في المراحل الأولى من الثورة السورية، برز اسم أبو يزن الشامي، زعيم حركة أحرار الشام وعضو مجلس شورى الجبهة الإسلامية كأحد الشخصيات المحورية في الساحة الجهادية، فقد كان العقل الفكري والاستراتيجي لأحرار الشام، وساهم في بلورة رؤيتها السياسية، إلى جانب إسهاماته البارزة في القضايا الشرعية المرتبطة بالمشهد الجهادي.
لقد تميز أبو يزن الشامي بجمعه بين العلوم الشرعية والإنسانية، إلى جانب ممارسته للعمل المسلح وانخراطه في التنظير الفكري والحركي، فضلًا عن تمتعه بنضج سياسي لافت. ورغم أهميته، لم يحظَ بالكثير من الاهتمام الإعلامي. فمن هو أبو يزن الشامي؟ وما أبرز الأفكار التي تبناها؟ وكيف أثرت رؤاه على المشهد السوري؟
أنجبت سوريا قادة جهاديين تركوا أثرًا عميقًا على الحركة الجهادية محليًا وعالميًا. نستكشف أبرز هؤلاء القادة والرموز ضمن ملف “الجهادية السورية”، مستعرضين البيئة التي نشأوا فيها، والمنعطفات التاريخية والسياسية التي أسهمت في تكوينهم النفسي وشكلت أفكارهم وشخصياتهم. الجهاديون السوريون لا يعيشون في فراغ، بل تتأثر معتقداتهم وقراراتهم بالظروف المتغيرة والصراعات التي يخوضونها.
البدايات المبكرة: ما قبل الانفجار
شكلت مذبحة حماة 1982 رسالة قاسية من حافظ الأسد إلى المعارضة الإسلامية، مفادها أن أي تحدٍ لحكمه سيُواجه بوحشية مطلقة. ومع ذلك، أدرك بعد هذه الأحداث الدامية أن القمع وحده لا يكفي لإخماد تطلعات الفئات المحافظة في التعبير عن هويتها.
لذلك، انتهج النظام سياسات تهدف إلى تعزيز نموذج “الإسلام المعتدل” الخاضع لسيطرة الدولة، ومنح بعض علماء السنة مساحة محدودة لضمان ولائهم. مع ذلك وكما أشار “حسان عبود” فإن هذا الوضع سيخلق جيلًا ناقمًا يسعى للتعبير عن هويته رغم محاولات آبائه ابقائها طي الكتمان وعدم الجهر بها.
وسط هذا الجو، وُلد محمد الشامي في ريف دمشق عام 1986 لأسرة متوسطة الحال، تنحدر من بلدة يبرود شمال العاصمة. ورغم قلة المعلومات حول حياته المبكرة، إلا أنه نشأ في بيئة مهتمة بالقضايا الفكرية والسياسية، مما ساعده على بناء قاعدة معرفية قوية مهدت له لاحقًا الانخراط في العمل التنظيمي.
تلقى أبو يزن تعليمه في مدارس دمشق، وتميز بتفوقه الدراسي، وبرز شغفه بالكتب الفكرية منذ المرحلة الإعدادية، وتعمّق اهتمامه بها خلال دراسته الثانوية. لم تكن عائلة أبو يزن متدينة، ورغم رغبة والديه في أن يلتحق بكلية علمية، خاصة وأنه حصل على مجموع أهله للالتحاق بكليات مرموقة كالطب والهندسة وغيرها، إلا أنه أصر على دراسة الشريعة.
أثناء دراسته الجامعية، لم يقتصر تحصيله العلمي على المناهج الأكاديمية فحسب، بل تتلمذ أيضًا على يد كبار العلماء خارج الجامعة، وكان من أبرزهم الشيخ كريم راجح. كما درس المذهب الحنبلي على يد مشايخ دمشق، وكرّس وقته لمطالعة مختلف الكتب الإسلامية.
أما رحلته الفكرية، فقد مرَّ أبو يزن بعدة مراحل، بدأها بالتيار التقليدي السائد الذي يمثله نهج البوطي، وانتهاءً بالمدرسة التي وجدها الأقرب إليه، وهي مدرسة سيد قطب. فقد تأثر بكتابات سيد قطب وأخيه محمد قطب، إلى جانب محاضرات وكتب الشيخ عبد المجيد الشاذلي.
