“عنيف مثل اللص، مخيف مثل السارق المسلح، ويغتالك مثل القاتل المتسلسل”، بهذه الكلمات وصفه رونالد ريجان رئيس الولايات المتحدة بين عامي 1981 و1989 التضخم الذي يعتبر السبب الأكثر إفقاراً للشعوب وركيزة أساسية في إحداث ضغوطٍ تؤدي لغياب الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.
في سوريا شهدت معدلات تضخم مرتفعة خلال فترات متعددة وخاصة في ظل اتباع نهج اقتصادي يعتمد على نظريات شتى تحمل التناقض فيما بينها، حيث مر التضخم بالعديد من المراحل، وشهد تحولات كثيرة متأثرًا بالعوامل الاقتصادية والسياسية، ولكن يمكن القول بأن السمة الملاصقة له هي الارتفاع وبشكل متواتر.
ويعتبر التضخم بأنه أكثر المصطلحات الاقتصادية شيوعًا وتداولًا بين مختلف فئات المجتمع، ويعرف بأنه الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار؛ حيث تصبح نفس الفئة النقدية تشتري كميات أقل مما كانت تشتريه سابقًا، مثل إنفاق المزيد من المال لملء خزان الوقود، أو شراء الغذاء، أو الملابس، وبالتالي؛ نحصل على تضخم اقتصادي في البلاد.
معدلات التضخم في أربعة عقود
كان التضخم في سوريا خلال فترة السبعينات، منخفضًا نسبيًا، فالسياسات الاقتصادية كانت متماشية مع مبادئ التخطيط المركزي، وفي نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن الماضي، والتي تعتبر من أسوأ الفترات الاقتصادية في تاريخ سوريا، ارتفع التضخم بشكل متصاعد، نتيجة الأحداث الأمنية التي شهدتها تلك الفترة؛ وتصاعد القمع في الوقت ذاته.
وبالتالي تراجعت قيمة رواتب موظفي مؤسسات الدولة؛ كون سعر صرف الدولار الواحد ارتفاع إلى 50 ليرة عام 1986، بعدما كان 4 ليرات لكل دولار في 1980، مما انعكس بشكل كبير على الأسعار.
خلال فترة التسعينات، بقيت معدلات التضخم مرتفعة حتى عام 1996، نتيجة فائض السيولة المتشكل من الإصدار النقدي المتزايد لتغطية العجوز المالية من جهة، وتدفق الاستثمارات باتجاه قطاع الخدمات بعد صدور قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991 والتي أدت لزيادة الطلب على السلع والخدمات دون أن يقابله ازدياد في العرض منها من جهة أخرى.
بعدها بدأت معدلات التضخم بالتراجع حتى وصلت إلى قيم سالبة خلال الأعوام 1998 و1999، بسبب اتباع سياسة نقدية مقيدة وتثبيت الأجور الأسمية ودخول الاقتصاد السوري بحالة الركود، حيث بلغ متوسط معدلات التضخم السنوية لهذه الفترة 4.5%، وهي تعتبر كبيرة، كون معدل التضخم المثالي وفق الاقتصاديين هو 2%.
من عام 2000 حتى 2005، شهد التضخم ارتفاعاً بلغ 8%، وكان توافد أعداد كبيرة من العراقيين في أعقاب الحرب عام 2003 على رأس الأسباب التي رفعت معدلات التضخم، حيث زاد الطلب بشكل كبير على الأغذية والإيجارات.
وفي الفترة الممتدة من عام 2006 وحتى 2010، لم يستقر التضخم، حيث انخفض من 10% عام 2006 إلى 5% عام 2007 ثم ارتفع ليصل إلى 15% عام 2008، بسبب ارتفاع أسعار سلة المستهلك، والتي ساهمت بالتضخم بنحو 58%، في ذلك العام.
لكن في عام 2009 تراجع التضخم إلى 3%، نتيجة الركود الاقتصادي العالمي بعد الأزمة المالية العالمية وانخفاض أسعار الغذاء والطاقة، وهبوط سعر المازوت في سوريا من 25 ليرة إلى 20 ليرة لليتر والواحد، بالإضافة إلى الركود الذي ضرب سوق العقارات مع عودة الكثير من العراقيين من سوريا إلى العراق.
