تكشف كميات الأسلحة والذخائر التي صادرتها قوى الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية السورية في محافظتي اللاذقية وطرطوس على ساحل البحر الأبيض المتوسط، الفجوة الأمنية التي خلّفها بقاء السلاح تحت متناول فلول النظام السابق، في ظل الجهود الحكومية الرامية إلى فرض الاستقرار والسلم الأهلي.
وتواصل قوى الأمن عمليات تمشيط الحواضر السكانية والمدن والبلدات والقرى الريفية في الساحل، وصولًا إلى تمشيط الجبال والغابات، للقضاء على فلول النظام البائد بعد هجمات مكثّفة على مراكز أمنية وخدمية في الساحل، خلال ما عُرف بأحداث 6 من آذار/ مارس الجاري.
وتتجه الأوضاع الأمنية في المناطق الساحلية إلى الهدوء النسبي، بعدما شكّلت إدارة دمشق لجنتين: واحدة منها تهدف إلى تقصّي الحقائق ومتابعة قضايا الانتهاكات، والثانية تهتمّ بإحياء السلم الأهلي عبر بناء جسور تواصل بين إدارة دمشق ووجهاء وأعيان القرى والبلدات في جبال الساحل، في إطار تعزيز الأمن وبسط الاستقرار.
مصادرة وتسليم أسلحة
صادرت قوى الأمن كميات أسلحة وذخائر في منطقة الساحل السوري، عبر عمليات بحث وتمشيط مستمرة منذ مطلع آذار/ مارس الجاري، بهدف حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز الاستقرار، حيث ضُبطت مستودعات ومخازن أسلحة متنوعة ضمن القرى والجبال، تعود ملكيتها لفلول النظام السابق الذين اتجهوا إلى الساحل فور سيطرة إدارة العمليات العسكرية على محافظتي حماة وحمص وسط البلاد، في طريقهم إلى دمشق.
ورصد “نون بوست” ضبط الأمن العام ثلاثة مستودعات أسلحة تحتوي على سلاح نوعي في مدينة القرداحة، واحدة منها في قرية السلاطة بريف محافظة اللاذقية، إضافةً إلى أسلحة وذخائر مرمية قرب سور قاعدة حميميم الروسية، وبكابٍ محمّل بالأسلحة والذخائر في ريف اللاذقية، إضافةً إلى مخزن يحتوي على أسلحة ضمن مركز المدينة.
بينما في محافظة حمص، ضبطت قوى الأمن العام أسلحة متنوعة مخزّنة في بئر ماء مهجور في قرية المضابع بريف حمص الشرقي، كما ضُبطت ثلاثة مستودعات في قرية كفر عبد في ريف حمص الشمالي منذ مطلع آذار/ مارس الجاري.
بالتوازي مع عمليات التمشيط المستمرة، عقدت لجان من إدارة الأمن العام ووزارة الداخلية اتفاقات منفصلة مع أهالي الأحياء السكنية في المدن والبلدات والقرى، بهدف تسليم الأسلحة والذخائر، حيث استلم جهاز الأمن العام أسلحة وذخائر في 22 آذار/ مارس الجاري من وجهاء قريتي البودي والقلايع بريف جبلة.
وفي 19 آذار/ مارس الجاري، استلم أسلحة خفيفة من وجهاء قرية عين البيضا، وفي 18 آذار/ مارس، استلم أسلحة وذخائر من وجهاء قريتي زقزقانية وغتيري، إضافةً إلى استلام السلاح من وجهاء حي الدعتور في مدينة اللاذقية في 11 آذار/ مارس الجاري.
أما في طرطوس، فقد استُلم السلاح من وجهاء منطقة الشيخ بدر وناحية الميصية وناحية برمانة المشايخ في 17 آذار/ مارس الجاري، كما استُلم نحو 600 قطعة سلاح خفيف من قرى ريف منطقة القدموس في ريف طرطوس، وقرية تعنيتا بريف بانياس، إضافةً إلى استلام السلاح من قرية وادي العيون بمنطقة مصياف الواقعة في ريف حماة في 9 من آذار/ مارس الجاري.
أسباب انتشار السلاح في الساحل
مع سيطرة إدارة العمليات العسكرية على محافظتي حماة وحمص، انسحبت ميليشيات النظام السابق واللجان الشعبية (الشبيحة) تدريجيًا من حمص ودمشق إلى طرطوس واللاذقية، بعدّتهم وعتادهم العسكري بهدف حماية مناطقهم، إلا أنهم تفاجؤوا بفرار رأس النظام السابق بشار الأسد إلى روسيا، تزامنًا مع وصول إدارة العمليات العسكرية إلى العاصمة السورية دمشق، في 8 من كانون الأول/ ديسمبر الماضي.