لكن المنعطف الرئيسي في حياته جاء عام 2003 مع الغزو الأميركي للعراق، ففي ظل الحربين الأميركيتين على أفغانستان والعراق، اكتسبت السلفية الجهادية زخمًا متزايدًا في المنطقة. وأصبح تنظيم القاعدة النموذج السائد للجهاد من حيث الشعارات، والأدبيات، والأناشيد. وقد أيد بعض الشباب تنظيم القاعدة، ليس بالضرورة من منطلق تبني كامل مبادئه الأيديولوجية، بل باعتباره القوة الأبرز في مواجهة الهيمنة العسكرية الأميركية في المنطقة.
في سوريا، أسهم احتلال العراق في تنامي الاهتمام بالدين بين الشباب، وسعى العديد منهم إلى تعزيز الحضور الإسلامي، حتى داخل الأوساط الجامعية. وأشار زعيم حركة أحرار الشام، في مقابلة مع قناة الجزيرة قبل وفاته، أن المساكن الجامعية آنذاك تحولت إلى نوادٍ صغيرة للنقاش السياسي بين مختلف التوجهات الفكرية.
ويبدو أن هذه الأحداث تركت ندوبًا في شخصية أبو يزن وأثرت عليه كثيرًا، وقد حكى أن هذا المناخ شكل ضغطًا نفسيًا هائلًا عليه، مما دفعه إلى تبني النهج السلفي الجهادي، كرد فعل على ما اعتبره تهديدًا للإسلام. إذ رأى في الجهاد الوسيلة الأنجع لمواجهة الاحتلال الأمريكي. غير أن تبنيه لهذا التوجه كان مدفوعًا بأسباب سياسية أكثر منها أيديولوجية، في الواقع، كان انتماؤه لهذا التيار أكثر تعقيدًا مما قد يبدو.
غض النظام الطرف عن الشباب السوريين المتعاطفين أو الراغبين في القتال ضد القوات الأمريكية في العراق، لكنه سرعان ما غيّر موقفه، مستغلًا وجودهم كورقة في مفاوضاته مع الإدارة الأمريكية. لاحقًا، شدد الرقابة على الحدود مع العراق واعتقل العديد من الشباب الإسلاميين من مختلف التوجهات، وزجّ بهم في السجون.
في تلك الأثناء، كان أبو يزن قد تخصص في أصول الفقه، وواصل دراساته العليا في مرحلة الماجستير بتخصص الفقه المقارن، إلا أن نظام الأسد اعتقله عام 2010 بتهمة الانتماء إلى “السلفية الجهادية”، وبسبب نشاطه الداعم للجهاد في العراق، وقد جاء اعتقاله ضمن حملة أمنية واسعة استهدفت العديد من ذوي التوجهات الإسلامية.
من مراجعات السجن إلى ميادين الثورة
أثناء فترة اعتقاله في سجن صيدنايا، تعززت علاقة أبو يزن بعدد من الشخصيات الجهادية هناك، مستفيدًا من خبراتهم وتجاربهم. وقد كان للسجن تأثير عميق على الجهاديين السوريين، خاصة القادة الذين أسسوا لاحقًا حركة أحرار الشام. فقد شهد السجن نقاشات مكثفة حول إرث تنظيم القاعدة وأخطاء فرعه في العراق، وخاض المعتقلون مناظرات فكرية واسعة حول العمل الجهادي.
ساهمت هذه النقاشات، التي جرت قبل اندلاع الثورة عام 2011، في تشكيل رؤى أكثر واقعية لدى أبو يزن. وقد أدرك أن تطبيق مبادئ السلفية الجهادية يستلزم دراسة متأنية، حيث إن أي تطبيق غير منضبط لهذه المبادئ قد يؤدي إلى طريق مسدود، مما يعوق تحقيق الأهداف السياسية المنشودة.
وفي ظل انتشار احتجاجات الربيع العربي في تونس ومصر، بد بشار الأسد واثقًا من أن نظامه في مأمن من هذه الانتفاضات، لكنه غفل أن الأحداث التاريخية التي شهدتها سوريا في أواخر السبعينيات ستعود بقوة إلى الواجهة. وعندما اندلعت الاحتجاجات في سوريا، استمدت قوتها من تلك الذاكرة التاريخية، إلى الحد الذي جعلها تنتقم من الماضي، رافعة شعار: “لن نسمح بتكرار مجزرة 1982”.