مؤشرات التضخم تشتعل مع بداية الثورة
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، زادت مؤشرات التضخم تشظيا، بسبب استنزاف نظام الأسد موارد الدولة لصالح الإنفاق العسكري والإنفاق العام، فلم تراع الحكومات المتعاقبة خلال حقبة النظام، أي أمن اقتصادي للبلاد بل ساهمت بتأجيج معدلات التضخم عبر قرارات مجحفة بحق الاقتصاد والشعب.
وبدأت معدلات التضخم بالارتفاع عاماً بعد عام، ففي عام 2011 بلغ التضخم 4.2%، ليرتفع عام 2012 إلى 37%، ثم إلى 88% عام 2013، وليبلغ 36.80% عام 2014، وفي عام 2015 بلغ التضخم 23.70%.
هذه المؤشرات كانت مدفوعة بالعديد من العوامل، منها العقوبات المفروضة على النظام، واستنزافه لمكونات الناتج المحلي السوري، بسبب اختلال القطاعات الاقتصادية من صناعة وتجارة وزراعة ونفط، وشلل قطاع السياحة، وهجرة الرساميل الوطنية والأجنبية للخارج لتدهور الظروف الأمنية، رافق ذلك ارتفاع مهول بأسعار السلع والخدمات، كون النظام اعتمد على الاستيراد بالدين من الدول الحليفة.
كما كان لاتباعه سياسية ترشيد الدعم وعقلنته من أجل سد عجز الموازنة وتوفير السيولة للرواتب والإنفاق العسكري دوراً كبيراً في جموح التضخم، فقامت حكومة النظام على إثر ذلك برفع الدعم عن الخبز والمشتقات النفطية بشكل كبير، وانخفضت القوة الشرائية بنحو 85%، ما عمق الركود الاقتصادي نتيجة ارتفاع تكلفة إنتاج السلع والخدمات وتراجع قيمة العملة المحلية بنحو 45.5% نهاية عام 2015، وكل هذه العوامل دفعت بمعدلات البطالة للارتفاع لتسجل 52%،وزادت من معدل الفقر ليقدر بـ 85%.
ويمكن القول إن السنوات الأربع الأخيرة سجلت أعلى نسبة ارتفاع في معدل التضخم منذ عدة عقود، بسبب المتغيرات السياسية والاقتصادية التي شهدتها سوريا بعد عام 2019، ومن أبرزها تشديد الحصار الاقتصادي الأمريكي على سوريا وإصدار قانون “قيصر”، وسيطرة القوات الأمريكية على حقول النفط والقمح الرئيسية في البلاد، والأزمة الاقتصادية في لبنان، والدمار الكبير الذي لحق بالبنى التحتية والإنتاجية للبلاد، والسياسات والإجراءات الحكومية المطبقة آنذاك.
ولا يمكن الوقوف على نسب موحدة لمعدلات التضخم خاصة أنها اختلفت بين ما صرح به المكتب المركزي للإحصاء وبين ما طرحه المصرف المركزي من أرقام خلال تلك الفترة، لكن اخترنا الأرقام الوسطية، فخلال عام 2020، قدرت معدلات التضخم بـ 114%، وفي عام 2021 بلغت 111%، كما تجاوز 150% خلال عام 2022، وفي عام 2023، قدر معدل التضخم بحوالي 116%.
وبمقارنة معدل التضخم السنوي للأسعار بين عامي 2019 و2023 نخلص إلى أن معدل التضخم ارتفع خلال عام 2023 بحوالي 1300%، وهو الأعلى منذ عام 2020، بسبب ما تعرضت له الليرة من انخفاض شديد في سعر صرفها وصلت نسبته إلى حوالي 140% مقارنة بواقع سعر الصرف المسجل في العام 2022، كما أن رفع أسعار المشتقات النفطية عدة مرات في ذلك العام، لعب دورًا أساسيًا في ارتفاع معدل التضخم.
أما معدلات التضخم الإجمالية خلال الفترة الممتدة من عام 2011 وحتى عام 2023 فقد تجاوزت 16 ألفًا بالمئة وفقًا لأرقام كشفتها جهات تابعة للنظام السوري آنذاك.
أسباب التضخم
الدكتور ماهر سنجر الخبير في إدارة المخاطر، بين أن هناك الكثير من الأسباب دفعت التضخم للقفز بشكل سريع منها: تعطيل دور المؤسسات عبر السيطرة على القرار الاقتصادي لصالح ثلة من المنتفعين، ومستوى الفساد المرتفع الذي حرم الدولة من جزء كبير من إيراداتها، بالإضافة للاعتماد على آليات وأدوات اقتصادية تقليدية محددة بغاية عدم المساس بمنظومة الفساد القائمة آنذاك، ودفع القائمين على الاقتصاد لتهميش كافة الحلول الممكنة والمقدمة.