في حين، دخلت إدارة العمليات العسكرية منطقة الساحل بعد سقوط النظام بساعات، دون أن تُجرى عمليات تمشيط مكثّفة في القرى الريفية والجبال، ما دفع عناصر وفلول نظام الأسد إلى الاختباء في الجبال والقرى الريفية البعيدة، وتخزين أسلحتهم، بينما أجرى بعضهم تسوية، سلّموا خلالها أسلحة فردية فقط.
إلا أن ضباط وعناصر النظام البائد الذين تحصّنوا في الجبال والأغوار البعيدة، استغلوا تهاون إدارة دمشق معهم، واستخدموا السلاح مجددًا ضد الدولة السورية ومؤسساتها، بدفع خارجي من قِبل إيران من جهة، وحزب الله اللبناني، لكنها وصلت إلى طريق مسدود بعدما شنّت الحكومة السورية عمليات عسكرية لمكافحة التمرد.
ويُقسّم الباحث عمار فرهود، مصادر السلاح في منطقة الساحل السوري إلى ثلاثة أقسام: أولها، أسلحة مخزّنة منذ ما قبل الثورة في الساحل، حيث كان يُعرف أن كل من يرغب في شراء السلاح يتوجّه إلى منطقة الساحل السوري، والثاني، نقله ضباط وعناصر النظام السابق الذين فرّوا إلى منطقة الساحل لحماية مناطقهم.
ويضيف، خلال حديثه لـ “نون بوست”، أن المصدر الثالث يعود إلى شراء السلاح بعد سقوط النظام واستقرار الأوضاع لعدة أسابيع، بالتعاون مع وسطاء، بهدف توفير أسلحة نوعية لشنّ هجمات مضادة ضد الدولة السورية، مشيرًا إلى أنه لا يخفى على أحد أن منطقة الساحل كانت تتواجد فيها كميات كبيرة من السلاح منذ مدة طويلة، بسبب وجود ميليشيات محلية كانت تدعم النظام البائد في حربه ضد السوريين.
واعتبر أنه من الضروري سحب السلاح، كون وجوده يهدّد الاستقرار الأمني، إلا أن عملية سحبه لا تتم بالشكل الذي يريده السوريون، وإدارة دمشق، بما يضمن عدم شنّ هجمات وعمليات عسكرية، لذلك لا بد من سحب الأسلحة النوعية، وإنهاء الشخصيات (ضباط، عناصر) من خلال القبض عليهم وإجراء تسوية، أو دفعهم للخروج من الأراضي السورية.
وتابع، أنه من الضروري أيضًا ضبط عمليات تجارة الأسلحة، لأنها المُغذّي الرئيسي لفلول النظام في شنّ هجمات ضد الدولة، بعدما توجّه سوريون إلى العمل بها كمهنة تجارية في ظلّ الوضع الاقتصادي، لذلك لا بد من اتخاذ إجراءات حقيقية تعكس حالة الاستقرار.
كيف تحاول دمشق فرض الأمن في الساحل؟
في أعقاب هجمات فلول النظام السابق، وما تبعها من انتهاكات بحق المدنيين، شكّلت إدارة دمشق لجانًا تهدف إلى تقصّي الحقائق، بغية تحصيل حقوق الضحايا المدنيين وذويهم الذين قُتلوا سواءً على أيدي عناصر فلول النظام البائد، أو على أيدي مقاتلين من صفوف وزارة الدفاع والأمن العام.
وفي 13 آذار/ مارس الجاري، باشرت لجنة تقصّي الحقائق أعمالها في منطقة الساحل السوري، ومن المفترض أن ترفع نتائج التحقيقات إلى الرئيس أحمد الشرع، على أن يُحال من يثبت تورطهم في الهجمات إلى النيابة العامة، حسب ما أوضح المتحدث باسم لجنة تقصّي الحقائق، ياسر الفرحان، لموقع “الحرة“.
بينما وثّقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” مقتل 803 أشخاص، خلال الفترة الممتدة من 6 حتى 10 آذار/ مارس الجاري، حيث تسببت مجموعات من فلول النظام في مقتل 172 عنصرًا من القوات الأمنية والشرطية والعسكرية، إضافةً إلى 211 مدنيًا، بينهم شخص يعمل في المجال الإنساني، جرّاء عمليات إطلاق نار مباشرة.
