في الوقت الذي يتعرض فيه سكان غزة إلى حرب إبادة مكتملة الأركان، على مرأى ومسمع من الجميع، وعلى الهواء مباشرة، مخلفة ورائها عشرات الالاف من الشهداء والجرحى، معظمهم أطفال ونساء، وحصار ما يزيد عن مليوني عربي داخل القطاع، تغرد الإمارات العربية المتحدة، كالعادة، خارج السرب، على أوتار أخرى تُطرب حكامها وتوهمهم أنهم على الطريق الصحيح نحو تعزيز النفوذ ولو على حساب المرتكزات القومية والدينية والأخلاقية والإنسانية.
وبينما ينظر المسلمون لشهر رمضان على أنه موسم الإخاء والتكافل وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم والترابط بين المسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، كان لأبناء زايد رؤية مختلفة إزاء هذا الشهر، فهو موسم الإخاء والتكافل نعم، لكن ليس مع المسلمين ولا حتى أشقاء العروبة والإنسانية، لكنه مع اليهود والصهاينة وقادة الاستيطان ورموز الكيان المحتل المُلطخة يداه بدماء أطفال ونساء غزة، والصاعد نحو سلم النفوذ على جثث وأشلاء الأبرياء من المدنيين.
وحولت الإمارات هذا الشهر إلى خيمة كبيرة لغسل جرائم الصهاينة ودولة الاحتلال، عبر الموائد والولائم الرمضانية التي دُعي إليها رموز الإجرام الإسرائيلي من النخبة المتطرفة، في رسالة تعكس الكثير من الدلالات التي ترسخ التوجه العام الجديد لأبو ظبي إزاء القضية الفلسطينية تحديدًا والقضية العروبية بوجه عام.
دبلوماسية الموائد الرمضانية
شهد رمضان هذا العام، حضورًا لافتا لكبار القادة الإسرائيليين، من النخبتين السياسية والأمنية، على الموائد الإماراتية، بعضها كان في إطار رسمي بروتوكولي، والأخر كان في سياق شعبي من دعاة التطبيع والتقارب مع دولة الاحتلال من بعض المسؤولين الإماراتيين المقربين من دوائر صنع القرار في أبو ظبي.
البداية كانت مع الإفطار الرمضاني الذي أقامه وزير الدولة الإماراتي لشؤون الشباب سلطان النيادي، في أبو ظبي، والذي حضره سفير الاحتلال لدى الإمارات، يوسي شيللي، الذي أعرب عن تقديره للحفاوة التي استقبل فيها في هذا الإفطار، حيث نشر عبر حسابه بموقع إكس، قائلا: “كانت مبادرة إفطار القيم الإماراتية أول تجربة إفطار لي في الإمارات، وقد تشرفت بالاحتفاء بروح المجتمع والتسامح والعطاء على الطريقة الإماراتية”.
وأشاد السفير الإسرائيلي بكرم الضيافة الذي لقاه من الوزير الإماراتي واصفا إياه بـ “القلة الذين استكشفوا الفضاء، عملكم يجسد قيم التسامح والرؤية المستقبلية لدولة الإمارات لما فيه من خير للبشرية”.
وتابع “في أجواء رمضانية مفعمة بالمودة والسلام، سررت بحضور أولى فعاليات مبادرة إفطار القيم الإماراتية، حيث اجتمع الشباب مع الإخوة المقيمين على مائدة رمضانية عكست التلاحم المجتمعي، وروح العطاء والتسامح التي نشأنا عليها ونحرص على غرسها في نفوس الأجيال”.
استضاف وزير #الإمارات لشؤون الشباب، سلطان النيادي، سفير الاحتـ.ــلال الإسرائيلي، يوسي شيللي، في مأدبة إفطار رمضانية. pic.twitter.com/4LHQ5xOnHZ
— الخليج الجديد (@thenewkhalij) March 8, 2025
وفي تل أبيب، نظَّم سفير أبوظبي لدى الاحتلال، محمد الخاجة، مأدبة إفطار رمضانية، دعي إليها عشرات المسؤولين الإسرائيليين من مختلف الأطياف، على رأسهم رئيس الكنيست الإسرائيلي أمير أوحانا، ورئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي.
وادّعت السفارة الإماراتية في تل أبيب في ثلاث تدوينات لها باللغات العربية والإنجليزية والعبرية أن المأدبة أقيمت “في أجواء جسدت مبادئ الأخوة الإنسانية في هذا الشهر المبارك”.