وأكد سنجر في تصريح لموقع “نون بوست”، أن خروج الكثير من القطاعات المنتجة وتدمير سمعة الصناعة السورية بعمليات مشبوهة كتجارة المواد المخدرة أضعف التصدير، لتأتي منصة الاستيراد وتساهم في تأخير وصول المواد الأولية ما خلق خالة من التخوف الذي أثر على حجم الطلب فبات الطلب على السلع غير المتوفرة مرتفع، متزامناً مع إطلاق التلاعب بسعر الصرف لخدمة غايات محددة ليساهم كل ما سبق في تعميق الاضرار في القطاعات المنتجة ودفع الأسعار للارتفاع وترك الساحة لقطاعات تعتمد على سرعة دوران النقد لتحقيق الأرباح.
الخبير الاقتصادي ورجل الأعمال الدكتور إيهاب أبو الشامات، أوضح في تصريح لموقع “نون بوست”، أن التضخم في سوريا يعود لعوامل داخلية وخارجية، منها العقوبات الاقتصادية الدولية والتدهور في سعر صرف الليرة السورية والتي أدت لتضاعف تكاليف الاستيراد، زاد من الفجوة بين الكتلة النقدية المتداولة وحجم الإنتاج الحقيقي.
وأضاف أبو الشامات أنه مع ضعف الإنتاج المحلي بسبب الحرب، زادت الحاجة إلى الواردات، بالإضافة إلى الأخطاء الحكومية المتراكمة، منها تمويل العجز من خلال طباعة النقود، دون وجود إنتاج يغطي الكتلة النقدية الجديدة، بالإضافة إلى رفع أسعار المحروقات دون خطط بديلة تسبب بارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، عدا عن تهميش القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعة وزيادة الاعتماد على الاستيراد، ما فاقم العجز التجاري.
وبين أبو الشامات، أنه رغم التراجع الملحوظ في التضخم خلال عام 2025، إلا أن التحديات لا تزال قائمة، ويحتاج الاقتصاد السوري إلى استراتيجية طويلة الأمد لضمان استقرار الأسعار وتعزيز النمو، مؤكدًا أن الحل يبقى في تنشيط القطاعات الإنتاجية، وضبط السوق، وتحقيق استقرار نقدي مستدام، حتى يتمكن الاقتصاد السوري من استعادة عافيته تدريجيًا.
حالة شاذة ومعقدة
الخبير الاقتصادي عابد فضلية، اعتبر في تصريح لموقع “نون بوست”، أن من أسباب التضخم ارتفاع سعر الدولار وشح الكميات المعروضة منه، ما أدى لارتفع أسعار كل شيء وتآكل القدرة الشرائية وتراجع مستوى المعيشة وازدياد الفقر، بالإضافة لتشوهات الهيكلة الاقتصادية سابقاً، وبالتالي خلل في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الكلية، وكسبب ونتيجة، تراجع وتقلص في القطاعات الإنتاجية السلعية لحساب نمو القطاعات الريعية الطفيلية.
وبين فضلية، أن حالات الاستغلال والاحتكار في السوق بالإضافة إلى الانزياح السكاني بسبب الوضع العسكري والأمني آنذاك، من مناطق إنتاجية إلى مناطق استهلاك، أدى لقلة الإنتاج بنسبة أقل من نسبة انخفاض الطلب، بالإضافة لسلوكيات إنتاجية واستهلاكية غير عقلانية، نتيجة الفوضى والخوف وعدم اليقين.
ورأى فضلية أن الأسباب الخارجية للتضخم كانت معظمها من العقوبات، حيث تم تجميد بعض الدول للتعاون الاقتصادي مع سوريا ولاسيما القطاع التجارة الخارجية، وارتفاع تكلفة الاستيراد لارتفاع النقل وبدلات التأمين على البضائع والشحن، عدا عن تجميد مقعد سوريا في بعض المنظمات الدولية، التي كان لها دور في المساعدة الاقتصادية.
لذا فإن اجتماع الأسباب أعلاه قد أدت إلى حالة (شاذة ومعقدة) من أنواع التضخم وهي حالة (الركود أو الكساد التضخمي)، الذي تشهدها سوريا منذ التسعينات من القرن الماضي، وهي ارتفاع الأسعار مع شدة الطلب وحالة الركود المتمثلة بانخفاض الأسعار مع ضعف الطلب، مشيراً إلى أن الصعوبة في هذه الحالة تتمثل، بأن تطبيق أدوات معالجة التضخم تؤدي لمزيد من الركود وبالوقت ذاته فإن تطبيق أدوات معالجة التضخم تؤيد لمزيد من التضخم.