وبفضل جهود عائلته، أفرج النظام عن أبي يزن في مايو/أيار 2011 قبل تحويله إلى المحاكمة، وذلك في وقت كانت فيه الثورة السورية قد اندلعت قبل شهرين. وسرعان ما أيد أبو يزن الحراك السلمي، لكنه اقتنع بأن المظاهرات لن تُسقط النظام، وأن الكفاح المسلح هو السبيل الوحيد لتحقيق التغيير السياسي في سوريا، وتوقع أن الثورة ستتحول قريبًا إلى مواجهات مسلحة.
مع ذلك، بقيت العسكرة محدودة في البداية، وبينما انشغل البعض بالتحضيرات العسكرية، سافر أبو يزن إلى الإمارات للعلاج، وهناك، واصل البحث في المسائل الفقهية، متشاورًا مع عدد من العلماء لضبط الفتاوى وتقديمها بشكل منهجي للساحة السورية. وبدأت ملامح شخصيته تظهر بشكل واضح، في الواقع، ساعدته الثورة السورية على أن يخرج من حيز الفكر لحيز الوجود، ويقول أبو يزن:
“هذا الإسلام لم أفهمه وأكتشف حقيقته إلا عندما بدأت هذه الثورة المباركة.. واكتشفت أن هذا الدين لا يعطيك خصائصه إلا عند ممارسته، لذلك أركز على كلمتي الواقعية والممارسة”.
سرعان ما أدرك أبي يزن أهمية العودة إلى سوريا، فتمكن من التسلل إلى البلاد سرًا. لم يكن يرى العمل مع جبهة النصرة خيارًا مناسبًا خاصة بسبب تبعيتها لتنظيم القاعدة، مما قد يحمّل أهل سوريا تبعات لا طاقة لهم بها. وخلال أحد المؤتمرات التي عقدها مع الناس، أوضح أسباب عدم انضمامه إلى تنظيم القاعدة أو الإخوان المسلمين، مؤكّدًا أن هذه النماذج لا تتناسب مع خصوصية الواقع السوري، وأنه يختلف مع هذه المشاريع في التصور والسلوك.
ولذلك، أسس مع بعض رفاقه “كتيبة ابن تيمية” التي أصبحت لاحقًا النواة الأولى لحركة الفجر الإسلامية، وقد ساهم في تأسيس هذه الحركة بمدينة الباب شرق حلب، وتولى منصب الشرعي العام فيها.
بعد ذلك، بدأت مرحلة متقدمة من العمل العسكري، حيث خاضت أحرار الشام وحركة الفجر الإسلامية عمليات مشتركة استهدفت قواعد الدفاع الجوي، وتمكنت خلالها من الاستيلاء على كميات كبيرة من الذخائر والأسلحة، مما شكل منعطفًا هامًا في مسار العمل العسكري.
ثم اندمجت حركة الفجر مع أحرار الشام التي تطورت من ألوية عسكرية صغيرة، ومع هذا التطور، ازدادت مسؤوليات أبي يزن بشكل كبير، فأصبح عضوًا في مجلس شورى الحركة الجديدة، ثم قائدًا لحلب، بعد أن تولى منصب نائب أمير الحركة.
دور أبي يزن في أحرار الشام
لم يكن قادة حركة أحرار الشام متفقين على رؤية سياسية موحدة، إذ شهد مجلس الشورى خلافات حادة أفرزت تيارين رئيسيين: أحدهما بقيادة أبي عبد الله والشيخ أبي عبد الملك، والآخر بزعامة أبي يزن وأبي أيمن الحموي، وكثيرًا ما اتسمت جلسات الشورى بنقاشات ساخنة بسبب تباين المواقف.
رغم ذلك، لعب أبو يزن دورًا محوريًا في رسم استراتيجيات وسياسات أحرار الشام، وسعى إلى جعل عملية صنع القرار أكثر انسجامًا وتوافقًا. ورغم انتقاداته العلنية والمتكررة للغرب، لم يكن رافضًا للحوار، حتى مع الدول ذات المواقف السلبية تجاه الثورة السورية، وظل مدافعًا عن هذا الرأي حتى آخر أيام حياته.
