تواجه فرنسا اليوم اختبارًا أخلاقيًا وقانونيًا مثيرًا للجدل، بعدما وجّهت تهمة “تمجيد الإرهاب” إلى أحد أبرز المفكرين السياسيين في الغرب، فرانسوا بورغا. جاء ذلك إثر حملة شنّتها المنظمة اليهودية الأوروبية، إحدى أكثر الهيئات نفوذًا في القارة، بعد أن عبّر بورغا صراحةً عن مواقفه المناصرة للعدالة في ما يتعلق بالعدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة.
وقد أثارت تصريحاته، التي نشرها عبر حساباته على وسائل التواصل، والتي وصف فيها المقاومة الفلسطينية بأنها حركة تحررية مشروعة، ردود فعل عنيفة من قبل جهات ضغط نافذة، رغم أن مواقفه تنطلق من مقاربة فكرية تاريخية، إذ شبّه نضال “حماس” بكفاح الجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي.
وهو من القلائل الذين تصدّوا تحليل قضايا الإسلام السياسي، والهوية، والصراعات المعاصرة خارج الأطر النمطية، إذ تشكّل مسيرته الفكرية مثالًا نادرًا للتقاطع بين البحث الأكاديمي الرصين والمشاركة الفعّالة في النقاشات العامة حول قضايا الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.
من هو؟
وُلد فرانسوا بورغا عام 1948 في شرق فرنسا، ونشأ في بيئة مشبعة بقيم التفكير النقدي، ما مهّد لرحلته الأكاديمية في تخصّص القانون والعلوم السياسية بجامعة غرونوبل المرموقة، حيث نال درجة الدكتوراه عام 1981 بأطروحة تناولت التغيير الاجتماعي في الجزائر ما بعد الاستعمار، عاين فيها دور القانون في تشكيل البُنى القروية الاشتراكية، ومنذ ذلك الحين، تبلورت اهتماماته حول الإسلام السياسي، وتحولات الهوية، والعلاقة الإشكالية بين الغرب والمجتمعات الإسلامية.
أقام في العديد من الدول العربية في فترات زمنية مختلفة بهدف تعلمّ العربية والتدريس، حيث درّس في جامعة قسنطينة بالجزائر خلال سبعينيات القرن الماضي، ثم تولّى مهام بحثية في القاهرة وصنعاء، وأدار لاحقًا المعهد الفرنسي للشرق الأدنى، حيث أشرف على أنشطة بحثية امتدت من الأردن إلى لبنان والعراق وفلسطين، في تفاعل مباشر مع البيئة العربية.
كما ألّف عددًا من الكتب والدراسات التي أصبحت مرجعًا في تفكيك الإسلام السياسي خارج القوالب الأيديولوجية السائدة، ورفض المقاربات الغربية الاختزالية التي تنظر إلى الحركات الإسلامية باعتبارها تهديدًا، معتبرًا إياها تعبيرات سياسية نابعة من سياقات تاريخية واجتماعية معقّدة. وقد تجلّى ذلك في إشرافه على برنامج “حين يفشل الاستبداد في العالم العربي” ضمن المجلس الأوروبي للبحوث.
يتقن بورغا اللغة العربية بمستوى جيد جدًا كما يجمع في عمله بين الدقة الأكاديمية والنزاهة الأخلاقية، وهو ما يجعله عرضة للهجوم الغربي المتكرر، بالأخص حين تصطدم مواقفه بالتصورات المهيمنة، كما يحدث اليوم في قضيته أمام القضاء الفرنسي، والتي تُثبت أن الجرأة الفكرية، في سياقٍ مسكون بالرقابة الأيديولوجية، قد تتحوّل إلى تهمة.
قراءة خارج النمط الغربي
يقدم فرانسوا بورغا قراءة مختلفة للإسلام السياسي في الأوساط الأوروبية، بعيدًا عن الصور النمطية السائدة، إذ يرفض اعتبار الإسلام السياسي أيديولوجيا موحدة أو حالة استثنائية، ويعتبرها شكلًا من أشكال التعبير السياسي والاجتماعي، تنبع من سياق تاريخي طويل، يعكس سعي المجتمعات الإسلامية لاستعادة المبادرة في تقرير مصيرها تحت أنظمة محلية قمعية ونظام دولي إقصائي.
وبحسب بورغا، لا يمكن فهم الإسلام السياسي من خارج البيئة التي أنتجته، فهو يرى أن الهوية الإسلامية ليست ثابتة، بل تشكّلت عبر قرون من التفاعل مع السلطة والاستعمار والتحولات الاجتماعية، ومن هذا المنطلق، يرفض المقاربة الأوروبية التي تنظر للإسلام السياسي كتهديد، ويدعو بدلًا من ذلك إلى فهمه كاستجابة طبيعية لانسداد الأفق السياسي وغياب التمثيل العادل.
لا يقدّم بورغا نفسه كخبير يشرح “الآخر”، بل كباحث ينطلق من احترام السياقات الداخلية للمجتمعات التي يدرسها، ويؤمن بأن تفسير الظواهر السياسية والدينية في العالم الإسلامي لا يحتاج إلى أحكام مسبقة، بل إلى أدوات تحليل منصفة تنطلق من الواقع لا من تصوّرات فوقية.