فيما قُتل نحو 420 شخصًا من المدنيين والمسلّحين (منزوعي السلاح)، بينهم 39 طفلًا و49 سيدة، و27 من الكوادر الطبية، على أيدي القوات المسلحة المشاركة في العمليات العسكرية (الفصائل والتنظيمات غير المنضبطة التي تتبع شكليًا لوزارة الدفاع).
كما شكّلت الحكومة السورية لجنة تهدف إلى استقرار السلم الأهلي، بعدما وقعت انتهاكات بحق المدنيين على أساس طائفي، عبر بناء جسور تواصل بين إدارة دمشق ووجهاء وأعيان المدن والبلدات الساحلية، بهدف تعزيز الثقة بين السوريين والحكومة، بهدف بسط الأمن والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
من زيارة اليوم إلى حي رأس النبع واللقاء مع الأهالي في مدينة بانياس.#السلم_الأهلي pic.twitter.com/z5hry8wjrJ
— د. أنس عيروط (@anasairout2) March 22, 2025
واعتبر عضو لجنة السلم الأهلي، أنس عيروط، في تغريدة على منصة “إكس“، أن السلم الأهلي “لا يعني أن تُسامح قاتل أبيك أو تعفو عن المجرم، بل أن تنزع فتيل الفتنة، وتطمس على بذورها، وتعمل على منع أيّ عراقيل تقف دونه، إضافةً إلى الدعم المعنوي والمادي بما يحقق الأمن والسلم المنشودين”.
وأضاف، أنه يجب نبذ الخطاب الطائفي، وكل من يُحرّض عليه، واتباع “الخطاب الواعي المتوازن، الخالي من أيّ كلام يثير العداوة والشحناء ويزيد التوتر، والرد على كل الشبهات التي تُعرقل عملية السلم الأهلي من خلال إقامة ندوات ودورات من خبراء ومتخصصين”.
وتابع، دعم “اللقاءات مع عقلاء الطوائف، وفتح باب الحوار، فإنّه يقطع الألسن، ويخفف حدّة التوتر، ويردم الفجوة”، إضافةً إلى “ردّ الحقوق لأصحابها، وبالتنسيق مع جهاز الأمن إن احتاج الأمر، وتقديم الدعم المادي والإغاثي للعائلات المنكوبة، بعيدًا عن الأجندات الدولية والسياسية”.
وفي سياق منفصل، افتتحت وزارة الداخلية مركز التسوية في اللاذقية، لتسوية أوضاع عناصر النظام السابق، بعد عملية التمرّد التي شهدتها مناطق الساحل السوري، وتورّط أشخاص يحملون بطاقات تسوية من إدارة العمليات العسكرية بشنّ هجمات ضد قوى الشرطة والأمن العام.
ويرى الباحث عمار فرهود، أن جهود الحكومة السورية في فرض الاستقرار تندرج بين الضعيفة والمقبولة نوعًا ما، والسبب أن هناك اعتبارات كثيرة، لعلّ أبرزها أنه ليس هناك مسلّحون معارضون، وإنما هناك حاضنة مجتمعية ذات لون طائفي، بدأت تتوجّس من إدارة دمشق بعد الانتهاكات والتجاوزات التي وقعت بحق المدنيين.
وقال خلال حديثه لـ “نون بوست”: “تحتاج عملية رأب الصدع المجتمعي الذي حصل، إلى حراك مجتمعي موازٍ للحراك الحكومي، بهدف تخييط الجرح الذي حصل بين أبناء الساحل والمجتمع السوري، ممّا يساعد لاحقًا في فرض الاستقرار في المنطقة”. وأضاف، أن تلك الخطوات تسحب الورقة التي يستخدمها الفلول، خاصة، وهي ورقة التخويف الطائفي من الحكومة الجديدة والمجتمع السوري”.
ختامًا.. رغم الخطى المتثاقلة في معالجة الشرخ المجتمعي الذي أحدثته هجمات فلول النظام السابق في الساحل السوري، إلا أن الحكومة تسعى إلى تهدئة الأوضاع الأمنية وبسط الاستقرار بشتى السبل الممكنة، لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى تكثيف الجهود وتسريعها، بهدف بناء جسور الثقة وردم الفجوة مجددًا بين المجتمع والسلطات السورية.