديثه لـ “نون بوست”: “إن المؤتمرين ناقشوا في ورشات العمل قضايا مهمة لكل السوريين، لكن لم يتم التطرق لها في البيان الختامي، مثل التعددية السياسية وتداول السلطة، ووضع جمعية تأسيسية منتخبة لوضع الدستور وليس لجنة دستورية، ولا يمكن أن تنتهي خلال يوم واحد فقط”.
وأضاف، أن عدد الحضور كبير جدًا، ولا يمكن بناء توافقات حول قضايا استراتيجية خلال ساعات، وبالتالي فإن البيان الختامي توافقي ولا يعتقد أن يكون لأي أحد اعتراضًا عليه، وبعيدًا عن القضايا التي تناولها المؤتمر، لأنه كرر مخرجات مؤتمر النصر، وكان بإمكان الإدارة السورية أن تقيم اجتماعًا للقوى السياسية والدينية، للحصول على الشرعية الشعبية لسلطتها.
ورغم الآراء الإيجابية حول مؤتمر الحوار الوطني إلا أنه لم يخرج بمعطيات واضحة حول مستقبل ديمقراطي تعددي، كما أنه لم يضع محددات زمنية لعمل السلطة، ولم يعطي الأولوية لتداول السلطة، وتفعيل الحياة السياسية، ما جعل مخرجات المؤتمر بنودًا مرسومة ورسائل موجهة إلى المجتمع الدولي تهدف إلى تسويق السلطة الانتقالية.
ختامًا.. رغم الانتقادات التي طالت الإجراءات التنظيمية لمؤتمر الحوار الوطني، إلا السوريون يجمعون على أهمية الحوار واستمراريته خلال الفترات المقبلة، في حين، تضع مخرجات البيان الختامي السلطات السورية أمام استحقاقات كبيرة في ظل تحديات ومعوقات، تكمن في الأدوات والآليات التطبيقية نتيجة الانقسامات السياسية، والعسكرية والأمنية، والموارد المالية والبشرية، فضلًا عن قدرتها في عزل دور مؤتمر الحوار الوطني عن بحثها في الحصول على الشرعية الشعبية.