كما كان من أبرز الداعمين لإقامة علاقات مع الجماعات المسلحة غير السلفية، مؤكدًا أن طبيعة المعركة تستوجب وحدة الصف، حتى مع أولئك الذين لا يعتنقون نفس المعتقدات. وانطلاقًا من وعيه بالأبعاد الإقليمية والدولية للثورة السورية، وإدراكه لطول أمد المعركة وشدة الحرب، فقد رأى أن طبيعة الصراع تفرض على المعارضة المسلحة تبني خيارات تتناسب مع الواقع الراهن، حيث يعاني المجتمع من حالة استضعاف شديدة، مما يستوجب العمل وفق المتاح والممكن، ويقول:
“في الشريعة يوجد شيء اسمه ازدحام الفروض والواجبات، أي أننا لا نستطيع أن نقوم بكل الواجبات والفروض مع بعضها، فنبدأ بالأولويات، الأهم فالأهم”.
من زاوية أخرى، أكد أبو يزن أنه في مرحلة دفع الصائل، من الطبيعي أن يبرز الجانب العسكري، لكنه وحده لا يكفي لنجاح مشروع التحرير. وهنا أصل لضرورة تكامل الأبعاد العسكرية، والاجتماعية، والسياسية، محذرًا من تغليب جانب على آخر، ورأى أن تحقق انتصارات عسكرية دون مواكبتها بتقدم سياسي واجتماعي ومدني ستكون نتيجته مجتمعًا منهكًا، جاهلًا، ومفككًا نتيجة التركيز المفرط على العمل العسكري وإهمال بقية الجوانب.
في المقابل، يرى أبو يزن أن التركيز على العمل السياسي والاجتماعي مع إهمال الجانب العسكري يعد انفصالًا عن متطلبات المرحلة. لذلك، يعتبر تحقيق التوازن بين هذه الجوانب أمرًا ضروريًا لا يمكن الاستغناء عنه. ويقول: “نسعى لإيجاد إدارة مدنية وسلطة تحكم هذه البلاد تكون نابعة من هذه الثورة”.
يشدد أبو يزن على أن تأسيس فصيل أحرار الشام مجرد وسيلة لتنظيم التحرك، وليس غاية بحد ذاتها. ومن وجهة نظره، الجهاد ضد نظام الأسد هو أداة للوصول إلى مرحلة جديدة وتحقيق غايات سياسية محددة. لذلك يرى أن حركة أحرار الشام يجب أن تكون مرحلة انتقالية، لا كيانًا دائمًا، وفي هذا السياق، يقول: “سألني أخ: أين ترى أحرار الشام في المستقبل؟ فأجبته: لا أراها، لا ينبغي أن تستمر، بل تكون مرحلة ثم ننتقل للذي بعدها”.
ومع ترسيخ أحرار الشام لنفسها داخليًا واكتسابها أراضي جديدة، أنشأت مكتبها السياسي خارج سوريا في وقت مبكر، ثم في مايو 2013، وقّعت إلى جانب عدد من الفصائل على ميثاق الشرف الثوري، الذي حدد طبيعة الصراع وأكد على احترام التنوع العرقي والسعي لإقامة دولة قائمة على العدل والحرية تحترم حقوق جميع مواطنيها، بمن فيهم الأقليات.
كتب أبو يزن هذا الميثاق الذي قوبل بردود فعل غاضبة من الجماعات الجهادية التي انتقدت ما اعتبرته انفتاحًا غير مقبول، ورفضًا لمفهوم الدولة الإسلامية التي تحكمها الشريعة، إضافة إلى تقديم المواطنة على الأخوة الدينية. والبعض صور أحرار الشام كمشروع مدعوم غربيًا.
واجه أبو يزن انتقادات الجهاديين بردود حازمة، وفي رده على منظري السلفية الجهادية، وخاصة القنيبي وأبو محمد المقدسي، وجه أبو يزن انتقادًا لاذعًا لما وصفه بـ “ثقافة التخوين والوسوسة والتشكيك” التي يروج لها هذا التيار. كما سخر من منتقديه الذين اتهموه بالتمسك بمفهوم سايكس بيكو.
ورغم قدرتها على هزيمة داعش مبكرًا، تجنبت أحرار الشام المواجهة لتردد بعض أعضائها في قتال داعش، كما أوضحت مقابلات مع قيادات الحركة في فيلم وثائقي. وأكد المرجع الديني للحركة آنذاك، أبو عبد الملك في محاضرة مسجلة، أن بعض أفراد الحركة رفضوا قتال داعش بسبب الخوف من الخوض في دماء المسلمين.
في الواقع، شكل ظهور داعش منعطفًا حاسمًا في مسيرة أبي يزن، لم يقم بصياغة أفكاره وتكثيف نشاطه الفكري فحسب، بل كان من أوائل الجهاديين الذين وصفوا داعش بالخوارج والغلاة، وخاض مناظرات مع أبو محمد العدناني المتحدث باسم داعش.