وبالتوازي مع الدعوات البرتوكولية الرسمية، أقام عضو المجلس الوطني الاتحادي، ورئيس لجنة الدفاع والداخلية والشؤون الخارجية في البرلمان الإماراتي، المطبع راشد النعيمي، مأدبة إفطار رمضانية، في منزله، حضرها وفداً يضم عدداً من كبار قادة الاستيطان في الضفة الغربية، على رأسهم رئيس المجلس الإقليمي للمستوطنات (يشع) يسرائيل غانتس، والرئيس التنفيذي عمر رحاميم، ورئيس المجلس الإقليمي في تلال الخليل، إيليرام أزولاي، إضافة إلى الحاخام متانيا يديد، رئيس معهد “سفرا” المهتم بالصهيونية الدينية.
سابقة تاريخية.. الاحتفاء بقادة الاستيطان
حين أبرمت أبو ظبي اتفاقية التطبيع مع الاحتلال ( أبراهام) في أيلول/سبتمبر 2020 كان من بين ادعاءاتها لتبرير تلك الخطوة المستهجنة في ذلك الوقت، أن الاتفاقية ستعزز “السلام والاستقرار” في المنطقة، بما في ذلك وقف الاستيطان في الضفة الغربية، لكن ما جرى بعد ذلك يتنافى حد التناقض مع تلك المزاعم.
وبنظرة عامة على هوية الشخصيات التي دُعيت للموائد الإماراتية في رمضان، سواء تلك التي أقيمت في أبو ظبي أو في مقر سفارة الإمارات في تل أبيب، أو حتى التي أقامها المسؤولون المقربون من دوائر صنع القرار من المواطنين الإماراتيين، يلاحظ أن معظم من حضروا هم قامات الاستيطان في الأراضي المحتلة، ورموز التمدد الإسرائيلي على حساب الأراضي الفلسطينية، أبرزهم:
يسرائيل غانز: رئيس مجلس “يشع”، الهيئة التمثيلية للمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة سابقاً، ويرأس كذلك مجلس بنيامين الإقليمي، أكبر المجالس الداعمة للاستيطان في دولة الاحتلال، يضم أكثر من 80 ألف صهيوني في 45 مستوطنة بإحدى مناطق الضفة الغربية، من أكبر الداعين لطرد الفلسطينيين وتوسيع الاستيطان، ولديه علاقات قوية مع نتنياهو ورئيس الكيان إسحاق هرتسوغ لتعزيز مصالح المستوطنين.
4- مارس 2025: استقبال رسمي لرؤساء مجلس المستوطنات في أبوظبي
في حدث غير مسبوق، زار رؤساء مجلس مستوطنات “يشع” في الضفة الغربية العاصمة الإماراتية أبوظبي خلال شهر رمضان. وتمت دعوتهم إلى مأدبة إفطار رسمية من قبل د. علي راشد النعيمي، عضو المجلس الوطني الاتحادي، وهو ما يعد أول استقبال… pic.twitter.com/JS3VuNh1gr
— حمد الشامسي (@Alshamsi789) March 23, 2025
عمر رحاميم: الرئيس التنفيذي لمجلس “يشع”، وكان مستشاراً لوزير المالية الصهيوني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، ولديه دور كبير في تكريس مخطط الاستيطان من خلال العمل لسنوات على التخطيط الاستراتيجي لتطوير المستوطنات في الضفة وتعزيز أمنها، وعمل فترات ليست بالقصيرة مع رؤساء المجالس الاستيطانية على منع إقامة دولة فلسطينية.
إليرام أزولاي: رئيس المجلس الإقليمي (جبل الخليل)، الذي يشرف على عدة مستوطنات إسرائيلية في جنوب الضفة الغربية، وعمل طويلا على مصادرة أراضي الفلسطينيين الزراعية، حين كان يشغل منصب رئيس لجنة الزراعة في المجلس، وله دور كبير في سحب عشرات المزارع من الفلسطينيين ومنحها لمستوطنين، ويرى في تعظيم القطاع الزراعي الإسرائيلي حلقة مهمة في مشروع الاستيطان.