من جانبه حدد الخبير ماهر سنجر أسبابًا أخرى للتضخم منها: السياسة النقدية بما فيها سياسة التمويل بالعجر وكسر قانون المصارف بطباعة فئات نقدية تجاوزت الفئات المحددة بالقانون، أفقدت المركزي القدرة على الاستفادة من فاعلية الأدوات النقدية، كما ساهمت الجباية التي حلت بدل النظام الضريبي العادل بزيادة معدل التضخم وساهمت في إطفاء شمعة المشاريع الصغيرة والمتوسطة ودفعها للمغادرة ورفعت من معدلات التهرب الضريبي وبالتالي فقد الاقتصاد السوري أحد أهم محفزات النمو.
وأوضح سنجر أن الأمور بعد التحرير تغيرت بشكل واضح حيث أن التضخم انخفض لعدة أسباب أولها، كسر قيد التعامل بالعملات الأجنبية وارتفع معدل الأمل بانفتاح اقتصادي وانخفاض بحجم الأتاوات المفروضة على التجار والصناعيين ورفع معدل العرض من السلع وإقصاء بعض الفاسدين إضافة إلى سياسة حبس السيولة التي اتبعت خلال الأشهر السابقة لكن من الجيد الإشارة إلى أنه من الضروري اتخاذ جملة من الإجراءات الاقتصادية لتعزيز حالة التراجع في معدلات التضخم.
وبين أنه لمحاربة التضخم هناك خطوط عريضة أهمها: إعداد تصنيف وطني للمشاريع متدرجاً من المشاريع ذات السيادة الاستراتيجية إلى المشاريع الأكثر إنتاجية والأكثر مردودا ودعمها بالطرق المماثلة وتسهيل انشاءها، وفرض مبدأ الإدارة الرشيقة على هذه المشاريع إضافة لتطبيق مفهوم الاقتصاد الدائري على كافة القطاعات.
إضافة إلى الانتقال للهوية الاقتصادية السورية الجديدة تدريجياً، وتشجيع القطاع الزراعي والاعفاء الجمركي التدريجي، واستكمال تهيئة البنى التحتية اللازمة، وإعادة النظر بالسياسة النقدية الحالية بما في ذلك التراجع التدريجي عن حبس السيولة لدفع الافراد لاستثمار أموالهم ولمنحهم الثقة بالنظام المصرفي.
التضخم انخفض 25% مع انتصار الثورة
فضلية، بين أن الاقتصاد السوري منذ عام 2011 حتى اليوم يواجه كافة أنواع التضخم، حيث مر منذ نهاية عام 2011 حتى نهاية 2013، بحالة التضخم الجامح، ومن ثم بمرحلة التضخم المكبوت خلال عامي 2014 ـ 2015، ومن ثم التضخم الزاحف منذ عام 2016 وحتى الآن، مترافقاً مع أنماط أخرى من التضخم نتيجة الخلل بين العرض والطلب.
وبين أن التضخم بعد التحرير مباشرة أصبح عكسياً، حيث تراجع بنسبة كبيرة تقدر بـ 25%، متمثلًا بانخفاض مستوى الأسعار ولكن ليس لأسباب اقتصادية بل لأسباب سياسية داخلية وخارجية إيجابية، لكن هذه الحال لم يرافقها انخفاضاً بوضع الركود الذي استمر بل تعمق مع مرور الأسابيع الـ 10 الماضية، ورافقها ارتفاع للتضخم يقدر 10%.
ووجه فضلية نصيحة للحكومة الحالية لمعالجة التضخم مضمونها “التعامل مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي بعكس ما كانت تتعامل به الحكومات زمن النظام السابق”.
يشار إلى أنه مع انتصار الثورة، بنهاية عام 2024، أعلن مصرف سورية المركزي، خلال الشهر الماضي انخفاض معدل التضخم في سوريا خلال عام 2024 إلى نسبة تعادل 57% عن النسبة التي وصل إليها في 2023 وهي 117.3%، مشيراً إلى معدل التضخم في سوريا أعلى من معدل التضخم العام في لبنان البالغ 45.5%، وأدنى من معدل التضخم العام في تركيا البالغ 58.6% وذلك لعام 2024.