وعند إعلان تنظيم الدولة قيام دولته في الشام، كلف أمير أحرار الشام، أبو عبد الله الحموي، أبا يزن بدراسة داعش. وبعد بحث وتحليل، خلص أبو يزن إلى أن التنظيم يتبنى نهج الخوارج، وسيعمل على محاربة الفصائل وتكفيرها، مما يستلزم الاستعداد لمواجهته.
إلا أن هذه النتيجة أثارت استياء أبو عبد الله بشدة، وعند سماعه لما توصل إليه أبو يزن، خاطبه بالقول: اتقِ الله. ثم مع بروز كتابات ومواقف أبي يزن عن داعش للعلن، أعلن أبو عبد الله الحموي أن الشيخ أبو عبد الملك هو المخول بالتعبير عن مواقف الحركة.
في الواقع، كان أبو يزن من أوائل الداعين إلى قتال داعش، خاصة بعد اغتيال أبو خالد السوري، وهي حادثة شكلت منعطفًا هامًا في حياته. ومنذ البداية، أدرك أهمية وضع إطار أيديولوجي لمواجهة تنظيم الدولة. ورغم التحديات العسكرية وتردد بعض شباب الحركة في محاربة داعش، بذل جهودًا كبيرة لمجابهة فكر داعش وتبرير مواجهته.
الاجتهادات الفكرية والسياسية لأبي يزن
أدرك أبو يزن مبكرًا أخطاء التجارب الجهادية السابقة مستفيدًا من المراجعات التي جرت في السجون. ورغم تقاطعه مع الجهاديين في العديد من القواسم، إلا أنه تميز برؤية سياسية وفكرية مختلفة، كما سعى إلى بلورة نهج أيديولوجي مستقل عن تنظيمي القاعدة وداعش، وكان كثيرًا ما يحذر من تكرار تجربة مأساوية أخرى كما حدث مع الطليعة، وذكر أنه يسعى إلى تقديم نموذج ناجح يمكن أن تستلهم منه الدروس.
لذا ركز على صياغة خطاب أكثر مرونة يوازن بين طموحاته الجهادية ومتطلبات السياسة الواقعية. واشتهر بكتاباته التي تناولت قضايا الفكر الإسلامي والمسائل الاجتماعية والسياسية في المنطقة والتي تعكس رؤيته وفكره، إلى جانب دوراته ومحاضراته وخاصة سلسلة “الجهاد على بصيرة” التي سعى من خلالها لتصحيح المفاهيم الفكرية والعقدية الخاطئة وتوجيه الشباب نحو رؤية أكثر وضوحًا واتزانًا.
وقد امتازت محاضراته بتناول قضايا العلوم السياسية والعلاقات الدولية من منظور إسلامي، مع التشديد على ضرورة فهم الواقع والتعامل معه بوعي. وحظيت أفكاره آنذاك بانتشار واسع على وسائل التواصل الاجتماعي.
عارض أبو يزن مفاهيم الليبرالية والحداثة والعلمانية وانتقد كذلك قيم الديمقراطية، وتحدث بدلًا من ذلك عن “السياسة الشرعية”، لقد جادل بأن الشريعة مبنية على مبادئ صالحة لكل زمان ومكان، لكنه أكد أنه لا يمكن تطبيق الشريعة الإسلامية دون مراعاة مقاصدها العليا.
في الواقع، كان أبو يزن من بين الجهاديين السوريين الذين قدموا خطابًا جهاديًا غير مألوف، حيث انتقد بشكل متزايد التطبيق العملي للمبادئ الأيديولوجية للسلفية الجهادية. كما فرق بين ممارسة الإسلام على مستوى فردي، وبين ممارسته على مستوى الشعب، وعلى مستوى الحكم.
وفي مقالته “التمكين في الوهم والعقلية الاحتفالية”، يرى أبو يزن أن المكاسب في علم السياسة إما صلبة ذات طابع استراتيجي، أو هشة ذات طابع احتفالي، ويضع مثالًا لذلك بصلح الحديبية الذي يعتبره مكسب صلب، بينما تحرير أبو جندل مكسب هش.