تكريم رموز اليمين المتطرف
إلى جانب الحفاوة التي استقبل بها الإماراتيون قادة الاستيطان والداعين للتوسع الاستيطاني على حساب الأراضي الفلسطينية، كان هناك تكريم من نوع أخر لرموز اليمين المتطرف، أبناء الصهيونية المتشددة، أصحاب المواقف الدامية المطالبة باستمرار الحرب في غزة، وإطالة أمدها دون سقف زمني ولا أفقي، أبرزهم:
أمير أوحانا: رئيس الكنيست، أحد أعضاء حزب الليكود، والذي عمل سابقاً في جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك)، خدم 6 سنوات في جيش الاحتلال في عدة مناصب. وشغل عدة مناصب بارزة في الحكومة الإسرائيلية، بما في ذلك وزير العدل، ووزير الأمن الداخلي.
من أبرز الداعمين للحرب الإجرامية ضد غزة، وبجانب ذلك فهو “مثليّ الجنس”، إذ يُعتبر أول شخصية مثليّة علنًا تتولى منصبًا وزاريًا في الحكومة الإسرائيلية وأول رئيس كنيست مثلي بشكل علني، ويقال إنه متزوج من شاب يدعى ألون حداد، وأن لديهما طفلين (ولد وبنت) وُلِدا عبر عملية تأجير الأرحام في الولايات المتحدة، وتذهب بعض التقارير إلى احتمالية أن يكون له دورًا في الترويج للمثلية الجنسية في الإمارات، مستغلا التقارب مع أبو ظبي.
تساحي هنغبي: رئيس مجلس الأمن القومي حالياً، وأحد الساسة والأمنيين المقربين لنتنياهو، وقد شغل العديد من المناصب الوزارية الرفيعة في الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة خلال ثلاثة عقود، انضم للعديد من الأحزاب اليمينية مثل “هتحيا” و”حيروت” و”الليكود”، ومن أشد الداعمين للوحشية الإجرامية في التعامل مع أهل غزة، ولطالما صرّح بأن الحرب ضدهم “ستكون قاتلة وطويلة الأمد وقوية”.
ومن بين الذين دعوا لموائد الإمارات الرمضانية، الحاخام متانيا يديد، واحد من أبرز رجال الدين المؤثرين في الداخل الإسرائيلي، يُدَرِّس الفكر اليهودي، والتلمود، وهو مؤسس ومدير مركز سفرا للتعليم والهوية والذي يخدم المجتمع الصهيوني الديني في “إسرائيل”، ويُعتبر أحد اللاعبين المحوريين في التقريب بين الشعبين الإماراتي والإسرائيلي وتذليل الخلافات بينهما من خلال مبادراته التي يطلقها تحت عنوان “المحبة غير المشروطة” كوسيلة لمواجهة الكراهية.
غسل سمعة الاحتلال
باستضافة الإمارات لتلك الرموز الصهيونية، وقادة التوسع الاستيطاني، وداعمي حرب الإبادة في غزة، يحاول أبناء زايد غسل سمعة الكيان المحتل وتجميل صورته، والتغطية على جرائمه وانتهاكاته بحق الشعب الفلسطيني، وإظهار دولة الاحتلال في صورة الدولة المسالمة المحبة للإخاء والتسامح، وهذا سر الحفاوة التي قوبلت به تلك اللقاءات على منصات التواصل الاجتماعي وفي الصحف والقنوات الإسرائيلية.
وتُرسخ تلك الممارسات على النهج الإماراتي الجديد الداعم للأجندة الإسرائيلية والساعي لتصفية القضية الفلسطينية من جذورها، وتأييد مخطط التهجير العنصري.
وهو ما يتماشى مع ما أورده موقع “Middle East Eye” البريطاني قبل أيام في تقريره الذي كشف من خلاله مساعي أبو ظبي استغلال نفوذها في البيت الأبيض وعلاقاتها الوثيقة بإدارة دونالد ترامب في العمل على إجهاض الخطة المصرية العربية بشأن مستقبل قطاع غزة وإعادة الإعمار، واتهام القاهرة بإعطاء قدر كبير من النفوذ لحركة “حماس”.
ويبذل السفير الإماراتي لدى واشنطن، يوسف العتيبة، المقرب من الصهيونية العالمية، وأحد رموز التطبيع، جهودّا مضنية في إجهاض الخطة المصرية، مستغلا علاقته الجيدة بالنخبة الأمريكية، وهو الذي كان قد صرح في وقت سابق بأنه لا يرى “بديلا” لدعوة ترامب في وقت سابق من هذا العام لتهجير الفلسطينيين قسرا خارج قطاع غزة.
