ترجمة وتحرير: نون بوست
نُشر هذا النص، الموجَّه إلى الرأي العام الإسرائيلي، قبل أسبوعين بشعور من الإلحاح: كان من الممكن أن تُستأنف الحرب في أي لحظة. وقد حدث ذلك بالفعل. لكن هذه ليست مجرد استمرارية للحرب: كل المؤشرات تدل على أن الخطط المتعلقة بالترحيل الجماعي للفلسطينيين من غزة لم تُهمل؛ لقد تم القيام بالتحضيرات، وقد أعطى المتحدثون باسم الحكومة الإسرائيلية علنًا قيمة لهذا التهديد.
من المستحيل القول على وجه اليقين ما إذا كان الجيش الإسرائيلي وحلفاؤه في البيت الأبيض سيكونون قادرين حقًا على تنفيذ عمليات الترحيل، أو ما إذا كانت الأنظمة العربية ودول أخرى ستجرؤ على التعاون مع جريمة كهذه، لكن سيكون من غير المسؤول تجاهل خطر بهذا الحجم.
بالنسبة لحركة المستوطنين – الكتلة الأقوى في السياسة الإسرائيلية والتي تحظى بداعمين متحمسين داخل الجيش – فإن الحصول حتى على ترحيل جزئي للفلسطينيين سيمثل إنجازًا من شأنه أن يغيّر جذريًا شروط القضية الفلسطينية. فلقد شُنّت حملات لترحيل الفلسطينيين، وبشكل خاص اللاجئين وذريّتهم، من غزة بالفعل في عامي 1967-1968، ومن ثم بين عامي 1971 و1973، واليوم، مع ذلك، يعيش الفلسطينيون لحظة حاسمة من تقاطع الظروف المحلية والعالمية، وسط حملة شرسة للإخلاء ودعمٍ إمبريالي كامل، لا مثيل له منذ عام 1948.
لهذا، سيكون من المأساوي أن يُسمح بذلك، إن لم يفهم الناس في جميع أنحاء العالم، الذين يزداد سخطهم من القصف العشوائي، أهمية ما يحدث حاليًا. وقد أصبح جوهر المسألة هو المعاملة بالمثل؛ هناك معاملة بالمثل إيجابية عندما يقدم الناس معروفًا لبعضهم البعض، وهناك معاملة بالمثل سلبية عندما يتبادلون الضربات. إنها آلية اجتماعية أساسية، قاعدتها القديمة ببساطة هي: “ما تكرهه لنفسك، لا تفعله لغيرك”.
لم يكن من الضروري أن يكون المرء مفكرًا عظيمًا ليفهم أن إساءة معاملة، وتجويع، وتعذيب الأسرى الفلسطينيين يعرّض حياة الأسرى الإسرائيليين للخطر. هذا ما يحدث أيضًا في الحروب “العادية”، عندما تكون رفاهية أسرى الحرب من طرف مرتبطة برفاهية أسرى الطرف الآخر.
وهذا ينطبق بالتأكيد على حربٍ بدأت بجريمة حرب واضحة: خطف رهائن مدنيين، جاء بعد عقود طويلة من القمع والانتهاكات بحق سكان غزة المدنيين. لكن السؤال المطروح هو: كيف لم يدرك أولئك الذين يمتلكون القدرة على فهم المعادلات البسيطة، أن تصعيد الانتهاكات ضد الفلسطينيين سيعرّض حياة الرهائن الإسرائيليين أنفسهم للخطر؟ كيف تجاهلوا هذا الترابط الواضح؟ إنه حساب بديهي، ومع ذلك، يبدو أن من كان يجب عليه القيام به قد فشل في ذلك، أو تجاهله عن عمد.
ربما السبب هو أن العقليّة التي تنكر بالكامل مبدأ المعاملة بالمثل في العلاقات الاجتماعية والسياسية قد ترسّخت في إسرائيل منذ عقود؛ في إسرائيل يمكنك أن تأكل حتى الشبع، بينما على الجانب الآخر من الحاجز يُجبر سكان غزة على الاكتفاء بحصص المعكرونة المخصصة لهم، ولا شيء أكثر.
في إسرائيل هناك كهرباء ومياه جارية؛ أما في غزة، فيبتهل الآباء بالدعاء كي يتمكنوا من اجتياز الشتاء دون كهرباء أو مياه صالحة للشرب. في إسرائيل نعيش بأمان نسبي، وعلى الجانب الآخر يعيشون في رعب دائم من القصف والغارات الليلية.
إن إنكار المعاملة بالمثل السلبية قد ولّد الوهم الكبير بأننا نستطيع أن نوجّه ضربات قاسية للطرف الآخر دون أن ندفع الثمن، وأننا نستطيع أن نُلحق معاناة هائلة دون عواقب: احتلال فاخر، وسياسة أحادية الجانب. نحن محصّنون؛ هم ضعفاء.
إن أخطر أوهام السادة هي الاعتقاد بأنهم لا يعتمدون على خُدّامهم، وأن خُدّامهم ليسوا بشراً مثلهم. نعم، لقد حوّلنا الاحتلال، تمامًا كما قال يشعياهو ليبوفيتش، إلى أمة من السادة.
وها قد أصبح للتفوق ثمن؛ لقد صدّعت الحرب هذا الإحساس بالحصانة والسيادة. هل كان من الواقعي أن نتوقّع، في أعقاب الصدمة الرهيبة، أن نتخلّى عن التفوق ونعترف بالمعاملة بالمثل كشرط أساسي للحياة، سواء كانت جيدة أو سيئة؟ لست متأكدًا.