ورغم تأثره بنموذج حركة طالبان واستشهاده المتكرر بابن تيمية والعز بن عبدالسلام والشاطبي، فإن أفكار أبو مصعب السوري كان لها تأثير عميق على أبو يزن، حيث انجذب إلى رؤاه الجهادية واستدل بها في محاضراته، وربما التقى به خلال فترة اعتقاله في صيدنايا. ومن جهة أخرى، سعى إلى تبني طرح ينسجم مع تطلعات الثوار السوريين الساعين للإطاحة بنظام الأسد وبناء مستقبل أكثر ازدهارًا للبلاد.
ومن أهم الجوانب التي شغلت اهتمام أبي يزن بشكل كبير مسألة تحويل الجهاد في الشام إلى “جهاد النخب”، الذي غالبًا ما يرتبط بالسلفية الجهادية مع مقارنته بما أطلق عليه “جهاد الجماهير”.
يشدد أبو يزن على أهمية توحيد الصف في مواجهة مفهوم “أخوة المنهج” الذي يعتز به الجهاديون وانتشر على نطاق واسع آنذاك، ويرى أن هذا المفهوم يعمق الفجوة بين المجاهدين وبقية المسلمين. وفي بعض الأحيان، لم يتردد في السخرية منه، مستخدمًا عبارات تهكمية مثل، “أصدقاء المهجع”، و”صنم المنهج”.
ولذا أكد بشكل متكرر على ضرورة تعزيز الروابط والتكيف مع المجتمعات المحلية وتجنب فرض ضوابط صارمة، والامتناع عن التكفير، مشددًا على أن الجهاد في الشام يجب أن يكون جهاد أمة وثورة شعب، وتتجلى أفكاره في هذا السياق كامتداد لرؤى أبي مصعب السوري.
وحسب رؤية أبو يزن فإن نجاح أي مشروع جهادي يتطلب أن يكون مشروعًا للأمة ومنبثقًا من الشعب. وقد كان بالفعل قريبًا من الناس، يحضر المؤتمرات ويجيب على الأسئلة. ويُلاحظ أنه سعى للانتقال من الخطاب الأيديولوجي إلى لغة أكثر ارتباطًا بالثورة.
كما أكد أن التنظيمات والفصائل مهما بلغت من قوة وتنظيم، لا يمكنها النجاح ما لم تتبنى شعوبها مشروعها، وفي الحالة السورية، يعتبر أبو يزن إن إسقاط نظام حكم راسخ كالأسد متجذرًا لعقود، لن يسقط بدون دعم من الشعب.
ورغم أن أبا يزن كان يعتبر نفسه سلفيًا في عقيدته ومنتميًا إلى التيار الجهادي، إلا أنه لم يكتفِ برفض بعض مبادئ السلفية الجهادية، بل انتقد أيضًا طابعها النخبوي وتعصبها، معبرًا علنًا عن ندمه على إقحام الجدل العقائدي في الثورة السورية. كانت هذه خطوة جريئة بالنظر إلى انتمائه لهذا التيار، حيث صرح قائلًا: “كنت سلفيًا جهاديًا وحُبست على هذه التهمة في سجون النظام، واليوم أستغفر الله وأتوب إليه، واعتذر لشعبنا أننا أدخلناكم في معارك دونكيشوتية كنتم في غنى عنها، أعتذر أننا تمايزنا عنكم يومًا”.
يرى أبو يزن أن من أبرز نقاط الضعف في الساحات الجهادية هو القصور الفقهي وعدم تفعيل أدوات الاجتهاد والاستنباط لدى القائمين على العمل الجهادي، إضافةً إلى ضعف الفهم السياسي الشرعي، ومحاولة الجماعات الجهادية وضع المشروع الإسلامي في إطار يفوق قدراته الحالية ويتجاوز إمكانياته الواقعية.
ولذا يؤكد على أن أي حركة جهادية لا يمكنها الحفاظ على مكتسباتها دون تبني رؤية سياسية واقعية وواضحة. ويعبر عن ذلك بقوله: “اجتهادنا يتغير بمرور الوقت تبعًا للظروف وقدراتنا”. كما يرى أن التوسع في استخدام سد الذرائع قد يؤدي في النهاية إلى تقييد الحركة والانغلاق، وهو ما لا يتناسب مع طبيعة الجهاد التي تتطلب مرونة وسرعة في التحرك.