استبسال في خدمة الأجندة الإسرائيلية
منذ توقيع اتفاقية أبراهام في أيلول/ سبتمبر 2020 وتؤكد الإمارات أنها حليف مطيع ومخلص لدولة الاحتلال على كافة المستويات، حيث قدمت نفسها كخادم مخلص للصهيونية وأجندتها التوسعية في المنطقة بصورة فاقت تصورات وتوقعات حاخامات إسرائيل في الداخل والخارج، إذ تجاوزت في غضون 4 سنوات فقط الدول التي سبقتها بعقود في مسار التطبيع (الأردن ومصر) بمسافات ضوئية كبيرة.
مع الأيام الأولى لتوقيع الاتفاقية فتحت أبو ظبي أسواقها واقتصادها وخزائنها أمام الشركات الإسرائيلية، لتنهل ما تشاء ودون أي سقف محدد، لتتعافى سريعا من الأزمات التي لحقت بها مؤخرًا جراء الاضطرابات التي شهدها السوق الإقليمي والدولي فضلا عن تداعيات التوترات مع الجانب الفلسطيني، لتتحول في وقت قصير جدًا إلى الحليف الأبرز والأهم لدولة الاحتلال في الشرق الأوسط.
وانكشف الانبطاح الإماراتي للرؤية الإسرائيلية بشكل فاضح مع بداية حرب غزة الحالية، إذ تبنّت أبوظبي منذ الوهلة الأولى خطابًا متسقًا ومتناغمًا مع سردية الاحتلال، ومشيطنًا للمقاومة وقادتها ورموزها، لتصطف شكلًا ومضمونًا، سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا، إلى جانب الاحتلال في مواجهة المقاومة والشعب الفلسطيني.
فكانت الدولة الأولى -بعيدًا عن إسرائيل وأمريكا- التي وصفت المقاومة الفلسطينية بـ”البربرية” ومنحت الكيان المحتل ما أسمته حق الدفاع عن النفس، وبينما كان الشارع العربي يلوح بردود فعل حازمة تجاه تل أبيب وقطع العلاقات معها، ردًا على المجازر التي تشهدها غزة، شددت أبو ظبي على الإبقاء على تلك العلاقات مع “إسرائيل” في أعلى منسوبها وتفتح أبوابها لاستقبال الضيوف الإسرائيليين.
واقتصاديًا لعبت الإمارات دورًا محوريًا في إجهاض تداعيات الحصار الذي فرضه الحوثيون على البحر الأحمر، دعما لغزة في مواجهة العربدة الإسرائيلية، حين منعوا مرور السفن القادمة إلى دولة الاحتلال من البحر الأحمر ومنها إلى ميناء إيلات، حيث دشّنت جسورًا برّية من المساعدات التي تحمل المواد السلعية والغذائية التي يحتاجها الإسرائيليون، وذلك عبر السعودية والأردن، هذا بخلاف الجسور الجوية لنقل المساعدات الطبية والإغاثية والعسكرية.
وأمام الدعوات التي تطالب بالمقاطعة الاقتصادية مع الكيان المحتل كأحد أسلحة الضغط غردت الإمارات عكس الاتجاه، لتعزز من علاقاتها التجارية مع المحتل بصورة أكبر خلال الحرب، فوفق الإحصائيات الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي إلى فإن إجمالي التبادل التجاري بين البلدين خلال الأشهر السبعة الأولى من عام (2024) بلغت 1.9 مليار دولار، بمعدل نمو 7% مقارنة بالفترة نفسها من العام 2023، كما زاد في الأشهر الثلاثة الأخيرة من نهاية عام 2023 بنسبة 17% عمّا كان عليه في العام 2022.
هذا بخلاف التعاون العسكري الواضح بين البلدين إذ كشفت بعض التقارير عن مشاركة طائرات إماراتية، تنطلق من قاعدة أمريكية في الأردن، في العمليات العسكرية التي يشنّها جيش الاحتلال في جنوب لبنان، وهو ما نفته أبو ظبي لاحقا، هذا في الوقت الذي تبنى فيه الإعلام الإماراتي خطابا متماهيًا مع السردية الإسرائيلية والعازف على وتر الشيطنة للمقاومة.
وكان نتاجًا لهذا الدور غير المتوقع الذي قام به أبناء زايد في دعم وخدمة الحليف الإسرائيلي، قبيل وأثناء الحرب الحالية، أن منحت الولايات المتحدة –بضغط من اللوبي الصهيوني- الإمارات صفة الشريك الدفاعي الرئيسي، في خطوة فٌسرت على أنها المكافأة العظمى التي ينتظرها حكام الدولة النفطية الصغيرة التي تراودهم أوهام وأحلام التعاظم الإقليمي والدولي.