إن جرائم الحرب التي وقعت في 7 أكتوبر/تشرين الأول زرعت الخوف في قلوب الناس، والصدمة يمكن أن تفقد الإنسان صوابه. لكن الأمر لا يتعلق بالصدمة فقط. بل بنموذج متجذّر بعمق: رد الفعل السائد لدى الجمهور الإسرائيلي كان ولا يزال رغبة هائلة في استعادة سيادتهم القديمة وتجديد وهم الحصانة.
صحيح، لا توجد تماثلية: أي ضرر يُلحق بسكان مدنيين – من قصف وخطف، وتهجير وقتل وإصابة، وتجويع وطرد – هو في جوهره خطأ. لكن قدرة إسرائيل على إلحاق المعاناة – تدمير مدن بأكملها، تهجير مئات الآلاف من الأشخاص، القتل، التجويع والطرد – تفوق بكثير قدرة التنظيمات المسلحة الفلسطينية واللبنانية.
القاعدة العملية في إسرائيل كانت دائمًا أن الثمن المطلوب من المعاناة والألم اللذين سببهما الطرف الآخر يجب أن يكون أكبر بما يفوق الحد، وهكذا، بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، انتشرت بين الإسرائيليين توقّعات باستعادة السيطرة والتفوق من خلال انتقام مُقنّع كنوع من المعاملة بالمثل: “لقد فعلوها بنا، سنفعلها بهم”.
وقد غذّى السياسيون هذا الشعور، واستغلّه الجنرالات في المعركة لتبرير الغارات العشوائية. لكن ما تبيّن سريعًا أن الهجوم المضاد لم يكن مجرد حمّام دم آخر، بل شيئًا مختلفًا تمامًا: حرب مُخطط لها للقضاء على الخصم، لكسر دائرة المعاملة بالمثل – مهما كانت فظيعة – والسير نحو أفق جديد: الطرد والتدمير.
هذه الحرب التدميرية يقودها مزيج رهيب من منطق الانتقام المتبادل ومن خيال إمكانية توجيه “الضربة النهائية” التي ستنهي كل معاملة بالمثل. هذه هي الرؤية: دخان يتصاعد من المباني المدمرة ومدن في خراب، وصمت يمتد من أفق إلى آخر. إنه صمت مقبرة. في الواقع، إنه “شعب يعيش بمفرده”.
لهذا السبب لا نهاية لهذه الحرب. لا مفر من المعاملة بالمثل، حتى بين أطراف غير متساوية. من يحاول الهروب منها يُخاطر بتمزيق نسيج الحياة الإنسانية. وكأن هذا لا يكفي، فإن حربًا تغذّيها هذه الخلطة المتفجرة تدفع إلى مواقع القيادة أولئك الذين يؤمنون حقًا بإمكانية كسر روابط الإنسانية: المسيانيون والمجانين، أتباع الوصية القديمة “التدمير، والقتل، والإفناء”. لكن الفلسطينيين لن يختفوا. لا هنا، ولا في غزة، ةلا في الضفة الغربية، ولا في المنفى؛ ولن يختفي الشرق الأوسط أيضًا.
إن إنكار المعاملة بالمثل يُعدّ تمهيدًا للكوارث القادمة، ولعمل انتقامي جديد، وخطوة أخرى في دائرة الموت، لأن حياتنا جميعًا تعتمد على بعضها البعض ومترابطة فيما بينها. من يقول “لا يوجد أبرياء في غزة” يجب أن يفهم أن كلماته تُبرر لمن يقول “لا يوجد أبرياء في إسرائيل”، وأنا أُصرّ على أن هناك أبرياء. من قال إنه لا يوجد مدنيون غير مشاركين في غزة، مدعو للتفكر في أن تبنّي مبدأ عدم وجود أبرياء قد تكون له عواقب مروّعة على رفاهية الناس العاديين.
ومن يقول إن جرائم الفلسطينيين تبرّر أي إجراء، ينسى (أو ربما لا يعرف) الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل بطلب من حكومات منتخبة في انتخابات كانت حرة نسبيًا، فلا شيء يمكنه أن يُلغي مبدأ المعاملة بالمثل. إن لم نُرسِ معاملة بالمثل إيجابية، فسنجد أنفسنا عالقين في دورة دموية من المعاملة السلبية المتبادلة.
قد لا يتمكّن المحتلون والمُجَرَّدون من حقوقهم من مقاومة القوة العسكرية المتفوقة، التي تنتظر بالفعل القنابل “الأبوكاليبتية” الجديدة لتحلّ محلّ تلك التي جُرِّبت سابقًا على غزة. ومع ذلك، يمكننا أن نتذكّر ما قاله الخبراء في بداية هذه الحرب: جزء كبير من ذخيرة حماس صُنِع من بقايا ذخائر إسرائيلية؛ قنابل أُسقِطت على غزة ولم تنفجر.
الأهم من ذلك، أن حرب الإبادة تزرع كراهية قاتلة، نحن، مواطنو دولة السادة، لم نكن بمنأى عنها، ولن نكون كذلك في المستقبل، فسنظل هشّين، وبشراً. كل واحد منا مُلزم بدفع الثمن، وخاصة الضعفاء، والعُزَّل، والفقراء؛ “لأنهم زرعوا الريح، فسيحصدون العاصفة”.
المصدر: إل مانيفستو