ووفقًا لتحليل أبي يزن، فإن أبناء المشروع الجهادي غالبًا ما ينظرون إلى السياسة بنظرة سلبية، إذ يعتبرون أي انخراط فيها تنازلًا، وممارستها شكلًا من التمييع، كما لا يجدون فيها ما يدعو إلى التفاؤل، ورجح أبو يزن ذلك إلى افتقار هذا التيار لإنتاج سياسي ناضج يمكن أن يستند إليه، مما أدى إلى نفورهم منها. ونتيجة لذلك، كثيرًا ما تتلاشى المكاسب التي يحققونها بسبب غياب البعد السياسي.
وبشكل لافت، وجه أبو يزن انتقادات حادة لآليات التفكير السائدة لدى العديد من الجماعات الجهادية، معتبرًا أن الغلو كان السمة الأبرز التي أفسدت التجارب الجهادية خلال العقدين الماضيين. وأشار إلى أن المفارقة تكمن في تكرار هذه الظاهرة في فترات متقاربة ومن ساحة إلى ساحة، مما يدل على استمرار الآليات الفكرية التي أنتجت هذا النهج.
لذلك، يرى أن الحل يكمن في إحياء مدرسة القياس والتعليل لمقاصد الشريعة ومصالحها، وهو الأمر الذي بحسبه سيؤدي إلى بلورة رؤية سياسية واضحة وعدم ضياع المكاسب المحققة. ولهذا السبب، ركّز بشكل خاص على إعداد كوادر لممارسة العمل السياسي، ورفع مستوى الوعي الفقهي والسياسي والحركي داخل التيار الجهادي، ويؤكد قائلًا: “نحن بحاجة إلى إعداد سياسي وتربية سياسية، كي لا يصبح الجهاد تجربة، كما حصل مع التجربة العراقية، والجزائرية، والصومالية”.
عندما ترجو #السلفية_الجهادية من الثورة الشامية أن نتعامل معها بعد قصة داعش على مبدأ اجتهدت فأخطأت وننسى فهي واهمة، بل أخطأت فاجتهدت وسنحاسب
— أبو يزن الشامي (@rkorvd44) September 2, 2014
كذلك يرى أبو يزن أن أكبر عائق لهذه الحركات الجهادية هو غياب المراجعة الذاتية في الفكر والممارسة، ويصف ذلك بما أسماه بـ “فريضة الاعتبار الغائبة”، مشيرًا إلى افتقار الحركات والكيانات الإسلامية المعاصرة إلى النقد الذاتي والتقييم المستمر لمسارها.
وكثيرًا ما انتقد أبو يزن ما أسماه بـ “عقلية التاريخي” في التعامل مع السياسية والشريعة، مشيرًا إلى أولئك الذين عادوا إلى كتب العلماء في حقب سابقة كالماوردي وأبي يعلى الفراء، ثم أسقطوا مفاهيمهما على الواقع الحالي دون مراعاة التغيرات الجوهرية التي طرأت على العالم. وأوضح أن هذا النهج لن يقدم حلولًا فعالة، إذ إن معطيات الواقع والمنظومات الحاكمة للعالم قد تغيرت بشكل جذري.
ويشير أبو يزن إلى أن كتابات السياسية الشريعة التي أُلّفت في العصور الأموية والعباسية، جاءت في سياق عصور ازدهار وتمكين، بينما يختلف الواقع الحالي، الذي يتسم بالاستضعاف، مما يستدعي الحاجة إلى ما يسميه أبو يزن “فقه النهوض” بدلًا من “فقه التمكين” للانتقال من حالة الاستضعاف الحالية، ويقول:
“الواقع ليس إسلاميًا بصورته الصحيحة حتى تطرح تصورًا إسلاميًا، فنحن لا نمتلك الواقع السياسي… نحن الآن في واقع استضعاف، وهذه نقطة البدء، ونقطة الانتهاء دولة راشدة إسلامية نموذجية الوسائل والطرق، وهي محل الاجتهاد والاستنباط، ومحل الأخذ من التجارب والعبر”.
ولذا يرى أبو يزن أن الاعتماد على “فقه التمكين” يؤدي إلى الانفصال عن الواقع ورفع سقف التطلعات بشكل يفوق الإمكانات، مما يسرع من الانهيار. ومن وجهة نظر أبي يزن، فتحمل مسؤوليات التمكين قبل تحقيقه في مختلف المجالات والمستويات أدى إلى حالة من الفوضى وظهور ما سماه بـ”الفقه البهلواني” وتربية الإصدارات والأناشيد، إلى جانب هيمنة “العقلية الاحتفالية” على المشهد الجهادي. ويقول: “المشكلة أن هناك أناس يعيشون في واقع الاستضعاف تشربوا أدبيات عصر التمكين”.