الحرب على غزة
لا تحظى مواقف فرانسوا بورغا النقدية إزاء السياسة الغربية في الشرق الأوسط بالترحيب بشكل عام، وخصوصًا في الأوساط الإعلامية الفرنسية التي كثيرًا ما تتعامل معه بعدائية، مصوّرة إياه كـ”مدافع عن الإخوان المسلمين” و”خصم للهوية الجمهورية”، لا لشيء سوى لأنه دعا إلى قراءة أكثر توازنًا للظواهر الإسلامية والسياسية في المنطقة.
على سبيل المثال، واجه عام 2014، حملة تتهمه بمعاداة السامية، على خلفية دعوته إلى الفصل بين الدولة الفرنسية والمجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية، إضافة إلى مطالبته بتحييد الإعلام الفرنسي عن التأثير الإسرائيلي، وهي مواقف قرأها البعض كتهديد للبنية المؤسسية المترابطة بين السياسة والإعلام في فرنسا.
وفي عام 2020، تصاعدت الهجمة ضده حين عبّر عن دعمه للمفكر السويسري طارق رمضان خلال محاكمته في قضايا اغتصاب في فرنسا وسويسرا، مشيرًا إلى وجود شبهات سياسية وإعلامية تحيط بالملف، وقد وقّع حينها على عريضة تطرح أسئلة حادة بشأن طبيعة التهم الموجهة لرمضان، ليجد نفسه مجددًا في مرمى حملة شرسة ربطت بين مواقفه الفكرية وتعاطفه مع شخصيات تعتبرها المنظومة الفرنسية “إشكالية”.
مع انطلاق حرب “إسرائيل” على غزة في أعقاب عملية طوفان الأقصى، ندّد بورغا باستخدام السرديات الغربية لتبرير الدمار الجماعي، وانتقد ما وصفه بـ”الدعم الغربي الأعمى وغير المشروط” للمجازر بحق المدنيين الفلسطينيين، وكان من بين الأصوات القليلة في الفضاء العام الفرنسي التي تجرأت على كسر إجماع الصمت.
في يناير/كانون الثاني 2024، عاد اسمه إلى واجهة الهجوم الإعلامي بعد نشره تغريدة عبّر فيها عن احترامه لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، بوصفها تمثّل إرادة جزء من الشعب الفلسطيني، في مقابل رفضه الأخلاقي والسياسي لزعماء الاحتلال الإسرائيلي، جاء ذلك ردًا على مقال في صحيفة نيويورك تايمز حول مزاعم ارتكاب فظائع بحق الأسرى الإسرائيليين، وهو ما رفضه بورغا بوصفه إعادة إنتاج لخطاب شيطنة يهدف إلى نزع الشرعية عن المقاومة.
وقد اعتُبرت هذه التصريحات، في المشهد السياسي الفرنسي المُؤَدلج، بمثابة “تمجيد للإرهاب”، ففُتحت بحقه الإجراءات القضائية، في مشهد لا يخلو من دلالة على حدود حرية التعبير حين تمس الرواية المهيمنة.
إرث بورغا
أنجز فرانسوا بورغا عددًا كبيرًا من الدراسات الميدانية والأبحاث النظرية التي تناولت التيارات الإسلامية من زوايا متعددة، وركّز في عمله على فهم تنوّع هذه الحركات، سواء تلك التي اختارت الانخراط في الحياة السياسية أو التي تمسّكت بالمقاطعة والمواجهة، مسلطًا الضوء على تعقيداتها الداخلية، وتصوراتها الفكرية، وتفاعلها مع السياقين المحلي والدولي، وكذلك نظرة الغرب لها.
ومن مؤلفاته:
- “الإسلام السياسي.. صوت الجنوب”.
- “الإسلام السياسي في زمن تنظيم القاعدة”.
- “فهم الإسلام السياسي: مسار بحث حول الآخر الإسلامي، 1973- 2016”.
📷”Le procès de François Burgat” #Gaza #Sefrioui #Islamophobie
منذ قليل نُشر هذا البيان على صفحة المفكر الفرنسي François Burgat المشتبك بضراوة مع العنف الابستمولوجي الأورومركزي في حق المسلمين وفلسطين:#محاكمة_فرانسوا_بورغا#بيان “Lignes de Crêtes”
ستكون محاكمة فرانسوا بورغا…— François Burgat (@frburgat) March 23, 2025
تختزل محاكمة فرانسوا بورغا، المقرّرة 24 أبريل/نيسان القادم، أزمة عميقة في قلب الديمقراطيات الغربية تعكس كيفية النظر إلى المسلمين، وإلى كل من يرفض الرواية الرسمية المطلقة حول قضايا العدالة والحرية والمقاومة، وتؤكد بالنظر إلى التهم الموجهة إليه، أن العالم الغربي وصل به الحدّ إلى التنكيل معنويًا ورمزيًا بكل من يرفض التواطؤ مع عنف يُمارس باسم “الدفاع عن النفس”.
فالكلمات التي يُحاسب عليها بورغا ليست سوى امتداد لمسار فكري يمتاز بالنزاهة، ويرفض الخضوع لابتزاز أيديولوجي يحوّل المثقف إلى موظف عند السلطة، أو رويبضة يجتّر الأفكار السائدة.
عدا عن كونها محاكمة تُجرّم محاولة الفهم، وتُقصي أي محاولة لرؤية “الآخر” المسلم العربي الفلسطيني كذات بشرية كاملة، تستحق الإنصات لا التشييء، والفهم لا الإدانة المسبقة.