شهدت ألمانيا يوم الأحد 23 فبراير/شباط 2025 انتخابات وطنية حاسمة، أفرزت تغيرات جوهرية في المشهد السياسي، حيث تمكن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) بقيادة المحامي والمصرفي فريدريش ميرتس من تحقيق الفوز، حاصدًا 28.5% من الأصوات، ليشق بذلك طريقه نحو تولي منصب المستشارية للمرة العاشرة في تاريخ البلاد.
ورغم هذا الانتصار، حقق حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) اليميني المتطرف تقدمًا لافتًا، مسجلًا 20.4% من الأصوات، ما عزز مكانته كثاني أكبر قوة سياسية في البلاد. في المقابل، مني الحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPD) بقيادة أولاف شولتس بنكسة تاريخية، إذ تراجع إلى 16.3% فقط، وهو أسوأ نتيجة له منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مما يعكس تحولًا كبيرًا في توجهات الناخبين الألمان.
وفي مستهل ولايته كمستشار لألمانيا، أعلن فريدريش ميرتس عن نيته دعوة رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لزيارة برلين، وذلك عقب تلقيه تهنئة من الأخير بمناسبة فوزه في الانتخابات. كما شدد على أنه سيضمن وصول نتنياهو ومغادرته دون التعرض للاعتقال، رغم صدور مذكرة توقيف بحقه من المحكمة الجنائية الدولية، ما يفتح باب التساؤلات حول موقف ميرتس من الاحتلال الإسرائيلي ومدى التزامه بالمعايير القانونية الدولية.
„Wir – die @CDU und die @CSU – haben diese Bundestagswahl gewonnen. Danke für das Vertrauen, das Sie uns und das Sie mir gegeben haben. Und ich möchte in diesem Zusammenhang ein Wort des Respekts für unsere politischen Wettbewerber sagen. Wir werden unserem Regierungsauftrag nun… pic.twitter.com/sFuB8C2qMr
— Friedrich Merz (@_FriedrichMerz) February 23, 2025
من هو المستشار الألماني الجديد؟
فريدريش ميرتس، سياسي ومحامٍ ألماني، ورجل أعمال ذو خبرة واسعة في الاقتصاد والقطاع المصرفي، من مواليد عام 1955 في مدينة بريلون بولاية شمال الراين-وستفاليا. بدأ مشواره السياسي في الثمانينيات كعضو في البرلمان الأوروبي، قبل أن يُنتخب في عام 1994 لعضوية البوندستاغ (البرلمان الألماني)، حيث سرعان ما أصبح شخصية مؤثرة في المشهد السياسي الألماني.
شغل ميرتس منصب رئيس الكتلة البرلمانية للاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CDU/CSU) بين عامي 2000 و2002، حيث عُرف بمواقفه المحافظة ونهجه الاقتصادي الليبرالي، مما عزز حضوره ضمن الجناح اليميني الوسطي للحزب. دعا إلى تعزيز سياسات السوق الحرة، وخفض الضرائب، والحد من تدخل الدولة في الاقتصاد، كما كان من الأصوات البارزة في الدعوة إلى تشديد سياسات الهجرة، بما في ذلك فرض قيود صارمة على اللاجئين السوريين وترحيل المهاجرين غير الشرعيين.
ارتبط اسم فريدريش ميرتس بتوتر سياسي حاد مع المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، التي أقصته من قيادة الكتلة البرلمانية للحزب بعد توليها زعامة الاتحاد الديمقراطي المسيحي، حيث تبنت نهجًا أكثر وسطية. مما دفعه إلى الابتعاد عن الساحة السياسية لبعض الوقت، والتركيز على مسيرته المهنية، مع بقائه حاضرًا في المشهد العام من خلال انتقاداته لسياسات ميركل عبر وسائل الإعلام، في محاولة لإعادة تقديم نفسه كبديل يحمل رؤية مختلفة للحزب.
عاد فريدريش ميرتس إلى الساحة عام 2018، واضعًا نصب عينيه قيادة الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وفي عام 2021، تولى رئاسة الحزب خلفًا لأنغريت كرامب كارينباور بعد استقالتها. ركز في حملته الانتخابية على الإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز الأمن الداخلي، وتشديد سياسات الهجرة، ما أكسبه دعمًا واسعًا بين شرائح الناخبين الباحثين عن قيادة أكثر صرامة.
يُعرف ميرتس بتوجهاته المحافظة، إذ كان في شبابه عضوًا في حركة الشباب الكاثوليكية الألمانية، ويحمل مواقف ثابتة حيال قضايا اجتماعية مختلفة، من بينها معارضته للإجهاض وعدم تبنيه الكامل لحقوق المثليين. ففي تصريح سابق عن كلاوس فولبرايت، عمدة برلين المثلي، قال: “لا مشكلة لدي معه طالما أنه لا يقترب مني”.
ما هي أهدافه الداخلية؟
تعكس الرؤية الاقتصادية لميرتس التزامًا بأهداف مالية واضحة، فقد اقترح خفض معدل ضريبة الشركات من حوالي 30٪ إلى 25٪، وهي مبادرة يرى أنها قد تؤدي إلى فقدان ما بين 20 و30 مليار يورو من عائدات الدولة، لكنها في المقابل ستسهم في تحفيز النمو الاقتصادي عبر تعزيز القدرة التنافسية للشركات. كما يدعو إلى تقليص ضرائب الكهرباء ورسوم الشبكة لتخفيف أعباء تكاليف الطاقة على الشركات، مما يعزز المكانة الصناعية لألمانيا على المستوى العالمي.