إحدى الجوانب اللافتة في فكر أبي يزن، نقاشه المبكر لمختلف المفاهيم التي تبناها داعش، حيث استند إلى الفقه الإسلامي لدحض حججهم، كما رفض الفهم الضيق لمفهوم “الطائفة المنصورة” الذي استخدمه التنظيم لتبرير منهجه في الإسلام.
بل إن أبو يزن يرى أن التركيز على صفات “الطائفة المنصورة” وتكرار عبارة “لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم” سيؤدي إلى طغيان هذا المفاهيم على حساب مبادئ أخرى. والأخطر من ذلك بحسبه، أن هذا النهج يعزز العزلة والانغلاق، تحت ذريعة الانتماء للطائفة المنصورة أو أصحاب منهج وسنة. وفي ذلك يقول في سلسلة مقالاته “وقفات مع السلفية الجهادية”:
“إن أدبيات السلفية الجهادية تدندن دائمًا حول أحاديث الطائفة المنصورة، وطوبى للغرباء، والقابضين على الجمر، ولا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، وهذه الدندنة أدت إلى تضخم في هذا الجانب من الدين، وضمور في جوانب أخرى نشأ عنه فيما بعد من الانحراف ما الله به عليم”.
يؤكد أبو يزن أن نجاح المشروع الجهادي يتطلب المرور بعدة مراحل أساسية، تبدأ المرحلة الأولى بتصحيح المفاهيم، تليها مرحلة الإحياء، ثم تأتي مرحلة التنمية في مختلف المجالات. بعد ذلك، تبرز الحاجة إلى الحماية من التسرب والتصدي لمحاولات الاختراق، وصولًا إلى المرحلة الأخيرة التي تتمثل في التوحد والتكامل على مستوى الأمة.
منتصف الطريق
تميزت رؤية أبو يزن بطابع متقدم مقارنة بالكثير من الجهاديين السوريين، إذ سعى إلى ابتكار استراتيجيات تتخطى النماذج التقليدية. ونتيجة لذلك، حققت أحرار الشام نجاحًا بارزًا في المراحل الأولى من الصراع، وظهر حضورها على نطاق واسع في المجتمع السوري. وبحلول عام 2013، أصبحت الجماعة الرائدة في سوريا، متجاوزة الفصائل الإسلامية وجماعات الجيش السوري الحر.
في أيامه الأخيرة، كان أبو يزن يعمل على وضع أسسًا منهجية شاملة وخطة عمل إصلاحية تهدف إلى توجيه مسار الثورة السورية بشكل أكثر تنظيمًا وفعالية، كما تعهد بإحداث تحول جوهري في فكر وأداء حركة أحرار الشام.
لكن في 9 سبتمبر/أيلول 2014، تعرضت قيادة أحرار الشام لضربة غامضة، حين أدى الانفجار إلى مقتل جميع قادتها البارزين خلال اجتماع في بلدة رام حمدان بريف إدلب. وأسفر الحادث عن مقتل أكثر من 45 قائدًا، من بينهم أبو يزن الشامي، الذي رحل عن عمر 28 عامًا، وبعد عشرين يومًا فقط من زواجه.
من اللافت أن يتمكن شخص لم يكمل بعد عقده الثالث من اكتساب هذا الكم من التجارب والخبرات التي بلغها أبو يزن، وبصرف النظر عن مدى صواب مراجعاته، فقد قدم نموذجًا فريدًا في الساحة الجهادية. ورغم التأثير العميق لمقتل قادة أحرار الشام على مسار الحركة، بقيت أفكار أبو يزن حاضرة، ولم يقتصر تأثيرها على أحرار الشام فحسب، بل امتد إلى جماعات جهادية أخرى.
ففي النهاية، ورغم تحفظاتها المبكرة على سياسة أحرار الشام، انتهجت هيئة تحرير الشام نهجًا مشابهًا، بفك ارتباطها بالقاعدة، وإنشاء مكتب سياسي لتعزيز علاقاتها الخارجية، إضافة إلى مراجعة العديد من المبادئ السلفية الجهادية التي كان أبو يزن قد انتقدها سابقًا، والمفارقة أن أحمد الشرع تبنّى لاحقًا خطابًا يتقاطع في كثير من جوانبه مع رؤى أبو يزن.