على الصعيد الاجتماعي، يتبنى ميرتس نهجًا صارمًا فيما يتعلق بسياسات الهجرة والاندماج. فقد وضع استراتيجية من خمس نقاط تهدف إلى تشديد قواعد اللجوء، تتضمن تعليق العمل باتفاقية دبلن داخل الاتحاد الأوروبي، وفرض عمليات تفتيش حدودية أكثر صرامة. وتعكس سياساته رغبة في الحد من الهجرة غير النظامية، مع ضمان اندماج القادمين الجدد في ما يسميه “Leitkultur” أو “الثقافة الأساسية” لألمانيا، مؤكدًا بذلك على ضرورة الالتزام بالقيم والمبادئ المجتمعية الألمانية.
أما في مجال الأمن والدفاع، فقد شدد ميرتس على ضرورة تعزيز الاستعداد العسكري بشكل كبير، وهو من أبرز المؤيدين لتحقيق هدف الناتو بإنفاق 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، كما انتقد التأخير في تحديث الجيش الألماني، ويعكس تأييده للتسليم المبكر للأسلحة المتطورة -مثل دبابات “ليوبارد”- إلى أوكرانيا، التزامه بدعم الأمن القومي والمسؤوليات الدفاعية على المستوى الدولي.
توجهات سياسته الخارجية
يتبنى فريدريش ميرتس نهجًا سياسيًا يعكس التزامًا راسخًا بالتحالف الأطلسي، مشددًا على أهمية تعزيز العلاقات مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) وترسيخ الروابط الاستراتيجية مع الحلفاء الرئيسيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة. فقد أكد في العديد من تصريحاته أن “التحالف عبر الأطلسي هو حجر الزاوية لأمننا”، داعيًا صناع القرار إلى تعزيز التزامات ألمانيا تجاه الناتو، وضمان استمرار القيادة الأميركية كركيزة أساسية للأمن والاستقرار الدوليين.
رسّخ ميرتس التزامه بالتحالف العابر للأطلسي من خلال مسيرته السياسية والمهنية، فبين عامي 2009 و 2019، تولى رئاسة منظمة “الجسر الأطلسي” (Atlantik-Brücke)، وهي مؤسسة ألمانية بارزة مكرسة لتعزيز العلاقات بين ألمانيا والولايات المتحدة، مما عزز من مكانته كأحد أكثر السياسيين الألمان التزامًا بالشراكة الاستراتيجية مع واشنطن. وفي هذا السياق، لم يتردد في إرسال مذكرة مكتوبة بخط يده إلى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بعد انتخابه، مهنئًا إياه على ما وصفه بـ”تفويض قوي للقيادة”.
على صعيد مرتبط بمنطقتنا، يُعد ميرتس من أبرز المؤيدين لدولة الاحتلال الإسرائيلي داخل المشهد السياسي الألماني، حيث تستند مواقفه إلى خليط من المصالح الاستراتيجية و”المسؤولية التاريخية” التي تضع أمن “إسرائيل” ضمن الأولويات الدبلوماسية لبرلين. فقد أكد مرارًا أن “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها غير قابل للتفاوض”، موجهًا انتقادات شديدة إلى بعض المؤسسات الدولية عندما يرى أنها تتخذ مواقف من شأنها تقويض أمن “إسرائيل”. وفي هذا الإطار، ندد ميرتس بقرارات المحكمة الجنائية الدولية التي استهدفت قادة إسرائيليين، واصفًا إياها بأنها “فاضحة” وتضر بجهود تحقيق الاستقرار والسلام.
وفي تصريحات أخرى، شدد على ضرورة تعزيز الشراكة مع “إسرائيل” على المستويات كافة، مشيرًا إلى أنه في حال فوزه بمنصب المستشار، سيعمل على إلغاء القيود المفروضة على تصدير الأسلحة إلى “إسرائيل”، وهي القيود التي فرضتها الحكومة الألمانية الحالية. وأضاف في خطاب عام أن “أمن إسرائيل جزء لا يتجزأ من مصلحة الدولة الألمانية”، مؤكدًا أن حكومته ستقف بحزم إلى جانب إسرائيل “في جميع الظروف”، وستضمن حقها الكامل في الدفاع عن نفسها، مع تعزيز التعاون العسكري والدبلوماسي بين البلدين.
وقد بادر فريتس عقب فوزه في الانتخابات، للإعلان عن نيته بتوجيه دعوة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لزيارة ألمانيا، في خطوة تمثل تحديًا لمذكرة الاعتقال الصادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية. وأكد ميرتس قائلًا: “إذا كان نتنياهو يخطط لزيارة ألمانيا، فقد تعهدتُ بأننا سنجد طريقة تضمن له القدرة على دخول البلاد ومغادرتها دون التعرض للتوقيف”.
وفي رد مباشر على تصريحات ميرتس، قالت المحكمة الجنائية الدولية إن “تنفيذ قراراتنا ملزم”، مؤكدة أن “الدول ليس لها الحق في تحديد مدى صحة أحكامنا القانونية بشكل منفرد”.
بإختصار، يسعى فريدريش ميرتس لتعميق العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، مع التركيز على تعزيز دعم ألمانيا العسكري لأوكرانيا في ظل تراجع ترامب بالحرب بين البلدين، مما سيعيد لألمانيا مكانتها كقوة محورية في الأمن الأوروبي. في الوقت نفسه، يولي اهتمامًا خاصًا بتعزيز التعاون مع إسرائيل، باعتبارهًا لاعبًا محوريًا في الشرق الأوسط، يضمن لبلاده دورًا جديدًا في المنطقة. ومع ذلك، قد يواجه هذا النهج تحديات قانونية ودولية، مما يضع ميرتس أمام اختبار حقيقي في التوازن بين مصالح بلاده والالتزام بالمعايير الدولية.